في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
هبة بريس – ع محياوي
في قلب التاريخ المغربي، تقف المدينة العتيقة بفاس اليوم أمام اختبار قاسٍ، بعدما تحولت شقوق الجدران وانهيارات الأسقف إلى مشهد متكرر يهدد سلامة السكان ويثير قلقاً متزايداً حول مصير هذا التراث الإنساني العريق.
خلال الأشهر الأخيرة، تواترت حوادث انهيار منازل آيلة للسقوط داخل أزقة ضيقة تعج بالحياة اليومية. منازل شُيّدت منذ قرون، صمدت أمام تقلبات الزمن، لكنها باتت اليوم عاجزة عن مقاومة الإهمال، والرطوبة، وتآكل البنية التحتية، فضلاً عن غياب الصيانة الدورية.
سكان المدينة العتيقة يعيشون بين الخوف والتشبث بالمكان. فبالنسبة لكثيرين، لا تمثل هذه البيوت مجرد مأوى، بل ذاكرة جماعية وهوية متجذرة. غير أن هشاشة الوضع دفعت بعض الأسر إلى مغادرة منازلها اضطراراً، بينما يواصل آخرون العيش تحت تهديد دائم، في انتظار تدخل ينقذ ما يمكن إنقاذه.
خبراء في التراث العمراني يحذرون من أن استمرار الوضع الحالي لا يهدد الأرواح فقط، بل ينذر أيضاً بفقدان معالم تاريخية لا تُقدَّر بثمن. ويؤكدون أن المعالجة الترقيعية لم تعد كافية، داعين إلى مقاربة شمولية تجمع بين الترميم الهندسي الدقيق، والدعم الاجتماعي للسكان، وتوفير بدائل سكنية مؤقتة أثناء أشغال الإصلاح.
من جهتها، تعلن الجهات المعنية بين الحين والآخر عن برامج لإعادة التأهيل، غير أن وتيرة التنفيذ تبقى، حسب متابعين، أبطأ من حجم المخاطر المتصاعدة. وبين وعود الإصلاح وواقع الانهيارات، يبقى السؤال مطروحاً: هل تنجح الجهود المقبلة في حماية سكان المدينة العتيقة والحفاظ على إرثها الحضاري، أم أن الزمن سيسبق التدخل؟
المدينة العتيقة بفاس، بما تحمله من قيمة تاريخية وإنسانية، لا تحتاج فقط إلى ترميم حجارتها، بل إلى إنقاذ عاجل يعيد الاعتبار للإنسان قبل الجدران، ويصون ذاكرة مدينة شكّلت عبر القرون قلباً نابضاً للحضارة.
وفي صلب هذا الملف الشائك، يبرز دور وكالة التنمية ورد الاعتبار لمدينة فاس، باعتبارها الجهة المكلفة بتنزيل برامج ترميم وتأهيل النسيج العمراني للمدينة العتيقة، بتنسيق مع مختلف المتدخلين من سلطات محلية وقطاعات حكومية. وتتمثل مهام الوكالة، نظرياً، في إنجاز الدراسات التقنية، وتتبع أوراش الترميم، وصيانة المباني التاريخية، إلى جانب التدخل في المنازل المصنفة آيلة للسقوط بهدف تقليص المخاطر وحماية السكان.
غير أن تساؤلات مشروعة تفرض نفسها بإلحاح، خاصة بعد تكرار حوادث الانهيار: هل سيتم فتح تحقيق دقيق في ميزانيات ترميم هذه المنازل؟ وكيف تُصرف الاعتمادات المالية المخصصة لهذا الغرض؟ ثم ما هي المعايير التقنية والهندسية المعتمدة في تصنيف المنازل الآيلة للسقوط، وفي اختيار نمط التدخل، سواء تعلق الأمر بالترميم الجزئي أو الهدم وإعادة البناء؟
مصادر متتبعة للملف تشير إلى أن عملية التصنيف تعتمد على خبرات تقنية تشمل حالة الأساسات، والجدران الحاملة، ونسبة الرطوبة، ومدى تأثير الزمن والاستعمال غير الملائم للبنايات. غير أن غياب الشفافية في نشر نتائج هذه الخبرات، وعدم إشراك الساكنة في تفاصيل القرارات المتخذة، يفتح الباب أمام الشكوك ويغذي الإحساس بعدم الثقة.
وفي انتظار توضيحات رسمية، يطالب فاعلون مدنيون بضرورة ربط المسؤولية بالمحاسبة، وإخضاع برامج الترميم لافتحاص مالي وتقني مستقل، يضمن سلامة الأشغال، ونجاعة صرف المال العام، ويضع حداً لأي اختلالات قد تكون سبباً مباشراً في استمرار خطر يهدد الأرواح داخل المدينة العتيقة.
المصدر:
هبة بريس