كشفت مصادر عليمة لجريدة “العمق”، أن تقارير ومعطيات دقيقة تقاطرت مؤخرا على أقسام “الشؤون الداخلية” بمختلف العمالات والأقاليم، تدق ناقوس الخطر بخصوص تنامي ظاهرة “الديون الصعبة” أو ما يُصطلح عليه بـ”الديون المستحيل استخلاصها” في ذمة عدد من الجماعات الترابية، وهي الظاهرة التي باتت تهدد التوازن المالي لهذه المؤسسات وتطرح تساؤلات عريضة حول نجاعة الحكامة الجبائية المحلية.
ووفقا للمعطيات التي حصلت عليها الجريدة، فإن الأمر يتعلق بمستحقات مالية ضخمة تراكمت لسنوات طويلة في ذمة ملزمين، سواء كانوا أفرادا أو شركات، كان من المفترض أن تضخ في خزائن الجماعات كرسوم وضرائب محلية، غير أن عجز المجالس المتعاقبة عن تحصيلها حولها إلى ما يشبه “الديون الميتة” أو “النائمة”، لتستقر بشكل دائم في خانة “الباقي استخلاصه”.
وأكدت المصادر ذاتها أن حجم هذه الديون في بعض الجماعات، ولا سيما تلك المتواجدة بالمجالات الحضرية الكبرى، وصل إلى أرقام فلكية تقدر بملايير السنتيمات. هذا العجز في التحصيل لم يعد مجرد رقم في البيانات المحاسباتية، بل تحول إلى “ثقب مالي” يثقل كاهل ميزانيات التسيير والتجهيز، ويشل قدرة الجماعات على الوفاء بالتزاماتها التنموية، مما ينعكس سلبا على تمويل مشاريع البنية التحتية وتجويد الخدمات الأساسية المقدمة للمواطنين.
اختلالات بنيوية وضعف تقني
وفي تشخيصها لأسباب هذه المعضلة، أوضحت مصادر لجريدة “العمق” أن المسؤولية لا تقع فقط على عاتق الملزمين المتهربين من الأداء، بل تعود بالأساس إلى “اختلالات بنيوية” عميقة في منظومة التدبير الجبائي المحلي.
ويأتي في مقدمة هذه الأسباب ضعف الهياكل الإدارية المكلفة بالجبايات داخل الجماعات، وافتقارها إلى أنظمة معلوماتية متطورة ومحينة تتيح تتبع الوضعية المالية للملزمين بدقة.
وتشير المعطيات إلى أن العديد من الملفات ظلت جامدة لسنوات دون أي تحيين، حيث تستمر الجماعات في تقييد ديون على شركات قد تكون توقفت عن النشاط، أو غيرت مقراتها، أو حتى أعلنت إفلاسها منذ سنوات، دون أن تواكب الإدارة الجبائية هذه التغيرات.
جمود المساطر القانونية
من جهة أخرى، رصدت التقارير ضعفا كبيرا في تفعيل المساطر القانونية الزجرية لتحصيل الديون العمومية. فبدلا من اللجوء إلى مسطرة التحصيل الجبري عبر الخزينة العامة أو تحريك المتابعات القضائية ضد الممتنعين عن الأداء، تكتفي العديد من الجماعات بإجراءات شكلية تتمثل في مراسلات إدارية روتينية لا تجدي نفعا.
وفسخ هذا التراخي الإداري المجال أمام تقادم الديون قانونيا، مما يؤدي إلى ضياع حقوق الجماعة بشكل نهائي واستحالة استرجاع تلك الأموال.
الجانب الأخطر الذي أثارته المصادر، يتعلق بوجود شبهات حول خلفيات هذا التقاعس في التحصيل، إذ لم تستبعد المعطيات المتوفرة وجود حالات “محاباة” أو “تواطؤ” محتمل في التعامل مع ملفات بعض كبار المدينين، خاصة عندما يتعلق الأمر بفاعلين اقتصاديين أو مستثمرين ذوي نفوذ محلي وعلاقات متشعبة.
كما أشارت المصادر إلى رصد حالات لإعفاءات أو إسقاطات ضريبية طالت مبالغ مالية مهمة، دون أن تستند إلى مبررات قانونية واضحة أو وثائق إدارية مضبوطة تبرر شطب الدين من السجلات، مما يفتح الباب واسعا أمام التأويلات حول مدى نزاهة التدبير في هذا الشق.
وأمام هذا الوضع، الذي وصفته المصادر بـ”العبء المالي الصامت”، تتجه الأنظار إلى وزارة الداخلية والمجالس الجهوية للحسابات لتكثيف عمليات الافتحاص والتدقيق، لوقف هذا النزيف المالي الذي يعطل عجلة التنمية المحلية.
المصدر:
العمق