هل يمكن لحجارةٍ صامتة في وليلي أو شالة أن تملك من الجرأة ما يكفي لتقول لنا إننا لا نعرف تاريخنا كما نظنّ؟ وهل نفهم بلدًا مثل المغرب من زاوية القبائل والأعراف المحلية فقط، أم من زاوية الإمبراطورية التي وصلت إلى حدوده ثم ظنّت أنها روّضته؟ وحين ننظر إلى هذه المرحلة، هل نراها سطرًا ثانويًا في كتاب روما، أم مرآةً تكشف لنا كيف تعلّم المغربُ، مبكرًا جدًا، أن يفاوض القوى الكبرى دون أن يتخلى عن لغته الداخلية؟
تبادرتْ إلى ذهني هذه الأسئلة وأنا أرافق زملاء لي من جامعاتٍ أوروبية في جولةٍ بدت، في ظاهرها، أكاديمية خالصة، لكنها ما لبثت أن تحوّلت إلى تجربةٍ أعمق من الزيارة وأبعد من الوصف. وبينما كنا نعبر فضاءات متحف التاريخ والحضارات ونقف عند المآثر الرومانية بالرباط، كان المكان يفرض إيقاعه الخاص، كأنّه يستدعي ذاكرةً جماعية تتجاوز حدود الجغرافيا والانتماء. لم تكن الخطوات متشابهة، ولا النظرات واحدة؛ فكلّ أثرٍ كان يفتح بابًا للتأمّل، ويعيد طرح سؤال العلاقة بين التاريخ والإنسان، وبين المدينة ومن يعبرُها. هكذا، وجدتُ نفسي لا أشرح المكان فحسب، وإنما أُصغي إليه، وأُعيد اكتشافَه من خلال أعْينٍ جاءت من بعيد، لكنها سرعان ما أصبحت جزءًا من لحظته.
لم يكن المغرب في العصر الروماني كما يبدو في خرائط الإمبراطورية وخطابها الرسمي، مجرّد هامش حدودي بعيد، لكنه كان في العمق فضاءً تاريخيًّا شديد التركيب لتشكّل الهويات وتفاعل النماذج السياسية والثقافية. فحين امتد النفوذ الروماني إلى هذه الجهات، لم يقتحم أرضًا خاوية من غير تقاليد، ذلك أنه اصطدم بمنظومات مَحليّة ذات خبرة في التّحالف كما في الصّدام، وبشبكات اجتماعية وزراعية تعرف كيف تنظّم الأرض والسلطة وتوزيع الموارد وفق منطق مُتماسك لا يقلّ تعقيدًا عن منطق المركز في روما.
من ثمّ، لا يمكن اختزال الوجود الروماني في المغرب في صورة سلطة نزلت عموديًّا على “أطراف” بعيدة، وإنما يمكن قراءته بوصفه مسلسلًا من التّفاوض بين نموذَج إدَاري–عسْكري يسْعى إلى ضبط طرق التجارة، والتحكم في الجباية، وتأمين الحُدود عبر المدن والقلاع، وبين نموذج محلي قبَلي–زرَاعي يشتغل بمنطق التكيّف الانتقائي: يقبلُ ما يفِدُه من الحضور الروماني، ويرفُض ما يهدّد توازناته الدّاخلية. تولَّدت من هذا الاحتكاك أوضاع هجينة؛ تداخل فيها القانون الرّوماني مع الأعْراف المُتوارثة، واللغة اللاتينية مع اللغات المتداولة، وبرزت نُخَب تتحرّك بين عَالمين، ما جعل المغرب الروماني ليس مجرد هامش جغرافي للإمبراطورية، وإنما مختبرًا حيًّا لإعادة تعريف السلطة والهوية وحدود الانتماء.
في هَذا السّياق، تكتسبُ الحجارة، بما هي بقايا عمرانٍ ومادة آثار، وظيفة تتجاوز قيمتها المادية إلى مستوى “وثيقة ناطقة” بلغةٍ صامتة. فمواقع مثل وليلي وشالة تُظهر، من خلال المعابد، والفسيفساء، والنقوش، طبقات متراكبة من الذاكرة: لاتينية في مسْتوى الخطاب الرسمي والإدارة والعُملة، والطقوس، وتمثلات المكان. إن الخُطوط المحفورة على الشواهد، وأشكال الأعمدة، وتخطيط الأحياء السكنية، ليست عناصر معمارية فحسب، بقدر ما هي رموز يمكن قراءتها لفهم كيف جرى التفاوض بين “لغة” الإمبراطورية ولغة السكان الأصليين، وكيف أُعيد إنتاج السلطة والهوية في فضاءاتٍ حضرية تشهد في الوقت ذاته على الاندماج والممانعة.
لم يكن حضور روما في المغرب مجرّد امتداد إداري لإمبراطورية مترامية الأطراف، كان مشروعًا متدرّجًا أعاد تنظيم المجال وربط أطرافه ضمن رؤية سياسية واقتصادية حسبما روته العديد من السرديات التاريخية حول هذه الحقبة. فمنذ إدماج موريطانيا الطنجية في المنظومة الرومانية، تحوّل شمال المغرب إلى فضاء “استراتيجي” يجمع بين الانضباط الإمبراطوري والمرونة المحلية، حيث لم تُفرض الثقافة الرومانية فرضًا، بقدر ما تسرّبت عبر المدينة والقانون والتجارة. هكذا، شكّلت وليلي قطبًا حضريًا بارزًا. هناك، يظهر النموذج الروماني في أوضح صوره: عمران منظم، ساحات عامة، حمّامات، ومعابد، ونقوش تؤرّخ لحياة مدنية نشطة. غير أنّ وليلي لم تكن مدينة “مستنسخة” من روما؛ ذلك أنها حافظت على عناصر محلية في أنماط السكن والزخرفة، ما يعكس توازنًا دقيقًا بين المركز الإمبراطوري والهوية الأمازيغية.
اقتصاديًا، لعب المغرب الروماني دوْر المموّن الحيوي. الزراعة، خصوصًا الحبوب والزيتون، كانت عماد الازدهار، مدعمة بشبكة طرق ربطت الداخل بالموانئ الأطلسية والمتوسطية. حوّل هذا الترابط المجال المغربي إلى معبر تبادل، يسهِم في تداول الأفكار واللغات والأنماط الاجتماعية. في مقابل ذلك، وعلى الساحل الأطلسي، برزت الرباط الرومانية عبر سلا كولونيا، المدينة التي نمتْ عند مصبّ نهر أبي رقراق. لم تكن سلا مركزًا زراعيًا داخليًا فحسب، فقد كانت محطة بحرية ذات وظيفة مزدوجة: تأمين الساحل الأطلسي وربطه بالتجارة الإمبراطورية، منحها هذا الموقع دورًا مهما في مراقبة الحركة البحرية، وجعلها حلقة وصل بين الداخل المغربي والعالم المتوسطي.
هكذا، تتجلّى داخل أسوار شالة طبقات التاريخ في وضوحٍ لافت؛ إذ إنّ هذه الحاضرة، التي ستعرف لاحقًا ازدهارًا إسلاميًا، احتفظت في عمقها ببصماتٍ رومانية تعكس تنوّعًا بشريًا غنيًا. فقد تقاسم إداريون رومانيون، وتجار، وجنود، وسكّان محليون المجال ذاته، في نموذجٍ من التعايش يفسّر قدرة المنطقة على استيعاب التحوّلات اللاحقة، من الرومان إلى غيرهم، دون أن تفقد توازنها الحضاري العميق.
من هذه الزاوية، تحوّل “المغرب الروماني” من فصلٍ ملحق بتاريخ روما إلى مكوّن بنيوي في تاريخ المغرب نفسه. فدراسة هذه المرحلة لا تُفيد فقط في إعادة تركيب تسلسل الأحداث السياسية أو العسكرية، بيد أنها تسمح بفهم أعمق لمسار تشكّل الهوية المغربية بوصفها هوية تراكمية، نشأت من تداخل المؤثرات الأمازيغية والرومانية، ثم لاحقًا العربية-الإسلامية. إن الحجارة التي “تروي حكاياتها الخاصة” ليست استعارة شعرية بقدر ما هي دعوة إلى قراءة المادة الأثرية بوصفها نصًّا موازيًا للمصادر المكتوبة، يضيء علاقة المغرب بالمركز الإمبراطوري، ويكشف كيف استطاعت هذه الرقعة الجغرافية أن تستوعب حضور روما دون أن تنحلّ فيه، وأن تحوّل أثر الإمبراطورية إلى طبقة من طبقات ذاكرتها الطويلة، لا إلى هوية بديلة عنها.
في أقصى الغرب من عالمٍ كان يظن نفسه مركزَ الكون، كان المغرب يشكّل هامشًا بعيدًا على خريطة الإمبراطورية الرومانية. ومع ذلك، فإن هذا الهامش لم يكن صامتًا قط؛ فقد كان فضاءً يهمس بالإيقاعات الأولى للمدن، وبأنفاس الجنود، وبخطوات المزارعين الذين تعلموا كيف يفاوضون الأرض والزمن بذكاءٍ لا يحتاج إلى اللاتينية. عندما وطئت روما تراب المغرب، لم تكن البلاد صفحة بيضاء، كانت رقعة مضاءة بأعرافٍ أمازيغية ضاربة الجذور. وجد الرومان أمامهم مجتمعًا يعرف معنى التحالف كما يعرف معنى المقاومة، مجتمعًا لا يذوب بسهولة في ثقافة الآخر، لكنه لا يرفض التعلم منه أيضًا. وهكذا أصبح المغرب الروماني مساحةً هجينة: ليست روما الخالصة، وليست المغرب القديم وحده؛ بل منطقة لقاءٍ تتجاور فيها الطقوس، وتتشابك فيها اللغات، وتتعانق فيها الأساطير.
في وليلي، لا تزال الحجارة تقف مثل شهود صامتين على زمنٍ كان يُدار فيه الحكم باللاتينية، وتُحكى فيه الأساطير بالأمازيغية، وتُباع فيه السلع بعملة تحمل رأس الإمبراطور. هناك، في ذلك الامتداد المفتوح على الضوء، يمكن للمرء أن يشعر بأن الزمن لم يمرّ كليًا؛ وكأن الهواء الذي يعبر بين الأعمدة لا يزال يحمل فتات حوارٍ بين قائد روماني وفلاح مغربي حول موسم الزيتون. لم يكن المغرب الروماني مجرّد قاعدة عسكرية؛ كان حقلَ تجربة في مفهوم “الاندماج دون انصهار”. فقد تعلّم الرومان أن التحكم في طرق التجارة أهم من التحكم في القرى، وأن استرضاء القبائل أكثر نفعًا من قمعها، وأن سهول المغرب، بما فيها من خصوبة، قادرة على أن تغدو سلة غذاء للإمبراطورية دون أن تفقد روحها المحلية. وحين انهارت الإمبراطورية، بقي المغرب قائمًا؛ بقيت المدن، لكن الذاكرة أعادت ترتيبها؛ بقيت النقوش، لكن الأصوات التي صنعتها تبدّلت؛ وبقيت الحجارة، لكن اللغة التي تسكن بينها عادت أمازيغية، عربية، مغربية…
هكذا كان المغرب الروماني: ليس فصلًا من تاريخ روما، وإنما فصلًا من تاريخ المغرب نفسه، فصلًا يُثبت أن الهوية ليست جدارًا مغلقًا، بقدر ما هي نهر يلتقي فيه القادم والغابر، دون أن يفقد الماء أصله.
بعد خروجنا من متحف التاريخ والحضارات بالرباط، شعرتُ كأن الزمن قد انشقَّ ليعبرني بدل أن أعبره. في القاعات المضيئة بنور خافت، كانت القطع الرومانية تلمع كما لو أنها تهمس بأخبارِ أناسٍ عاشوا هنا ولم يغادروا تمامًا. رأيتُ في وجوه التماثيل ملامح مألوفة، كأنها وجوه أبناء هذا البلد وقد امتدّت جذورهم إلى ما قبل الذاكرة. وحين توقّفت أمام فسيفساء قادمة من وليلي، أحسست أن روما لم تكن غريبة كما نتصورها، وأن المغرب لم يكن يومًا منعزلًا عن حركة العالم. فجأة فهمتُ لماذا أتحدث عن المغرب الروماني: لأن تلك الشذرات المحفوظة في المتحف جعلتني أدرك أن تاريخنا ليس خطًّا مستقيمًا، إنه نهرٌ تتجاور فيه التيارات، وكل تيار يضيف طبقةً من الضوء على هويتنا. خرجتُ من المتحف مقتنعًا أن الماضي ليس وراءنا، إنه تحت أقدامنا، يتحرك معنا ونحن نمشي نحو الغد.
في الرباط، لا تبدو شالة مجرد فضاء أثري، إنها كتاب مفتوح على حياةٍ كانت نابضة بين أسوار “سالا كولونيا” الرومانية. هناك، حيث تمتد بقايا البازيليكا وفسيفساء البيوت القديمة، ينهض الماضي مثل طائرٍ يرفض أن يموت. في شالة، تشعر أنّ الحجارة تحمل رائحة البحر القادم من نهر أبي رقراق، وأن الزمن يتردّد بين أنقاض المعبد الروماني والبوابة التي قادت يومًا إلى مدينةٍ كانت تُدار بصرامة الإمبراطورية. وما إن تجلس على إحدى الدرجات العتيقة، حتى تتخيّل القوافل القادمة من سلا، والتجار الذين عبروا الطريق الساحلي لجلب الزيت والحبوب نحو الميناء الروماني القديم. إن الرباط، من خلال شالة تحديدًا، لا تقدّم مآثر رومانية فقط، وإنما تقدّم لحظةً نادرة يلتقي فيها التاريخ بالمنظر الطبيعي، ويصبح المكان نفسه شاهدًا على حضارةٍ مرّت، لكنها لم تغادر الذاكرة قط.
حين نخرج من متحف التاريخ والحضارات بالرباط، أو نعبر بين أطلال شالة وفسيفساء وليلي، هل نغادر فعلاً الماضي أم ندخل طبقةً أخرى من الحاضر؟ إذا كانت روما قد رحلت سياسيًا، فهل رحلت رمزيًا من وعينا، أم ما زالت حاضرة في جغرافيا المدن، في طرق التجارة القديمة، وفي طبقات الهوية التي نحملها اليوم دون أن ننتبه؟ أليس من حقنا أن نسأل: إلى أي حدّ ساهم المغرب الروماني في تشكيل فكرة المغرب التي نعيش داخلها الآن؟ وإذا كانت الحجارة لا تزال تروي قصتها بلغاتٍ متعددة – أمازيغية، لاتينية، عربية – فهل نملك نحن الشجاعة لنصغي إليها باعتبارها دعوة لإعادة كتابة علاقتنا بتاريخنا، بحيث لا نرى فيه ماضيًا منتهيًا، وإنما رصيدًا يتحرك معنا ونحن نعيد تصميم مكاننا في العالم؟
المصدر:
هسبريس