آخر الأخبار

ماذا لو كان مسؤولونا مثل عزيز أخنوش.. كيف سيكون الوضع؟

شارك

هبة بريس – ياسين الضميري

ماذا لو كان مسؤولونا جميعا يتحلون بالقدر نفسه من الالتزام المؤسساتي واحترام القواعد الديمقراطية؟ سؤال يفرض نفسه بقوة اليوم، ونحن نتابع قرار عزيز أخنوش عدم الترشح لولاية أخرى على رأس حزب التجمع الوطني للأحرار ، رغم ما كان يتيحه له موقعه السياسي والحزبي من فرص قوية للاستمرار والمنافسة من جديد على رئاسة الحكومة.

لقد بصم أخنوش ولايته على رأس الحكومة بسلسلة من القرارات والإصلاحات التي وضعت الفعل السياسي في قلب انتظارات المواطن، وربطت المسؤولية بالمحاسبة والنتائج، ففي ظرفية دولية صعبة، تميزت بتداعيات الأزمات الصحية والاقتصادية والمناخية، تمكنت الحكومة من الحفاظ على توازنات كبرى، وضمان استمرارية الأوراش الاجتماعية والاستثمارية دون ارتباك أو شعبوية.

من أبرز ما يحسب للرجل، إطلاق وتفعيل ورش الدولة الاجتماعية وفق الرؤية الملكية، من خلال تعميم الحماية الاجتماعية، وتوسيع قاعدة المستفيدين من التغطية الصحية والدعم المباشر، بما أعاد الاعتبار للفئات الهشة وكرس منطق العدالة الاجتماعية كخيار استراتيجي لا رجعة فيه، وهي إصلاحات لم تكن مجرد شعارات، بل تحولت إلى سياسات عمومية ملموسة بأثر مباشر على حياة المواطنين.

اقتصاديا، راهنت الحكومة بقيادة أخنوش على تشجيع الاستثمار وخلق فرص الشغل، عبر ميثاق استثمار جديد، وتحفيز المقاولات، ودعم القطاعات المنتجة، في أفق تعزيز السيادة الاقتصادية ورفع مناعة الاقتصاد الوطني، ورغم الإكراهات، حافظ المغرب على جاذبيته الاستثمارية، واستمر في استقطاب مشاريع كبرى تؤكد الثقة في الاستقرار السياسي والمؤسساتي للبلاد.

لكن ما يميز أخنوش اليوم ليس فقط حصيلة حكومية قابلة للنقاش والتقييم، بل موقفه السياسي والأخلاقي من مسألة القيادة الحزبية، فقراره احترام القانون الداخلي لحزب التجمع الوطني للأحرار، وعدم الترشح لأكثر من ولايتين، يعد سلوكا نادرا في المشهد الحزبي المغربي، حيث اعتاد كثير من الزعماء تغيير القوانين أو تحيينها للبقاء أطول مدة ممكنة في مواقع القيادة.

كان بإمكان أخنوش، بكل بساطة، أن يمهد لتمديد ولايته الحزبية، وأن يدخل غمار الاستحقاقات المقبلة مرشحا قويا لرئاسة الحكومة من جديد، غير أن اختياره كان مختلفا، إذ فضل احترام الشرعية التنظيمية، ومنح الفرصة لقيادة جديدة، في رسالة واضحة مفادها أن المؤسسات أقوى من الأشخاص، وأن التداول ليس تهديدا بل ضمانة للاستمرارية.

هذا القرار، في عمقه، يعيد الاعتبار للفعل السياسي النبيل، ويؤكد أن الديمقراطية تبدأ من داخل الأحزاب قبل أن ترفع كشعار في الخطابات، كما يكرس ثقافة سياسية حديثة، قوامها احترام القواعد، وربط القيادة بالأجل الزمني المحدد، لا بالرغبة الشخصية أو الحسابات الظرفية.

ولا يمكن الحديث عن تجربة أخنوش دون التوقف عند دوره في إعادة الروح لحزب التجمع الوطني للأحرار، الذي انتقل من حزب إداري شكلي الحضور، إلى قوة سياسية منظمة، بخطاب واضح، وتأطير ميداني، وانخراط فعلي في هموم المواطن، فقد نجح في بناء حزب عصري، يعتمد الكفاءة، ويستثمر في التكوين والتواصل، ويشتغل بمنطق الفريق لا الزعيم الأوحد.

إن مشهد انسحاب أخنوش الطوعي من سباق القيادة الحزبية، وهو في أوج القوة السياسية، مشهد لا يمكن إلا أن يثير الاحترام والتقدير، من الخصوم قبل الحلفاء، فهو درس عملي في الأخلاق السياسية، ورسالة صامتة لكنها قوية، موجهة لكل من يعتقد أن الكرسي غاية في حد ذاته.

ختاما، إذا كان هذا هو نموذج المسؤول الذي يحترم القانون، ويؤمن بالتداول، ويقدم المصلحة العامة على الطموح الشخصي، فماذا لو كان مسؤولونا جميعا مثل أخنوش؟ بلا شك، سيكون المشهد السياسي أكثر نضجا، والأحزاب أكثر مصداقية، والديمقراطية أكثر عمقا، وهو الأفق الذي يستحقه المغرب ومواطنوه.

هبة بريس المصدر: هبة بريس
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا