لم تكن التساقطات المطرية الأخيرة التي شهدتها مدينة الدار البيضاء مجرد ظاهرة مناخية عابرة، بل تحولت إلى اختبار حقيقي لصلابة بنيتها التحتية.
اختبار كشف، مرة أخرى، وفق متتبعي الشأن المحلي، أن العاصمة الاقتصادية للمملكة لا تعيش الإيقاع نفسه في كل مناطقها، وأن الفوارق المجالية داخل المدينة أصبحت أكثر وضوحا كلما هطلت الأمطار بغزارة.
ففي الوقت الذي عرفت فيه مقاطعات وسط المدينة مثل المعاريف وأنفا انسيابية نسبية في حركة السير مع تسجيل بعض الاضطرابات المحدودة، غرقت أحياء أخرى في برك مائية واسعة، وظهرت حفر عميقة وتشققات وانهيارات جزئية في طرق حديثة التهيئة، خاصة بمناطق سيدي البرنوصي وسيدي مومن إلى جانب باقي المقاطعات الأخرى.
المثير في المشهد ليس فقط حجم الأضرار، بل كون عددا من المقاطع الطرقية المتضررة لم يمض على إعادة تهيئتها سوى وقت قصير. شوارع تم تبليطها أو تزفيتها مؤخرا عادت لتكشف عن هشاشة في الإنجاز، بعدما تحولت إلى مسابح مفتوحة في وجه العموم.
وعبر سكان هذه الأحياء عن استيائهم مما وصفوه بـ”الإصلاحات الترقيعية”، معتبرين أن ما يتم إنجازه لا يصمد أمام أول اختبار حقيقي، حيث أن الحفر التي ظهرت بعد الأمطار، والانجرافات التي مست جوانب الطرق، تعيد إلى الواجهة أسئلة الجودة والمراقبة وتتبع الأوراش.
الفوارق التي أبرزتها الأمطار تعيد طرح مفهوم “المدينة بسرعتين”، سرعة أولى في أحياء مركزية تحظى ببنيات طرقية أفضل، وصيانة دورية، وتتبع مستمر للأوراش، وسرعة ثانية في أحياء هامشية أو شعبية، تبدو فيها المشاريع أقل جودة، والمراقبة أضعف، والتدخلات متأخرة.
وقال يوسف سميهرو، الفاعل السياسي بمدينة الدار البيضاء، إن عددا من مقاطعات المدينة تعيش حالة تذمر متزايدة وسط الساكنة، بسبب التدهور الكبير الذي طال البنيات التحتية عقب التساقطات المطرية الأخيرة.
وأوضح سميهرو، في تصريح لجريدة “العمق المغربي”، أن هذه الوضعية تعيد إلى الواجهة سؤالا جوهريا يتعلق بمدى صلابة وجاهزية البنية التحتية بالعاصمة الاقتصادية لمواجهة التقلبات المناخية، خصوصا في ظل تكرار نفس المشاهد كل موسم ممطر دون حلول جذرية.
وأضاف المتحدث عينه أن الأمطار كشفت من جديد هشاشة عدد من الطرقات والمحاور الرئيسية، حيث تحولت شوارع إلى مسارات مليئة بالحفر العميقة والتشققات الخطيرة، ما يعرّض مستعملي الطريق لمخاطر يومية، سواء من السائقين أو الراجلين.
وفي المقابل، أشار الفاعل السياسي إلى أن مناطق أخرى داخل المدينة نفسها ظلت في وضع أفضل، وهو ما يبرز وجود تفاوت واضح في جودة التهيئة والصيانة، ويطرح علامات استفهام كبيرة حول مدى احترام مبدأ العدالة المجالية في توزيع المشاريع والإصلاحات.
وسجل سميهرو أن بعض الأحياء داخل المجال الحضري أصبحت تعيش أوضاعا أقرب إلى الوسط القروي، من حيث تدهور الطرق، وضعف شبكات تصريف مياه الأمطار، وغياب الصيانة المنتظمة، مما ينعكس سلبا على جودة الحياة اليومية للسكان، ويعمق الإحساس بالإقصاء والتهميش داخل مدينة يفترض أنها القلب الاقتصادي للمملكة.
وشدد المتحدث على أن الدار البيضاء باتت تدبر بمنطق “السرعتين”، حيث تستفيد مناطق محددة من مشاريع التأهيل والتتبع المستمر، بينما تترك أحياء أخرى لمصيرها، في غياب تدخلات استباقية أو برامج صيانة فعالة.
واعتبر أن هذا التفاوت لا يرتبط فقط بالإمكانيات المالية، بل أيضا بضعف الحكامة المحلية وغياب رؤية مندمجة تضع العدالة المجالية في صلب الأولويات.
وفي سياق متصل، أرجع الفاعل السياسي جزءا من هذا الخلل إلى ضعف الترافع السياسي داخل المؤسسات المنتخبة، مشيرا إلى أن عددا من المنتخبين لا يمارسون أدوارهم التمثيلية والدفاعية بالشكل المطلوب.
وأوضح أن الخوف من فقدان الامتيازات أو الاصطدام بمراكز القرار يجعل بعضهم يفضلون الصمت أو الاصطفاف بدل الدفاع الحقيقي عن مصالح الساكنة، وهو ما ينعكس مباشرة على وتيرة التنمية وجودة الخدمات داخل عدد من الأحياء.
وختم سميهرو تصريحه بالتأكيد على أن معالجة هذا الوضع تتطلب إرادة سياسية حقيقية، تقوم على ربط المسؤولية بالمحاسبة، وتعزيز آليات المراقبة وتتبع الصفقات العمومية، إلى جانب اعتماد مقاربة عادلة وشفافة في توزيع المشاريع، تضمن حق جميع البيضاويين في بنية تحتية لائقة، بغض النظر عن مواقعهم الجغرافية أو وزنهم الانتخابي.
المصدر:
العمق