أثار قرار عمدة الدار البيضاء القاضي بربط الإشهاد على صحة إمضاء عقود الكراء بتسوية الوضعية الجبائية جدلا قانونيا، كاشفا عن “إشكاليات بنيوية” تتعلق بمدى مشروعية تقييد خدمة محض إدارية بشروط مالية مسبقة. فمن الناحية القانونية، يُصنّف هذا الإجراء كـ”قرار إداري” يفتقر إلى السند التشريعي المؤطر في القوانين التنظيمية للجماعات والجهات، أو حتى في الظهير الشريف المنظم للمصادقة على الإمضاءات. كما يبرز الإشكال، بحسب مختصين في القانون والتشريع الضريبي، في “عيب الاختصاص”.
وعلى الرغم من نبل الغاية المستهدفة، المتمثلة في محاربة التهرب الضريبي وتحسين الموارد الجبائية المحلية، إلّا أن خبراء مختصين-استطلعت هسبريس آراءهم-يرون أن اعتماد هذا التدبير في نطاق ترابي ضيق يطرح تحديات دستورية ترتبط بمبدأ المساواة أمام القانون المنصوص عليه في الفصل السادس من الدستور المغربي.
وشدد هؤلاء، في تصريحات متطابقة للجريدة، على أنه “تفاديا لآثار سلبية محتملة، مثل لجوء المرتفقين لتصحيح إمضاءاتهم خارج تراب الجماعة للالتفاف على القرار، تبرز الحاجة الملحة لتدبير وطني شامل عبر تدخل تشريعي يوحّد المساطر”.
إن تعميم التجربة وطنيا يظل رهينا بوجود إطار قانوني صلب يوازن بين ضرورة مراقبة الدخول العقارية وإعادة تصنيف الضرائب المحلية، وبين الالتزام بالتراتبية الإدارية والمشروعية التي تحمي حقوق الأغيار وتضمن فعالية التحصيل الجبائي على مستوى الحواضر.
شعيب لمسهل، محام رئيس “المركز المغربي للوعي القانوني”، أوضح أن “النقاش المثار حول توحيد مسطرة الإشهاد على صحة إمضاء عقود الكراء (سواء للسكن أو الاستعمال التجاري) وربطها بتسوية الوضعية الجبائية لأطراف العقد، يطرح تساؤلات قانونية وعملية عميقة”. واعتبر أن هذا الإجراء “قرارٌ إداري يجب أن يخضع في تصنيفه للشروط القانونية المعمول بها ليكون نافذا، وعلى رأسها مبدأ المشروعية”.
وأكد لمسهل، في تصريح لهسبريس، أنه “بالرجوع إلى المنظومة القانونية المغربية، لا سيما القوانين التنظيمية المتعلقة بالجماعات والجهات (القوانين 113.14 و112.14 و111.14)، لا نجد أي نص قانوني يمنح جماعة الدار البيضاء أو موظفيها صلاحية تقييد عملية تصحيح الإمضاء بإجراءات جبائية مسبقة”. كما أشار إلى أن “الظهير الشريف” (المؤرخ في 22 يوليوز 1915) المتعلق بالمصادقة على الإمضاءات، والنصوص التنظيمية المؤطرة لاختصاص الجماعات الترابية، لا تتضمن أي مقتضى يقيد حق المواطن في تصحيح إمضائه بـ”ضرورة القيام بإجراء إداري أو جبائي مواز”.
وشدد المتحدث على أن تصحيح الإمضاء هو مجرد إجراء محض إداري يهدف إلى تأكد الموظف العمومي من هوية الموقعين على الوثيقة فقط، دون التدخل في مضمونها أو مراقبة مشروعيتها أو التحقق من الوضعية الجبائية للأطراف. وبناء عليه، عدّ لمسهل أن “قرار الجماعة يعاني من عيوب قانونية تجعله غير مشروع”، لخصها في ثلاث نقاط أساسية، أولها “عيب الاختصاص: فالتحصيل الجبائي هو من اختصاص إدارة الضرائب والخزينة العامة للمملكة، وليس من اختصاص الجماعات الترابية أو رؤسائها”. وثانيها: “الشطط في استعمال السلطة: فرض شروط تعسفية خارج الإطار القانوني لتنفيذ خدمة إدارية”، فضلا عن “انعدام المشروعية: لِغياب النص القانوني الذي يؤسس لهذا الربط بين تصحيح الإمضاء والوضعية الجبائية”.
رئيس المركز المغربي للوعي القانوني استحضر أن “لكل شخص تضرر من هذا الإجراء الحق في اللجوء إلى القضاء الإداري للمطالبة بإلغاء القرار، وتبدأ المسطرة بتقديم تظلم إداري أمام الجهات المختصة (ولاية الدار البيضاء أو وزارة الداخلية). وفي حال عدم الاستجابة، يمكن التوجه للمحكمة الإدارية التي ستستجيب غالبا لهذا الطلب نظرا لعدم وجود سند قانوني يلزم الإدارة بمطالبة المواطنين بتسوية وضعيتهم الجبائية كشرط للمصادقة على عقود الكراء”.
من زاوية التشريع الضريبي، يرى جواد لعسري، أستاذ باحث خبير في القانون الضريبي والمالية العامة بجامعة الحسن الثاني بالدار البيضاء، أن “حق الاطلاع هو مسألة قانونية ممنوحة للإدارة المكلفة بالتحصيل بموجب مقتضيات قانونية صريحة”، مستعرضا المراجع القانونية المؤطرة لهذا الحق، وهي: القانون رقم 97-15 المتعلق بمدونة تحصيل الديون العمومية، والقانون رقم 06-47 المتعلق بجبايات الجماعات الترابية، والمادة الخامسة من القانون رقم 06-43 المتعلق بالمدونة العامة للضرائب.
وأكد جواد لعسري، متحدثا لهسبريس، أن هذه المقتضيات تخوّل لكل من الآمر بالصرف على مستوى الجماعة، أو مدير الضرائب، أو المحاسب العمومي، الحق في طلب المعلومات التي من شأنها المساعدة في ربط الضريبة، تصحيحها، أو تحصيلها. هذا الحق يمارس تجاه “الأغيار”، سواء كانوا أشخاصا معنويين خاضعين للقانون العام أو الخاص، أو أشخاصا ذاتيين.
وأشار الأستاذ الجامعي إلى أن “هذه المعلومات، التي يُفترض أن تُطلب عبر المدير العام للضرائب، تُستغل في مسارين أساسيين: إعادة تصنيف الضرائب المحلية، وتحديدا ما يتعلق برسم السكن، ورسم الخدمات الجماعية، والرسم المهني، “وهي رسوم تدبّرها مديرية الضرائب لفائدة الجماعات الترابية”. وكذا “مراقبة الدخول العقارية: التأكد من صحة التصريحات المتعلقة بالسومة الكرائية الواردة في العقود، لمقارنتها بالدخول الخاضعة للضريبة على الشركات أو الضريبة على الدخل”.
لعسري شدد على أن “معالجة هذا الملف يجب أن تكون ذات طابع وطني وعبر تدخل تشريعي، وليست مجرد تدبير محلي-ترابي يقتصر على عمالة أو جهة”. واستشهد على ذلك بالفصل 6 من الدستور المغربي الذي ينص على أن “المغاربة سواسية أمام القانون”، معتبرا أنه “لا يمكن تطبيق تدابير استثنائية على ساكنة مدينة واحدة دون غيرها”.
وفي معرض تحليله لقرار عمدة البيضاء، سجل لعسري “غموض المفاهيم”. ونبّه إلى وجود خلط أو “غموض” في تحديد المقصود بـ”الإدارة الجبائية” المعنية بالقرار، موضحا أن “الإدارة الضريبية هي الطرف المختص بتبادل المعلومات”.
كما أشار إلى “تجاوز الاختصاص”، معتبرا أن “المسلك القانوني الذي اتّبعته رئاسة المجلس يطرح تساؤلا حول مدى احترام الاختصاصات الترابية والتراتبية الإدارية”.
وخلُص لعسري إلى أن “فلسفة الإجراء في حدّ ذاتها نبيلة”، كونها تهدف إلى محاربة ظاهرة التهرب الضريبي وتحسين الموارد الجبائية للجماعة، خاصة في ظل وجود فوارق كبيرة بين الأكرية الحقيقية وتلك المصرح بها. ومع ذلك، أكد أن “المسلك” أو الطريقة التي سلكتها عمدة الدار البيضاء لتنزيل هذا الإجراء “غير صحيحة من الناحية القانونية”.
المصدر:
هسبريس