أنهت لجان التفتيش المركزية التابعة لوزارة الداخلية، مهمة “تدقيق عاجلة” وحساسة بالعاصمة الاقتصادية الدار البيضاء، استمرت لأكثر من عشرة أيام، وانصبت بشكل حصري على ملف عقاري مثير للجدل يتعلق بتحويل ملكية عقار ضخم كان مخصصا كفضاء أخضر، من حوزة جماعة الدار البيضاء إلى شركة عقارية خاصة، وهو الملف الذي بات حديث الصالونات السياسية والإدارية بالمدينة.
ووفقا لمصادر مطلعة تحدثت لجريدة “العمق”، فإن اللجنة التي ضمت ثلاثة مفتشين مركزيين، غادرت العاصمة الإدارية الرباط صوب الدار البيضاء، حيث حطت الرحال بمقاطعة عين السبع ومقر “دار الخدمات” التابع للجماعة.
وباشرت اللجنة تشريحا دقيقا للوثائق والسجلات، حيث تم الاستماع في جلسات مطولة لعدد من المنتخبين، وموظفي قسم التعمير والممتلكات، بل امتدت الاستدعاءات لتشمل موظفا متقاعدا كان يشغل مهام في القسم ذاته، وذلك لفك طلاسم الإجراءات الإدارية التي رافقت عملية تفويت العقار، والتأكد من مدى احترام الضوابط القانونية في تحويل الملكية.
وتتمحور التحقيقات حول البقعة الأرضية ذات الرسم العقاري رقم 8447/C، الكائنة بمنطقة عين السبع، والتي تناهز مساحتها هكتارا ونصف، حيث تفجرت القضية بعد رصد تناقض صارخ في الوثائق العقارية؛ إذ كانت شهادة الملكية الأصلية تصنف العقار كـ”أرض مخصصة لإحداث فضاء أخضر” بناء على تصميم التجزئة المرخص سنة 2000، والذي ينص على تسليم الشركة للعقار للجماعة بعد إنجاز مشروعها السكني.
إلا أن المفاجأة التي حركت المفتشين كانت ظهور شهادة ملكية لاحقة أسقطت صفة “الفضاء الأخضر” عن العقار، واكتفت بوصفه “أرضا عارية”، وهو التغيير الذي أثار ريبة أعضاء الجماعة ودفع لفتح تحقيق حول خلفيات هذا “التكييف العقاري” الذي مهد الطريق لاستعادة الشركة للعقار.
وعلى مستوى آخر، كشفت المعطيات أن الملف اتخذ بعدا قضائيا معقدا. فقد أصدرت المحكمة الإدارية بالدار البيضاء، بتاريخ 3 أبريل 2025، حكما يلغي قرار المحافظ العقاري الذي رفض التشطيب على اسم جماعة الدار البيضاء من الرسم العقاري.
واستندت الشركة العقارية (صاحبة الملك المسمى “تربي”) في دعواها، التي رفعتها في مارس 2025، إلى قرار سابق لمحكمة النقض صادر سنة 2017، يقضي بإلغاء مرسوم تصميم التهيئة لمقاطعة عين السبع فيما يخص هذا العقار. واعتبرت الشركة أن استيلاء الجماعة على العقار “دون سند قانوني” وتخصيصه كفضاء أخضر، هو إجراء باطل ما دام السند (تصميم التهيئة) قد أُلغي قضائيا.
ورغم أن القضاء الإداري اعتبر في حيثيات حكمه أن المحافظ ملزم بتنفيذ قرار محكمة النقض ولا يملك سلطة تقديرية لرفض طلب الشركة، إلا أن تحرك المفتشية العامة لوزارة الداخلية يهدف -حسب المراقبين- إلى تحديد المسؤوليات الإدارية “الداخلية”.
ويركز التدقيق على كيفية تدبير المصالح الجماعية لهذا الملف طيلة السنوات الماضية، وهل كان هناك تقصير في الدفاع عن الملك العام، أو تلاعب في الوثائق الإدارية (تغيير وصف العقار) سهل مأمورية الشركة في استرجاع الأرض، خاصة أن الأمر يتعلق بضياع عقار استراتيجي كان مخصصا كمتنفس لساكنة المنطقة.
المصدر:
العمق