يعيد الاحتفال باليوم الدولي لمنع التطرف العنيف عندما يفضي إلى الإرهاب، الذي يصادف 12 فبراير من كل سنة، إلى الواجهة التحدي المشترك الذي يواجه العالم ويتجاوز الحدود والسياسات ليصل إلى عمق العقول والقلوب؛ ذلك أن التطرف لا يهدد أمن الدول فحسب، بل يزعزع قيم المجتمعات ويهدم نسيجها، ما يجعل اعتماد مقاربات متكاملة الأركان لمواجهة هذا التحدي ضرورة ملحة للدول الراغبة في حماية مواطنيها وأمنها القومي.
في هذا السياق، تبرز التجربة المغربية في مواجهة التطرف ومكافحة الإرهاب كنموذج متقدم يجمع بين الحدس الاستراتيجي والأمني، وبين الوقاية الفكرية والتحصين الاجتماعي؛ إذ لم يعد الأمر يقتصر على التدخل الأمني فقط، بل امتد أيضا إلى الحقل الديني، والمدارس، والسجون، والأحياء الهامشية، وصولا إلى الفضاء الرقمي، وهو ما أسس لمنظومة متكاملة أصبحت اليوم نموذجا يحتذى به على المستويين الإقليمي والدولي، ويؤكد أن مواجهة التطرف والإرهاب تبدأ من الداخل قبل أن تمتد إلى الخارج.
في هذا الصدد، قال هشام معتضد، باحث في الشؤون الاستراتيجية، إن “التحول المغربي في معالجة التطرف العنيف يمثل نموذجا نادرا في المنطقة، حيث انتقل التركيز من مجرد التدخل بعد وقوع التهديد إلى استراتيجية استباقية للوقاية، تعتمد على الرصد المبكر للبوادر الفكرية والاجتماعية للتطرف، بدل انتظار لحظة الأزمة لتفجير الموارد الأمنية”، مبرزا أن “هذا الانتقال يعني أن المغرب لم يعد يكتفي بمحاصرة نتائج الإرهاب، بل يوجه الجهود لمعالجة الأسباب العميقة التي تنتج الفكر المتطرف، بما في ذلك الفقر، والانغلاق المجتمعي، وسوء استيعاب الخطاب الديني”.
وأضاف معتضد، في تصريح لهسبريس، أن “التجربة المغربية تظهر تكاملا بين مؤسسات الدولة المختلفة، حيث تتعاون المصالح الأمنية مع القطاعات الاجتماعية والتعليمية والدينية، ما يسمح برصد وتحليل الظواهر المشبوهة قبل أن تتحول إلى تهديدات ملموسة، وهو نهج قلّما تتم ملاحظته في بلدان المنطقة”، معتبرا أن “إعادة هيكلة الحقل الديني شكلت خطوة استراتيجية حاسمة؛ فالمؤسسات الدينية أصبحت تملك برامج تدريب واعية ومناهج منضبطة لمواجهة الفكر المتطرف، مع تعزيز روح الوسطية والاعتدال داخل المساجد والمدارس القرآنية، ما ساهم في تقليل فرص تأثير الشبكات المتطرفة على الشباب”.
وأشار أيضا إلى “برامج المراجعة الفكرية داخل السجون، التي شكّلت العمود الفقري لجهود الدولة لمحاصرة التطرف من الداخل، عبر إعادة تأهيل السجناء المتطرفين وتعريفهم بالمقاصد الحقيقية للنصوص الدينية، ما يسهم في تحييد الخطر قبل خروجهم إلى المجتمع”، مشددا على أن “الربط بين العمل الأمني والاجتماعي هو ما يجعل الاستراتيجية المغربية متقدمة؛ إذ لم تعد القوة الردعية وحدها قادرة على الحماية، بل أصبح الاستقرار المجتمعي جزءا من المنظومة الأمنية الشاملة”.
وأفاد معتضد بأن “الاعتماد على التقنيات الحديثة في الرصد والتحليل ساعد المغرب على التعرف على البؤر الخطرة والتأثيرات الرقمية للفكر المتطرف، ما يعكس فهم الدولة لعلاقة الأمن السيبراني بالتطرف العنيف، ويجعل من جهودها استباقية بشكل ملموس”، مؤكدا أن “التجربة المغربية اليوم تقدم نموذجا إقليميا يُحتذى به؛ إذ يوضح أن معالجة التطرف العنيف لا تتم فقط بالإنذار أو القمع، بل بالجمع بين الوقاية الفكرية، الرصد الاجتماعي والإصلاح المؤسساتي، ما يجعل الدولة قادرة على بناء منظومة أمنية متوازنة ومستدامة”.
من جهته، أوضح البراق شادي عبد السلام، خبير دولي في إدارة الأزمات وتحليل الصراع وتدبير المخاطر، أن “الذكرى الأممية لمنع التطرف العنيف تشكل محطة للوقوف على نجاعة النموذج المغربي، الذي جعل من مفهوم الأمن الشامل عقيدة تلازم فيها الاستباق الأمني مع التحصين الروحي تحت إشراف مؤسسة إمارة المؤمنين. ويعكس هذا المسار الاستراتيجي إرادة الدولة في معالجة بواعث التشدد من جذورها عبر إصلاحات عميقة في الحقل الديني والاجتماعي، مما جعل المملكة منصة دولية لتصدير قيم الاعتدال والتعايش السلمي”.
وسجل البراق، في تصريح لهسبريس، أن “النجاح المغربي في هذا المجال يرتكز على التوازن الدقيق بين صون الحريات وضمان الاستقرار؛ إذ انتقلت المقاربة من حماية الحدود إلى حماية العقول من الاختراق الأيديولوجي. ويمثل هذا التوجه التزاما أخلاقيا ومؤسساتيا يجعل من الفرد شريكا في البناء الأمني، ويحول دون تحول الهشاشة إلى مادة خام للاستقطاب المتطرف، مما يضمن ديمومة السلم المجتمعي في ظل الثوابت الوطنية”، مبرزا أن “هذا التحول يشكل قطيعة منهجية مع الأساليب التقليدية، ما مكن الدولة من وضع اليد على مكامن الخطر قبل تحوله إلى فعل مادي”.
ولفت الخبير الدولي في إدارة الأزمات وتحليل الصراع وتدبير المخاطر إلى أن “هذا التوجه يرتكز على عقيدة ‘الأمن الوقائي’ التي تعتمد على اليقظة المستمرة وتحديث الترسانة القانونية لمواكبة التحولات في الظاهرة الإرهابية، خاصة فيما يتعلق بالاستقطاب الرقمي، بحيث شملت هذه السياسة مراجعة البرامج التعليمية وتجويد الخطاب الديني الرسمي، بهدف تحصين الأمن الروحي للمواطنين وحمايتهم من الانزلاق نحو التشدد”.
وأوضح أن “هذه المقاربة تجلت عمليا في إطلاق برامج هيكلية كبرى، على رأسها ‘المبادرة الوطنية للتنمية البشرية’ التي استهدفت محاربة الهشاشة والفقر في الأحياء الهامشية لقطع الطريق أمام الجماعات المتطرفة التي تستغل العوز الاجتماعي. كما برز برنامج ‘مصالحة’ كآلية فريدة لإعادة تأهيل المعتقلين”.
وسجل البراق وجود “تكامل مؤسساتي تحقق عبر التقائية السياسات العمومية على هذا المستوى؛ إذ يشتغل المكتب المركزي للأبحاث القضائية بتنسيق وثيق مع مختلف الأجهزة الاستخباراتية والأمنية لضمان التفوق المعلوماتي. هذا التناغم الأمني يسير جنبا إلى جنب مع تأطير ديني مؤسساتي يضمن وحدة المرجعية الدينية القائمة على إمارة المؤمنين والوسطية والاعتدال”.
المصدر:
هسبريس