أكد مصدر دبلوماسي أن مجلس الشراكة المغربية الأوروبية الأخير يمثل محطة دبلوماسية استراتيجية فارقة، إذ اعتبرت الدول الأعضاء الـ27 في الاتحاد الأوروبي، بالإجماع، مخطط الحكم الذاتي المغربي الأساس الوحيد للمفاوضات بشأن الصحراء، مواءمة بذلك موقف الاتحاد الأوروبي مع القرار الأممي رقم 2797.
وأوضح المصدر أن هذا الموقف يعكس التقدير الأوروبي للرؤية الاستراتيجية للملك محمد السادس ويكرس دور المغرب كفاعل رائد في الدفع نحو التسوية السلمية لقضية الصحراء، بما يعزز استقرار المنطقة ويؤكد فاعلية الدبلوماسية المغربية على الساحة الدولية.
وأشار المصدر إلى أن المجلس جاء في توقيت رمزي مهم، بعد ثلاثين عاماً من توقيع اتفاقية الشراكة وسبع سنوات منذ آخر اجتماع مماثل عام 2019، في سياق إقليمي ودولي مضطرب. وأكد أن انعقاد المجلس مباشرة بعد مجلس الشؤون الخارجية للاتحاد الأوروبي يعكس أن القرارات الاستراتيجية المتعلقة بالمغرب يتم اتخاذها على أعلى مستوى سياسي أوروبي، وليس بشكل هامشي، وهو ما يمنح نتائج المجلس وزناً سياسياً ودبلوماسياً ملموساً.
ولفت المصدر إلى أن المجلس شهد مشاركة قيادية واسعة، تضمنت حضور ممثلة الاتحاد الأوروبي السامية للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية، كايا كالاس، ومفوضة منطقة المتوسط دوبرافكا شويتسا، بالإضافة إلى أكثر من سبعة وزراء خارجية من دول أوروبية مهمة مثل إسبانيا وهولندا وسلوفاكيا وإستونيا وجمهورية التشيك ومالطا، إلى جانب ممثلين رفيعي المستوى للدول الأعضاء الأخرى في الاتحاد الأوروبي. وأوضح المصدر أن هذا الحضور المكثف يؤكد أن الاتحاد الأوروبي يرى في المغرب شريكاً رئيسياً واستراتيجياً، وليس مجرد بلد على الضفة الجنوبية للنظر إليه من بعيد.
وأكد المصدر أن مجلس الشراكة ليس اجتماعاً روتينياً، بل يمثل انطلاقة سياسية لمرحلة “ما بعد الوضع المتقدم”، حيث تم إطلاق حوار سياسي منتظم على أعلى مستوى بين المغرب والاتحاد الأوروبي، كما تم تفويض المفاوضين للتفاوض حول “شراكة استراتيجية معمقة جديدة” تشمل مجالات الأمن، الصناعة، المجال الرقمي، والاستثمارات، مع إبراز الدور المركزي للمغرب في منطقة البحر الأبيض المتوسط وكونه ركناً أساسياً في إفريقيا، فضلاً عن مساهمته في جهود السلام الإقليمي والدولي، خصوصاً في الشرق الأوسط.
وأضاف المصدر أن المجلس يرسل رسائل واضحة حول صلابة الشراكة بين المغرب والاتحاد الأوروبي، التي صمدت أمام محاولات زعزعة استقرارها، بما في ذلك أزمات الهجرة، التوترات التجارية، حملات التضليل، والهجمات العدائية من خصوم الشراكة. وأكد المصدر أن الاتفاق الفلاحي المعدل في أكتوبر الماضي، والذي يشمل صراحة الأقاليم الجنوبية، هو دليل عملي على قدرة الشراكة على تجاوز العقبات وتعزيزها في مواجهة الضغوط.
وأشار المصدر إلى أن العلاقات المغربية الأوروبية تقوم على مصالح استراتيجية متبادلة؛ فالاتحاد الأوروبي يحتاج إلى استقرار المغرب، طاقته الخضراء، وعمقه الإفريقي، بينما يسعى المغرب إلى الاستفادة من السوق الأوروبية، التكنولوجيا، والإطار السياسي المتقدم للاتحاد. وأضاف أن تطوير الشراكة يندرج ضمن رؤية صاحب الجلالة الملك، الذي أرسى خارطة طريق ثابتة وصبورة لبناء شراكة متميزة مع الاتحاد الأوروبي كخيار أساسي ولا رجعة فيه للسياسة الخارجية المغربية.
وأوضح المصدر أن مجلس الشراكة عزز الركائز الثلاث الأساسية للعلاقات المغربية الأوروبية، من خلال الركيزة الاقتصادية التي تشمل الاتفاق الفلاحي، الاستثمارات، ومشاريع كبرى مثل كأس العالم 2030 والركيزة الأمنية والاستقرار التي تشمل الحوار السياسي على أعلى مستوى، مكافحة الإرهاب، والمبادرة الأطلسية للمغرب في إفريقيا والركيزة السياسية والدبلوماسية التي تشمل الإجماع الأوروبي على مخطط الحكم الذاتي المغربي والتوافق مع الأمم المتحدة، ما يؤكد الدور السياسي والدبلوماسي الفاعل للمغرب.
وختم المصدر بالتأكيد على أن المغرب ليس مجرد بلد على الضفة الجنوبية للنظر إليه من بعيد، بل هو المهندس والحارس المشترك للجسر الاستراتيجي الذي يربط بينه وبين الاتحاد الأوروبي، وأن مجلس الشراكة الأخير عزز هذا الجسر وجعل التعاون مستقبلياً أكثر عمقاً وطموحاً على جميع المستويات الاقتصادية والسياسية والدبلوماسية.
جدير بالذكر أن الدورة الـ15 لمجلس الشراكة بين المملكة المغربية والاتحاد الأوروبي، التي اختتمت أشغالها، اليوم الخميس ببروكسيل، تميزت باعتماد موقف أوروبي جديد بشأن الصحراء المغربية، يعتبر أن “حكما ذاتيا حقيقيا قد يمثل أحد أكثر الحلول قابلية للتطبيق” من أجل التسوية النهائية للنزاع الإقليمي.
وتم تضمين هذا الموقف، الذي تتبناه الدول الأعضاء الـ27 في الاتحاد الأوروبي، في بيان مشترك وقعه وزير الشؤون الخارجية والتعاون الإفريقي والمغاربة المقيمين بالخارج، ناصر بوريطة، والممثلة العليا للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية في الاتحاد الأوروبي، كايا كالاس، في ختام هذه الدورة الـ15 لمجلس الشراكة بين الاتحاد الأوروبي والمغرب.
وجاء في البيان المشترك أن الاتحاد الأوروبي، بأعضائه الـ27، يتبنى الدعوة التي وجهها مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة إلى جميع الأطراف “للمشاركة في المحادثات دون شروط مسبقة وعلى أساس مخطط الحكم الذاتي الذي اقترحه المغرب، من أجل التوصل إلى حل سياسي نهائي”.
وفي هذا الإطار، أعرب الاتحاد الأوروبي عن “ترحيبه” بإرداة المغرب لتوضيح كيفية تنزيل الحكم الذاتي في إطار السيادة المغربية”، يضيف البيان المشترك.
المصدر:
العمق