هبة بريس – الرباط
في هذا البلد، يكفي أن يقع حدث ما حتى يتحول الجميع إلى خبراء بين عشية وضحاها، لا شهادات مطلوبة ولا معطيات علمية ولا انتظار للتوضيح الرسمي.
هكذا، وفي ظرف أسبوعين فقط، انتقل المغاربة من أربعين مليون مدرب ومحلل كروي، يشرح الخطط ويقيل المدربين، إلى أربعين مليون خبير في هندسة السدود وتدبير الأحواض المائية، وكأن المعرفة زر يتم الضغط عليه مع كل “ترند” جديد.
هذا التحول السريع تزامن مع فيضانات القصر الكبير، حيث خرج عدد كبير من نشطاء مواقع التواصل الاجتماعي للحديث بثقة غريبة عن انهيار سد واد المخازن، وعن فتح السدود، وعن كوارث وشيكة.
حديث لم يستند إلى أي معطيات علمية أو مصادر موثوقة، بل اعتمد على التخمين والتهويل، ما ساهم في نشر الخوف والارتباك وسط المواطنين في وقت كانت فيه الحاجة ماسة إلى الهدوء والتعقل.
الأخطر في الأمر أن الإشاعة لم تعد مجرد كلام عابر، بل أصبحت خبرا متداولا، يتناقله الآلاف في دقائق معدودة، البعض يتعامل مع الكوارث كفرصة لرفع عدد المتابعين، وآخرون يبحثون عن دور “العارف بكل شيء”، غير مدركين أن بث الخوف قد يكون أكثر ضررا من الحدث نفسه، فالهلع الجماعي، حين ينتشر، يتحول إلى أزمة نفسية واجتماعية موازية للأزمة الطبيعية.
المشكل الحقيقي ليس في طرح الأسئلة أو التعبير عن القلق، فذلك حق مشروع، بل في إقصاء صوت الاختصاص واحتقار المعرفة العلمية.
قضايا مثل السدود والفيضانات تخضع لحسابات دقيقة ومعايير تقنية معقدة، لا يمكن اختزالها في منشور أو فيديو قصير، فحين يتكلم غير المختص بثقة مفرطة، فإنه يضلل أكثر مما يفسر، ويزيد الوضع تعقيدا بدل المساهمة في فهمه.
لسنا مطالبين بأن نفهم في كل شيء، ولا عيب في الاعتراف بالجهل في بعض المجالات، العيب الحقيقي هو تحويل الجهل إلى رأي عام، والرأي إلى حقيقة مطلقة.
ما نحتاجه اليوم ليس أربعين مليون خبير افتراضي، بل أربعين مليون مواطن مسؤول، يتحرى المعلومة، ويحترم الاختصاص، ويدرك أن مواجهة الكوارث تبدأ أولا بمحاصرة الإشاعة قبل محاصرة المياه.
المصدر:
هبة بريس