آخر الأخبار

البرلمان تحت مجهر البيانات.. من "النواب الصامتين" إلى كلفة الديمقراطية (¼)

شارك

في ظل النقاش العمومي المتزايد حول نجاعة العمل البرلماني وضرورة ربط المسؤولية بالمحاسبة لم يعد تقييم أداء ممثلي الأمة ترفاً فكرياً، بل ضرورة ديمقراطية مُلحة، فبينما تضج قبة البرلمان بالنقاشات تظل “لغة الأرقام” هي الحكم الأكثر حيادية وصدقاً لقياس النبض الحقيقي للمؤسسة التشريعية.

من هذا المنطلق، وتفعيلاً لدور الإعلام في المساءلة والتدقيق، تضع هسبريس مجلس النواب تحت مجهر رقابة “صحافة البيانات”. في هذه السلسلة الخاصة نغوص بعمق في أرشيف الولاية التشريعية، لا لنحاكم الأشخاص، بل لنُسائل الأداء، ونقيس المردودية، ونكشف بالأدلة والرسوم البيانية ما قد يتوارى خلف الخطابات السياسية الرنانة.

الجزء الأول: نواب خارج التغطية.. قائمة “الصامتين” الذين لم يسائلوا الحكومة شفويا قط

فيما تقترب الولاية التشريعية الحالية من طي سنواتها الأخيرة يطفو على سطح المشهد السياسي المغربي مجدداً ملف “النواب الأشباح” أو “أصحاب صفر سؤال”. لائحة طويلة ومثيرة للجدل تضم أسماءً من فرق الأغلبية والمعارضة لم يسجل لها أي نشاط في جلسات الأسئلة الشفوية منذ افتتاح الولاية سنة 2021 إلى حدود مطلع 2026.

هسبريس تتبعت أرشيف الأسئلة الشفوية التي قدمها النواب البرلمانيون منذ انطلاق الولاية التشريعية وإلى غاية جلسة 12 يناير 2026، فكشفت لغة الأرقام أن ما مجموعه 73 نائبا برلمانيا من أصل 395 لم يسبق لهم أن قدموا أي سؤال شفوي.

هذا الرقم يعني بلغة النسب المئوية أن قرابة 18.5% من ممثلي الأمة (أي خُمس المجلس تقريباً) ظلوا في وضعية “الصامت” لأزيد من أربع سنوات.

مصدر الصورة

دلالات “الكرسي الصامت”

تعليقاً على هذه الأرقام يرى عبد العزيز القراقي، الباحث في العلوم السياسية، أن “صفر سؤال” ليس مجرد رقم، بل مؤشر يحمل دلالات سياسية ومؤسساتية مقلقة.

وأكد الباحث في العلوم السياسية، ضمن تصريح لهسبريس، أن برلمانياً لم يطرح أي سؤال، ولم يقم بأي مبادرة، ولم يكن له أي دور تشريعي يُذكر، يطرح إشكالاً حقيقياً، ليس فقط على مستوى أداء الفرد، ولكن أيضاً على مستوى الأحزاب السياسية التي رشحته. كما يثير هذا الوضع تساؤلات عميقة حول طبيعة العلاقة التي تربط النائب البرلماني بالدائرة الانتخابية التي منحته الثقة، وحول الدور الذي يُفترض أن يضطلع به البرلماني بصفة عامة داخل النسق المؤسساتي.

مصدر الصورة

من جانبه قال حفيظ اليونسي، أستاذ العلوم السياسية، إن “الأسئلة الكتابية أو الشفوية هي من الآليات الرقابية المتاحة لتفعيل وظيفة البرلمان الرقابية؛ وهي آلية أيضا تمثل ممارسة ممثلي الأمة لوظائفهم الدستورية ذات الصلة”.

واعتبر اليونسي، ضمن تصريح لهسبريس، أن “ضعف إعمال بعض أعضاء البرلمان هذه الآلية له عدة أسباب أولها: طبيعة النخب البرلمانية التي تعتبر عضويتها وسيلة لحماية مصالحها وتحسين أوضاعها التفاوضية في مواجهة الحكومة، وثانيها: عدم وعي هذه النخب بالأهمية الحيوية لهذه الأسئلة في تتبع وتقييم السياسات العمومية والتدابير الحكومية؛ فيما ثالثها قناعة بعضهم بعدم فعالية هذه الآلية في الوصول إلى نتيجة مقارنة مع آلية العلاقة الشخصية مع المسؤول”.

مصدر الصورة

ويرى الحبيب استاتي زين الدين، أستاذ العلوم السياسية في جامعة القاضي عياض بمراكش، أن رقم 73 نائبا برلمانيا من أصل 395 لم يسبق لهم أن قدموا أي سؤال شفوي يبقى “رقما لافتا”، وشرح ضمن تصريح لهسبريس: “لأنه يرتبط بأداة رقابية علنية تمارَس في قلب البرلمان وأمام الرأي العام، غير أن التحليل الرصين يقتضي عدم تحويل الرقم، في حد ذاته، إلى حكم جاهز أو إدانة سلوكية عامة”.

وتابع زين ادين قائلا إنه “من حيث المبدأ لا يختزل الدستور المغربي العمل البرلماني في جلسات الأسئلة الشفوية، بل يوزعه، كما يبين الفصل 70 من دستور 2011، على ثلاث وظائف كبرى: التشريع، والرقابة، وتقييم السياسات العمومية”.

وأكد المحلل السياسي ذاته أنه “ضمن هذا الإطار يعد السؤال الشفوي إحدى آليات الرقابة، لكنه ليس الأداة الوحيدة، ولا بالضرورة الأداة الأكثر عمقا من حيث الأثر المؤسسي؛ لذلك لا يمكن منطقيا القول إن عدم طرح سؤال شفوي، خلال الفترة الممتدة من 8 شتنبر 2021 إلى 12 يناير 2025، يساوي تلقائيا عدم القيام بالوظيفة النيابية”.

مصدر الصورة

وأردف المتحدث معلقا: “لكن هذا التوضيح المنهجي لا ينبغي أن يقود إلى تحييد الرقم أو التقليل من دلالته السياسية، فالسؤال الشفوي يتمتع بقيمة رمزية خاصة، باعتباره لحظة مساءلة علنية، ومناسبة لربط ممثل الأمة مباشرة بالفعل الحكومي أمام المواطنين؛ ومن ثم فإن عزوف عدد مهم من النواب عن استثمار هذه الأداة، طيلة مرحلة متقدمة من الولاية التشريعية، لا يمكن اعتباره معطى محايدا”.<

ضرب لجوهر التمثيلية

أوضح القراقي أن الانطلاق في تحليل هذا المعطى يقتضي التأكيد أولاً على أن البرلماني هو ممثل الأمة، وهو ما يعني أن همه الأساسي والأول ينبغي أن ينصب على القضايا التي تعاني منها الأمة، أو تلك التي تشكل أولويات بالنسبة للمواطنين، كما أشار إلى أن المؤسسة التشريعية في المغرب تُعد الجهة المخول لها إصدار القوانين، ما يجعل الوظيفة التشريعية من صميم المهام الأساسية للنائب البرلماني.

وأضاف المتحدث ذاته أن البرلماني يتحمل، في كثير من الأحيان، مسؤولية التحسيس بالقضايا الكبرى التي تحظى بالأولوية لدى المواطنين، مبرزاً أن طرح الأسئلة البرلمانية، سواء الشفوية أو الكتابية، يشكل آلية أساسية لنقل القضايا ذات الأهمية الإستراتيجية، سواء على مستوى الجهة أو الإقليم أو الدائرة التي يمثلها النائب، فضلاً عن كونها وسيلة لتحسيس المسؤولين على المستوى المركزي بأهمية هذه القضايا وبأبعادها التنموية والإستراتيجية.

مصدر الصورة

من جانبه قال اليونسي إن “غياب هذه الآلية في حصيلة بعض البرلمانيين يمكن أن يتحول إلى مرجعية لتقييم أدائهم في العلاقة مع عينة من الناخبين التي تصوت سياسيا، أما الغالبية فلا تلقي بالا لهذه الحصيلة، بل هناك محددات أخرى في سلوكها التصويتي”.

واعتبر زين الدين أنه من الضروري التمييز بين نمطين من “الصمت البرلماني”، قائلا إن “الأول وظيفي، مرتبط بتقسيم العمل داخل الفرق البرلمانية، إذ يتركز طرح الأسئلة الشفوية في عدد محدود من النواب، بينما يضطلع آخرون بأدوار أساسية داخل اللجان الدائمة، من خلال دراسة النصوص القانونية، وتقديم التعديلات، والمشاركة في المهام الاستطلاعية”.

وأشار المتحدث ذاته إلى أن “النمط الثاني سلبي، يتجلى حين لا يعوض غياب السؤال الشفوي بأي حضور فعلي أو أثر ملموس في باقي قنوات العمل البرلماني”، وشدد على أن “أهمية الرقم لا تكمن في الحسم بين هذين النمطين بقدر ما تكمن في كونه يكشف توترا بنيويا داخل الممارسة البرلمانية نفسها: توترا بين رقابة تمارَس في فضاءات تقنية أقل ظهورا داخل اللجان، ورقابة يفترض فيها العلنية والمواجهة داخل الجلسة العامة؛ وهو توتر يطرح سؤالا جوهريا حول طبيعة الرقابة في النظام البرلماني المغربي وحدود التوازن بين الفعالية التقنية والعلنية الديمقراطية، نحو رقابة أكثر تخصصا وأقل ظهورا، أم أمام تراجع في الاستثمار السياسي للرقابة العلنية بما تحمله من رمزية ديمقراطية؟”.

هل يعي النائب دوره؟

في هذا السياق تساءل القراقي عن دلالات غياب أي مبادرة برلمانية في حال كان النائب يمثل ولاية أو دائرة ترابية كاملة، دون أن يطرح أي سؤال طيلة الولاية التشريعية، واعتبر أن هذا السلوك قد يعكس، في بعض الحالات، عدم استيعاب البرلماني الغاية الأساسية من وجوده داخل المؤسسة التشريعية، أو المهام التي انتُخب من أجلها.

ومن زاوية أخرى يُشرح اليونسي هذا الصمت مرجعاً إياه إلى عاملين متلازمين: أولهما ذاتي، يرتبط بضعف تكوين النخب البرلمانية التي تفتقد لأدوات العمل التشريعي، وفق قاعدة “فاقد الشيء لا يعطيه”، وثانيهما موضوعي، يتمثل في قناعة راسخة لدى هؤلاء النواب بعدم جدوى الآلية الرقابية، ويقينهم بأن الأسئلة لن تُحدث فارقاً سياسياً ولن تُحسّن موقعهم سواء أمام الناخبين أو مراكز القرار.

وأكد زين الدين أنه “من حيث المبدأ، وفي ضوء روح الدستور، يصعب تبرير أن تمر ولاية تشريعية كاملة دون أن يمارس ممثل الأمة ولو مرة واحدة الرقابة العلنية عبر السؤال الشفوي، إلا إذا كان هذا الغياب معوضا بعمل موثق ومكثف في قنوات أخرى”.

وشرح المتحدث أن “الدستور يجعل من ربط المسؤولية بالمحاسبة قاعدة ناظمة للحياة السياسية، والبرلمان هو الأداة المركزية لتفعيل هذه القاعدة”، وزاد: “يكتسي السؤال الشفوي، في هذا الإطار، أهمية خاصة، بما يحمله من علنية ومباشرة، إذ يشكل جسرا أساسيا بين النائب والمواطن، ويمكن هذا الأخير من تتبع كيفية مساءلة الحكومة حول السياسات العمومية. وحين يغيب هذا الجسر تتسع فجوة المساءلة، حتى لو كان النائب نشيطا داخل اللجان، لأن جزءا من الوظيفة التمثيلية للبرلمان مرتبط بإنتاج مساءلة مرئية وقابلة للتتبع من طرف الرأي العام”.

المسؤولية الحزبية.. “أزمة التزكية”

وبخصوص التوصيات شدد القراقي على أن الأحزاب السياسية مطالَبة، خلال عملية اختيار المرشحين للانتخابات، بأن تراعي معايير الجودة والاختيار النوعي، سواء من حيث الكفاءات أو الموارد البشرية التي ستمثلها داخل البرلمان وفي المجالس الترابية بصفة عامة، واعتبر أن حسن الاختيار يشكل شرطاً أساسياً لضمان أداء برلماني فعّال، يضطلع بوظيفته التشريعية والرقابية والتمثيلية على الوجه المطلوب.

وفي السياق ذاته المتحدث أشار إلى ضرورة تمكين البرلماني من وسائل الاشتغال الضرورية التي تساعده على أداء مهامه، خاصة ما يتعلق بتسهيل التواصل بين الدائرة التي ينحدر منها والسلطات المركزية، وخلص إلى أن البرلماني يضطلع بدور وساطة محوري، ما يستوجب تعزيز حضوره وتمكينه من الإمكانيات اللوجستية والبشرية الكفيلة بمواكبته في أداء هذه الوظيفة على نحو فعّال.

لقراءة المقال كاملا إضغط هنا للذهاب إلى الموقع الرسمي
هسبريس المصدر: هسبريس
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا