كود الرباط//
اعتبر الخبير في المالية العمومية عبد اللطيف بروحو، في تصريح لـ“گود”، أن اجتماع العمل برئاسة الملك المخصص للمركب المينائي والصناعي الجديد الناظور غرب المتوسط يعكس بعدا استراتيجيا عميقا يتجاوز الإطار الوطني، ويرتبط مباشرة بالسياق الدولي الاستثنائي الذي يعرفه العالم، والمطبوع بحاجته المتزايدة إلى منصات بحرية ولوجستيكية مستقرة وآمنة، وبعيدة عن مناطق الصراع والتوتر.
وأوضح بروحو لـ”كود” أن هذا المشروع يأتي في لحظة دولية دقيقة، أصبحت فيها التجارة البحرية العالمية تبحث عن موانئ تتوفر على الاستقرار السياسي والأمني، وفي الوقت نفسه تمتلك بنية تحتية متطورة تسمح بسلاسة المبادلات التجارية وفق مواصفات عالية. .
وفي هذا الإطار، يبرز المغرب، حسب الخبير، كحالة استثنائية، بالنظر إلى نجاحه السابق في تطوير نموذج مينائي متكامل، تجسد بالأساس في التجربة الرائدة لميناء طنجة المتوسط.
وسجل المتحدث أن طنجة المتوسط لم يعد مجرد ميناء وطني أو إقليمي، بل تحول إلى منصة بحرية مركزية للتجارة الدولية في البحر الأبيض المتوسط وإفريقيا، كما أصبحت مناطقه الاقتصادية والصناعية ذات وزن كبير في سلاسل الإنتاج والتوزيع العالمية.
هذا النجاح، يضيف بروحو لـ”كود”، هو الذي أتاح اليوم نقل التجربة نفسها إلى شرق المملكة عبر ميناء الناظور غرب المتوسط، في إطار رؤية متكاملة تقوم على التوازن الترابي وتعزيز تنافسية الاقتصاد الوطني.
وفي تحليله للخريطة الجيو-استراتيجية الدولية، شدد الخبير في المالية العمومية على أن المغرب يتموقع داخل مجال بحري فريد، يجعله قريبا من التكتلات الاقتصادية الكبرى، خاصة أوروبا وأمريكا، ومنفتحا في الآن ذاته على العمق الإفريقي، مع استفادته من بعد جغرافي نسبي عن أخطر بؤر التوتر الدولي، سواء في الشرق الأوسط أو الخليج العربي أو البحر الأحمر أو أمريكا اللاتينية والكاريبي.
واعتبر برحو أن هذا المعطى الجيو-استراتيجي، حين يقترن بالنجاح الكبير لطنجة المتوسط، يمنح المغرب فرصة تاريخية للتحول إلى قاعدة رائدة للتجارة الدولية، ومنصة بحرية ولوجستيكية وحتى صناعية مستقرة وواعدة.
وأضاف بروحو أن السلطات العليا بالمملكة كانت واعية منذ البداية بأهمية هذا التحول، وهو ما يفسر، حسب تعبيره، الحرص على وضع قواعد واضحة لبناء منظومة مينائية وطنية متكاملة. وفي هذا السياق، أشار إلى أن جنوب المملكة سيعرف بدوره إحداث مركب مينائي ضخم بالداخلة، سيغطي مجالات التجارة والنقل البحري مع إفريقيا وأمريكا الجنوبية، كما سيكون منصة لاحتضان أنشطة التخزين والنقل والتصدير والاستيراد، بما يعزز التكامل بين مختلف الأقطاب المينائية للمملكة.
وأكد الخبير أن التسريع بالإنجاز الفعلي لميناء الناظور غرب المتوسط، الذي انطلقت أشغاله قبل سنوات، يندرج في إطار توسيع قاعدة التجارة البحرية العالمية للمغرب، وتخفيف الضغط المتزايد عن ميناء طنجة المتوسط، فضلا عن تقريب البنيات المينائية الكبرى من عدد من جهات المملكة، خاصة الجهة الشرقية وجهة فاس–مكناس، لما تزخر به هذه المناطق من مؤهلات استراتيجية، مرتبطة بمشاريع الغاز الطبيعي، والمنتجات الفلاحية، والأنشطة الصناعية.
وفي هذا السياق، شدد بروحو على أن الإرادة الملكية لإرساء منظومة مينائية وطنية فعالة ومتكاملة لا تقتصر فقط على تنويع مجالات التجارة البحرية الدولية، بل تهدف بالأساس إلى وضع لبنة حقيقية لمنصة دولية لسلاسل الإنتاج والتوزيع واللوجستيك.
واعتبر أن هذا التوجه يمثل فرصة اقتصادية استثنائية للأقاليم المعنية، سواء من حيث جذب الاستثمارات أو خلق فرص الشغل أو تثمين المناطق الاقتصادية الخالصة ومناطق التسريع الصناعي المرتبطة بالميناء، وهي التجربة التي أثبتت نجاعتها في طنجة المتوسط.
وذكّر الخبير في هذا الإطار بأن ميناء طنجة المتوسط أصبح اليوم مرتبطا بأكثر من 180 ميناء عبر العالم، ويوفر طاقة لمعالجة حوالي 9 ملايين حاوية سنويا، ما يجعل نقل هذه التجربة وربطها بميناء الناظور غرب المتوسط ذا أهمية بالغة، خاصة في ظل التطور الاقتصادي واللوجستيكي الذي يعرفه المغرب، إضافة إلى عاملي الأمن والاستقرار، اللذين يشكلان، حسب تعبيره، أحد أهم عناصر القوة الناعمة التي تتمتع بها المملكة.
بلاغ الديوان الملكي أكد أن اجتماع العمل يندرج في أفق الإطلاق التشغيلي لميناء الناظور غرب المتوسط خلال الربع الأخير من السنة الجارية، وفي إطار الرؤية الملكية الرامية إلى الربط الدائم لاقتصاد المملكة بسلاسل القيمة العالمية، عبر بنيات تحتية مينائية متطورة.
وحسب البلاغ، فقد استقطب المشروع إلى حدود اليوم استثمارات عمومية وخاصة بلغت 51 مليار درهم، وتم إنجاز جميع البنيات التحتية الأساسية، بما فيها 5.4 كيلومترات من كاسرات الأمواج، و4 كيلومترات من الأرصفة، وأربع مراكز طاقية، مع توقيع عقدي الامتياز لمحطتي الحاويات، اللتين ستدخلان حيز التشغيل التدريجي ابتداء من السنة الجارية. كما يتضمن المشروع مركزا طاقيا يضم أول محطة للغاز الطبيعي المسال بالمملكة بطاقة استيعابية تبلغ 5 مليارات متر مكعب سنويا، إضافة إلى محطة للمحروقات، استجابة لمتطلبات السيادة الطاقية الوطنية.
وعند انطلاقه، ستبلغ الطاقة الاستيعابية السنوية للميناء 5 ملايين حاوية و35 مليون طن من البضائع السائلة والصلبة، لترتفع على المدى البعيد إلى 12 مليون حاوية و15 مليون طن إضافية من البضائع السائلة، إلى جانب مناطق للأنشطة الصناعية واللوجستيكية تمتد في مرحلتها الأولى على مساحة 700 هكتار، مع تسجيل تمركز فعلي لعدد من الفاعلين الدوليين.
وختم بروحو تصريحه بالتأكيد على أن هذه المؤشرات مجتمعة تعكس اختيارا استراتيجيا واضحا، قوامه جعل المغرب منصة بحرية ولوجستيكية وصناعية دولية مستقرة، قادرة على التموقع خارج مناطق التوتر، والاستفادة من التحولات العميقة التي يعرفها الاقتصاد العالمي.
المصدر:
كود