احتضنت العاصمة الإسبانية مدريد، نهاية الأسبوع الجاري، سلسلة لقاءات دبلوماسية مهمة أجراها وزير الشؤون الخارجية الإسبانية، خوسي مانويل ألباريس، شملت نظيريه الموريتاني، محمد سالم ولد مرزوگ، والجزائري، أحمد عطاف، في خطوة لتعزيز التعاون الإقليمي والثنائي مع البلدين.
في اللقاء مع الوزير الموريتاني ركز ألباريس على التقدم المحرز في علاقات الصداقة والشراكة بين مدريد ونواكشوط، مؤكدا وضع اللمسات الأخيرة على اتفاقية التعاون رفيعة المستوى الأولى لسنة 2025. كما أبرز اللقاء نتائج التعاون في مجال تنظيم الهجرة والتنقل، مشيرا إلى مساهمته في إنقاذ آلاف الأرواح في المحيط الأطلسي، إضافة إلى تعزيز التعاون الاقتصادي والتجاري، ولا سيما في قطاع الصيد، ودعم أنشطة معهد ثيربانتس لتعزيز اللغة الإسبانية كعامل تقوية للعلاقات الثقافية بين البلدين.
وتركز اللقاء مع وزير الخارجية الجزائري، أحمد عطاف، على استعراض واقع العلاقات الثنائية بين البلدين على المستويات السياسية والاقتصادية والتجارية، مع تبادل وجهات النظر حول القضايا الإقليمية والدولية ذات الاهتمام المشترك. وأكد ألباريس متانة العلاقات الإسبانية-الجزائرية، باعتبار الجزائر شريكا إستراتيجيا وموردا رئيسيا للغاز، لافتا إلى الازدهار الملحوظ في المبادلات التجارية بين البلدين خلال السنوات الأخيرة.
وشددت الخارجية الجزائرية على أن اللقاء يأتي ضمن زيارة عمل تهدف إلى تعزيز التعاون الثنائي، خاصة في مجالات الطاقة والتجارة والاستثمار والنقل، والتحضير للدورة الثامنة للاجتماع رفيع المستوى الجزائري-الإسباني. كما تم خلال اللقاء تبادل وجهات النظر حول تطورات الأوضاع في منطقة الساحل والصحراء والتحديات المشتركة في الفضاء الأورو-متوسطي.
وتأتي هذه المحادثات بالتزامن مع تحركات دبلوماسية أمريكية تهدف إلى عقد لقاء رباعي حول نزاع الصحراء، يُتوقع انعقاده قريبا، ما يضع اللقاءات الإسبانية-الموريتانية والجزائرية داخل إطار أوسع من المساعي الدولية لتعزيز الاستقرار والتعاون الإقليمي.
عبد الوهاب الكاين، رئيس منظمة “أفريكاووتش”، قال إن الحكومة الإسبانية تسعى إلى إعادة تطبيع علاقاتها الدبلوماسية مع الجزائر بعد تراجعها على خلفية دعم مدريد مقترح الحكم الذاتي كحل جاد وفعال للنزاع المفتعل في الصحراء المغربية، مؤكدا أن هذا التوجه يأتي في إطار رغبة إسبانيا في إنهاء عقود من الجمود السياسي الذي أعاق قدرة الصحراويين على المشاركة الفعلية في البحث عن حل مستدام.
وأضاف الكاين لهسبريس أن الجزائر تحاول في المقابل إحياء العلاقات مع إسبانيا على وقع انعكاسات قرار مجلس الأمن الأخير الذي يجعل من مقترح الحكم الذاتي المغربي الإطار المرجعي الوحيد لأي عملية سياسية، مشيرا إلى أن المحادثات التي جمعت الوزيرين الإسباني والجزائري بمدريد لم تتطرق صراحة لنزاع الصحراء، رغم راهنيته وتأثيراته على الاستقرار الإقليمي والمغاربي والأوروبي والدولي.
وتابع المتحدث ذاته: “إن هذا الصمت الإستراتيجي يطرح تساؤلات حول دوافع الجزائر في عدم إدراج ملف الصحراء في جدول الأعمال”، موردا أن “التركيز على القضايا الاقتصادية والطاقة والتجارة والهجرة يهدف إلى التخفيف من حدة التوتر دون التطرق إلى الملف السياسي الحساس، في حين تستغل إسبانيا الفرص لتعزيز مصالحها الاقتصادية والطاقة وفتح أنبوب الغاز بما يخدم خزينة الدولة دون الدخول في تفاصيل النزاع”.
واعتبر المحلل السياسي نفسه أن النهج الجزائري يعكس محدودية قدرة القنوات الدبلوماسية في التأثير على محيطها الإقليمي والدولي، خاصة في ظل الزخم الدبلوماسي الإسباني الداعم لمقترح الحكم الذاتي وخطة المغرب، وما ترتب على ذلك من انتكاسات جزائرية سابقة على المستوى السياسي والدبلوماسي، إضافة إلى عدم تمكن البلاد من فرض شروطها في أروقة الأمم المتحدة.
وأكد نائب منسقة تحالف المنظمات غير الحكومية أن التركيز على التعاون في الشؤون الاقتصادية والطاقة والتجارة، مع مراعاة حساسية النزاع، يعكس رغبة الطرفين في الحفاظ على مصالحهما المتبادلة، دون أن يخضعا للضغوط أو المحاولات للتأثير على مواقفهما التاريخية، خصوصا في ما يتعلق بموقف إسبانيا الثابت تجاه المغرب وقضاياه.
وأبرز مصرح هسبريس أن الاجتماع بين الوزيرين تناول التطورات الإقليمية والدولية، بما في ذلك التحديات في منطقة الساحل والصحراء والتنسيق في الفضاء الأورو-متوسطي، غير أن ملف الصحراء المغربية ظل خارج نطاق النقاش المباشر، وهو ما يعكس إستراتيجية الجزائر في الحفاظ على هامش مناورة دبلوماسي دون الدخول في تفاصيل حساسة قد تقوض مصالحها.
وفي هذا السياق يرى عبد الوهاب الكاين أن صمت الجانبين حول النزاع لا يعني تجاهل أهميته، بل يشير إلى اعتماد الدبلوماسية الجزائرية-الإسبانية أسلوب المرونة التكتيكية في إدارة العلاقات الثنائية، مع التركيز على تعزيز التعاون الاقتصادي والطاقة والتجارة، ما يترجم إدراك جميع الأطراف أهمية الحفاظ على استقرار العلاقات الإقليمية والدولية دون المساس بالمواقف الثابتة تجاه قضية الصحراء.
أكدت مينة لغزال، منسقة “تحالف المنظمات غير الحكومية الصحراوية”، أن الدبلوماسية الإسبانية تواكب التغيرات العالمية بسرعة وصرامة، مع الحفاظ على مصالح ورغبات الشعب الإسباني في قضايا حساسة، بما في ذلك الدفاع عن حقوق الشعب الفلسطيني ورفض سياسات الإدارة الأمريكية الجديدة في مجال الإنفاق الدفاعي وحلف الشمال الأطلسي، مع إيلاء اهتمام خاص لتطوير العلاقات الثنائية مع دول الجوار الإفريقي، خاصة في ما يخص نزاع الصحراء المغربية وإدارة الهجرة والتعاون الأمني والصيد البحري والطاقة.
ونبهت لغزال، في تصريح لهسبريس، إلى أن لقاء وزير الخارجية الإسباني، خوسي مانويل ألباريس، مع نظيره الموريتاني محمد سالم ولد مرزوك يأتي في إطار تعزيز الشراكة الإستراتيجية بين مدريد ونواكشوط، وتحديدا تنفيذ ما تم الاتفاق عليه في الاجتماع الرفيع المستوى لعام 2025، مشيرة إلى أن الاجتماع ركز على تنسيق سياسات الهجرة النظامية وتنقل الأفراد بين الضفتين بهدف حماية الأرواح في المحيط الأطلسي، وتعزيز التعاون الاقتصادي والتجاري، خاصة في قطاع الصيد.
وأوضحت المتحدثة ذاتها أن الخطوة الموريتانية المتمثلة في توسيع الشراكة مع إسبانيا تمثل نقلة نوعية في الأداء الدبلوماسي للموريتانيين، استنادا إلى الخبرة المتراكمة والوعي بالتحديات التنموية، مع فتح المجال أمام الاستثمار الخارجي ودعم جهود التنمية المحلية، مؤكدة أن الاجتماعات الأخيرة جاءت لتعزيز مخرجات اتفاقيات التعاون الأربع التي شملت الضمان الاجتماعي والنقل والأمن السيبراني والمنتزهات الوطنية.
وزادت منسقة “تحالف المنظمات غير الحكومية الصحراوية”: “تسعى إسبانيا من خلال هذا التوجه الدبلوماسي الجديد إلى جعل دول شمال إفريقيا شركاء أساسيين في شبه الجزيرة الإيبيرية، في إطار علاقات نفع متبادل تحقق التنمية والرفاه لشعوب المنطقة، مع إدراك أن التحرك المنفرد لم يعد كافيا أمام تغول القوى الكبرى وسيادة لغة المصالح على قيم التضامن”.
وسجلت الفاعلة المدنية أن توسيع العلاقات الإسبانية-الموريتانية يعكس أيضا أولويات الاتحاد الأوروبي، الذي وقع مع موريتانيا اتفاقية شاملة للهجرة في مارس 2024 ضمن برنامج البوابة العالمية، بما يشمل التعاون في إدارة الهجرة، تطوير الهيدروجين الأخضر، البنية التحتية الرقمية، ودعم بعثات حفظ السلام.
وذكرت الباحثة في نزاع الصحراء أن هذه المبادرات تعزز فرص شراكة إستراتيجية أوسع بين الاتحاد الأوروبي وموريتانيا، وأوردت أن الاجتماعات الحالية تمثل منصة لمتابعة تنفيذ الاتفاقيات وتحقيق آفاق عمل أكبر للعام 2026.
وأنهت مينة لغزال حديثها لهسبريس بتأكيدها أن هذا النهج يعكس إدراك جميع الأطراف أهمية التعاون متعدد الأطراف في مواجهة الأزمات العالمية.
المصدر:
هسبريس