آخر الأخبار

انهيار 62 منزلا وإجلاء 1300 شخص في أسوأ اضطرابات جوية بتطوان منذ 40 عاما (فيديوهات)

شارك

في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي

تعيش مدينة تطوان، على غرار باقي أقاليم جهة طنجة تطوان الحسيمة، على وقع واحدة من أعنف الاضطرابات الجوية بالمنطقة منذ أكثر من أربعة عقود، بعدما تسببت التساقطات المطرية الاستثنائية والرياح العاصفية القوية في فيضانات واسعة، وانهيارات أرضية، وأضرار جسيمة في البنية التحتية والمباني، وإجلاء مئات الأسر من مناطق الخطر.

وخلال جولة ميدانية لجريدة “العمق” بعدد من أحياء المدينة ومحيطها القروي، عاينت الجريدة حجم الخسائر التي خلفتها الأمطار الغزيرة، وآثار السيول التي حولت شوارع وأزقة إلى مجاري مائية، وعزلت تطوان عن محيطها لساعات طويلة، في مشهد غير مسبوق منذ سنوات طويلة.

وامتلأ وادي مرتيل عن آخره، وهو الوادي الأكبر والرئيسي في الإقليم، وذلك بفعل الأمطار الغزيرة وعمليات تفريغ سد الشريف الإدريسي، أكبر سدود إقليم تطوان والخامس على مستوى الجهة، حيث رصدت الجريدة استمرار عمليات تفريغ المياه من السد الذي تبلغ سعته 121 مليون متر مكعب، وتصل نسبة ملئه إلى %100، علما أنه دخل الخدمة سنة 2018.

حصيلة ثقيلة

بحسب معطيات رسمية توصلت بها جريدة “العمق” من السلطات الإقليمية بتطوان، فقد كشفت الحصيلة المؤقتة للأضرار عن أرقام مقلقة، تعكس حجم الكارثة التي عرفها الإقليم يوم الأربعاء.

وأبرزت المعطيات تسجيل 62 حالة انهيار جزئي أو كلي للمنازل، وترحيل 1392 شخصا من المناطق المهددة، موزعين بين من لجؤوا إلى أقاربهم، ومن تم إيواؤهم بمراكز مجهزة.

وأكدت السلطات أن عمليات الإخلاء ما تزال متواصلة حسب تطور منسوب السيول، دون تسجيل أي حالة رفض للترحيل، حيث أبان المواطنون عن وعي كبير بالمخاطر وتعاون ملحوظ مع مختلف المتدخلين.

وفي هذا الإطار، سجلت السلطات إفراغ ثلاثة سدود في إطار التدبير المصاحب لمنسوب المياه، فيما شهد 16 واديا ورافدا تدفقات قوية أدت إلى فيضانات على جنباتها.

وسُجل قطع طريقين مصنفين، هما الطريق الجهوية 416 والطريق الإقليمية 4702، إلى جانب ثلاث طرق معبدة غير مصنفة، مع تسجيل 52 انهيارا للتربة الجبلية.

كما أن انجراف التربة في العالم القروي أدى إلى انقطاع مسالك طرقية حيوية، مما صعب وصول فرق الإنقاذ والإمدادات إلى بعض المناطق المعزولة.

كما تسببت الرياح العاتية في انهيار عدد من أعمدة الإنارة العمومية وسقوط أشجار بعدة شوارع وأحياء داخل المدينة وضواحيها، ما خلف اضطرابات في حركة السير وانقطاعات متفرقة للكهرباء، قبل تدخل الفرق التقنية لإصلاح الأعطاب.

يوم عُزلت تطوان

كان أول أمس الأربعاء الماضي الأصعب منذ بداية هذه الاضطرابات الجوية، حيث بلغت التساقطات ذروتها، وتسببت في فيضانات أربكت الحياة اليومية وشلت حركة التنقل.

وعاينت جريدة “العمق” قطع الطرق الوطنية التي تربط تطوان بباقي مدن الجهة، ويتعلق الأمر بالطرق المؤدية إلى طنجة على مستوى جماعة السحتريين، ومع شفشاون عند مدارة بالوما، ومع الحسيمة عند حي كويلما والطريق المؤدية إلى جماعة أزلا، إضافة إلى الطريق نحو المضيق وسبتة عبر جماعة الملاليين.

كما قُطعت عدة طرق جهوية وإقليمية داخل الإقليم، ما أدى إلى عزل قرى ودواوير بأكملها، خاصة بالمناطق الجبلية التي شهدت انجرافات ترابية كثيفة.

وفي أحياء موكلاتة وكويلمة وسيدي البهروري وغيرها من الأحياء المتضررة، عاينت الجريدة غمر المياه لعشرات المنازل، خاصة الطوابق الأرضية، مخلفة خسائر مادية في الأثاث والممتلكات.

كما حاصرت السيول عددا من السيارات في الشوارع، ما استدعى تدخل آليات السلطات لسحبها، في مشاهد وثقت بعضها عدسة “العمق”.

“الماء كيخرج من الأرض”

يعتبر حي موكلاتة بمدينة تطوان، من أبرز الأحياء التي غمرتها المياه، إذ استقت منه “العمق” شهادات لسكان كشفوا منسوب الغمر الذي طالب منازلهم وحيهم.

في هذا الصدد، قال أحد السكان للجريدة إن “المياه لم تعد تتسرب من الباب فقط، بل بدأت تخرج من تحت الأرض داخل البيت، من بالوعات الحمام والباطيو (الشرفة الأرضية)، وكأن المنزل وسط واد”.

ويضيف: “الثلاجة، الفراش، الأرائك، الملابس، كل شيء تلف، لم نستطع إنقاذ سوى بعض الوثائق والخروج من المنزل”، مطالبا السلطات بالتدخل لتفريغ منازل الحي من المياه.

وفي حي سيدي البهروري، قالت سيدة طاعنة في السن: “كنا محاصرين، والماء يرتفع بسرعة، خفنا أن ينهار الجدار أو نسقط مع التيار”، فيما قالت سيدة أحرى بحي كويلما: “خرجنا ليلا وتركنا كل شيء، لم يعد البيت صالحا للسكن حاليا”.

وأجمع المتضررون الذين تحدثت إليه “العمق”، على أن هشاشة البناء، وضعف شبكات التطهير، وضيق الأزقة، ساهمت في تفاقم حجم الخسائر.

تدخلات وغطس

وسُجلت تدخلات متكررة للوقاية المدنية والسلطات المحلية لإنقاذ مواطنين حاصرتهم المياه داخل منازلهم أو في الطرقات، سواء داخل المدينة أو بالمناطق القروية.

وشاركت فرق للغواصين ومتطوعين، إلى جانب عناصر الوقاية المدنية، في عمليات البحث والإنقاذ، خاصة بالمناطق القريبة من مجاري الأودية.

وخلال جولتها بحي موكلاتة، التقت الجريدة بعدد من متطوعي جمعية “أبطال تطوان للغطس”، وهم يرتدون لباس الغطس، في حالة تأهب، في انتظار توصلهم بنداءات استغاثة.

وأوضح أحد المتطوعين في حديثه للجريدة: “نحن متجندون بشكل دائم لمساعدة السلطات، وتلبية نداءات المواطنين المحاصرين في المياه أو داخل المنازل المغمورة”.

وقالت متطوعة أخرى بالجمعية: “نتدخل لإجلاء وإنقاذ الأشخاص العالقين، خاصة في المناطق التي يصعب الوصول إليها بالوسائل العادية”، موضحة ن الجمعية تعمل بتنسيق مع السلطات في إطار مجهود جماعي لإنقاذ الأرواح.

مراكز الإيواء.. تكفل شامل

وفي إطار تتبع أوضاع النازحين، زارت الجريدة مركز الاصطياف بوعنان بتطوان، الذي يأوي عشرات الأسر المتضررة من المدينة وضواحيها، بعد إجلائهم من المناطق المهددة بالفيضانات.

وأظهرت المعاينة الميدانية للجريدة أن ظروف الإقامة بالمركز جيدة، حيث تم توفير شقق مفروشة ومجهزة، ووجبات غذائية يومية عبر ممون حفلات متعاقد مع العمالة، إلى جانب الرعاية الصحية والدعم النفسة التي يقدمها الهلال الأحمر.

وفي تصريحات متفرقة للجريدة، عبر عدد من النازحين عن ارتياحهم لمستوى التكفل، رغم صعوبة الظرفية التي يمرون بها، مشيرين إلى أن السلطات حرصت على توفير الحاجيات الأساسية، من أغطية وأفرشة ومواد غذائية وأدوية.

تقول “ن.ح”، وهي أم لثلاثة أطفال من حي موكلاتة: “خرجنا من بيتنا ونحن لا نعرف إلى أين سنذهب، لكن هنا وجدنا مكانا آمنا، وأكلا منظما، ورعاية لأطفالنا، وهذا خفف عنا كثيرا”.

أما “ع.س” من حي سيدي البهروري بتطوان، فأكد في حديثه للجريدة، قائلا: “تركنا منزلنا غارقا بالماء، وجئنا ونحن في حالة صدمة، لكن الاستقبال كان جيدا، وكل ما نحتاجه متوفر”.

من جهته، أوضح رب أسرة نازحة من كويلما: “الوضع ليس سهلا، لكن السلطات لم تتركنا وحدنا، وفروا لنا السكن والطعام والعلاج، وأتخيل ماذا كنا سنفعل لولا تدخل السلطات، كل الشكر على هذه الجهود الإنسانية الكبيرة”.

كما عاينت الجريدة مواكبة متطوعي الهلال الأحمر للأسر النازحة، عبر تقديم الرعاية الصحية والدعم النفسي وإجراء الفحوصات اللازمة وتوفير الأدوية، بشكل متواصل على مدار 24 ساعة، خاصة لفائدة الأطفال وكبار السن والنساء الحوامل وأصحاب الأمراض المزمنة.

أمطار تاريخية ورياح تجاوزت 100 كلم/س

بحسب معطيات سلطات تطوان، فإن الإقليم عرف خلال الأيام الأخيرة تساقطات مطرية لم تشهدها المنطقة منذ أكثر من 40 سنة، تزامنت مع رياح قوية تجاوزت سرعتها 100 كيلومتر في الساعة، ما ساهم في تفاقم الوضع ورفع منسوب المخاطر.

وأمام هذه الوضعية، فعلت عمالة إقليم تطوان اللجنة الإقليمية لليقظة، برئاسة عامل الإقليم وعضوية مختلف المتدخلين، من سلطات محلية وأمنية وتقنية وصحية، من أجل تدبير هذه الأزمة وفق مقاربة استباقية وآنية وبعدية.

وبحسب المصدر ذاته، فقد أشرفت اللجنة الإقليمية على وضع وتنفيذ برنامج تدخل متكامل، شمل الإجراءات الوقائية قبل السيول، والتدخلات الميدانية أثناءها، ثم عمليات التتبع وإعادة التأهيل بعد انحسارها.

وترتكز استراتيجية التدخل على العمل الميداني لمواكبة الساكنة، والتدخلات القبلية بوضع الآليات في النقاط المهددة، وترحيل الأسر المعرضة للخطر، والتحسيس والتواصل، وتنقية مجاري المياه، والإفراغ الاستباقي لبعض السدود، وتقوية شبكات التطهير السائل.

ووفق معطيات الجريدة، فقد تمت لهذه الغاية، تعبئة 21 فرقة للتدخل، تضم 924 عنصرا من مختلف المصالح، إلى جانب 252 آلية ووحدة تدخل وتنقل.

وتوازيا مع هذه الأوضاع، تواصل تعليق الدراسة بتطوان على غرار مختلف أقاليم الجهة، طيلة هذا الأسبوع، في إطار التدابير الاحترازية، فيما اعتمدت وزارة التربية الوطنية نمط التعليم عن بعد لضمان استمرارية الدراسة.

وتزامنت هذه الأوضاع مع صدور نشرات إنذارية متتالية من المديرية العامة للأرصاد الجوية، من مستوى يقظة “أحمر” و“برتقالي”، حذرت من تساقطات تصل إلى 150 ملم، ورياح قوية تتجاوز 100 كلم/س، بتطوان وعدد من أقاليم الشمال.، وهو ما يفسر الطابع الاستثنائي لهذه الاضطرابات، وامتدادها الزمني، وتأثيرها الواسع.

العمق المصدر: العمق
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا