آخر الأخبار

هل أعاد مشروع القانون المتعلق بالحيوانات الضالة الاعتبار للقانون؟

شارك

الكاتب: عبد العزيز الحتيا

أدى الانتشار المهول للحيوانات الضالة بالفضاءات العامة في السنوات الأخيرة إلى ارتفاع وتيرة الاحتجاج عليه والمطالبة بمعالجته بسبب ما ينتج عنه من مآس خطيرة وصلت إلى درجة إنهاء حياة بعض الأشخاص، ليس بسبب الإصابة بداء الكلب فقط، وإنما أيضا نتيجة القتل الفوري من جراء هجومها.

وبجانب هذه المآسي، أظهرت الوقائع منذ تسطير «الاتفاقية الإطار للشراكة والتعاون لمعالجة ظاهرة الكلاب والقطط الضالة» بين وزارة الداخلية (المديرية العامة للجماعات الترابية) والمكتب الوطني للسلامة الصحية للمنتجات الغذائية ووزارة الصحة والهيئة الوطنية للأطباء البياطرة سنة 2019 شيوع أفكار وممارسات مغالية في ادعاء الرفق بالحيوان ارتدت رداء الانقلاب على القانون.

ثم صادق مجلس الحكومة يوم 10 يوليوز 2025 على مشروع قانون رقم 19.25 يتعلق بحماية الحيوانات الضالة والوقاية من أخطارها. كما حمل الإعلان عن هذه المصادقة الإشارة إلى اعتبار توصيات المنظمة العالمية للصحة الحيوانية، وتكفل وزارة الفلاحة والصيد البحري والتنمية القروية والمياه والغابات بإعداده.

وبعد أن أحالت الحكومة على البرلمان هذا المشروع قانون، اتضح أنه يتضمن 55 مادة موزعة كما يلي:

الباب العنوان المواد
الباب الأول أحكام عامة م 1 ← م 5
الباب الثاني نظام التصريح بالحيوان والتزامات مالكه أو حارسه م 6 ← م 12
الباب الثالث مراكز رعاية الحيوانات الضالة الفرع الأول مراكز رعاية الحيوانات الضالة المحدثة من لدن الجماعة م 13 ← م 17
الفرع الثاني مراكز رعاية الحيوانات الضالة المحدثة من لدن أشخاص القانون الخاص م 18 ← م 27
الباب الرابع قاعدة المعطيات الخاصة بالحيوانات الضالة م 28 ← م 30
الباب الخامس البحث عن المخالفات ومعاينتها م 31 ← م 34
الباب السادس العقوبات م 35 ← م 50
الباب السابع أحكام انتقالية وختامية م 51 ← م 55

فهل أعاد مشروع قانون رقم 19.25 الاعتبار للقانون؟
هذا ما سنحاول الإجابة عنه من خلال رصد مظاهر الانحراف عن القانون في دعوى الرفق بالحيوان في محور أول، ثم عرض اتجاه مشروع القانون إلى إعادة الاعتبار للقانون في محور ثان، ليتم بيان حدود هذا الاتجاه في محور ثالث. وذلك على الشكل الآتي:
أولا – الانحراف عن القانون في دعوى الرفق بالحيوان
1- على مستوى الاتفاقية الإطار
2- على مستوى دعاة الرفق بالحيوان
ثانيا – محاولة المشروع إعادة الاعتبار للقانون
1- على صعيد المادتين 5 و44
2- على صعيد البند الثامن من المادة 13
ثالثا – حدود المحاولة
1 – الاصطدام بالمادة 100 من القانون التنظيمي للجماعات
2 – اضطراب فلسفة العقاب
3 – تحجيم دور السلطة الإدارية المحلية
خـــــلاصـــــات

أولا – الانحراف عن القانون في دعوى الرفق بالحيوان
1- على مستوى الاتفاقية الإطار
أسفر سياق إعداد الاتفاقية الإطار الذي جاء «تجاوبا مع انتقادات مجموعة من المنظمات الوطنية والدولية المهتمة بحماية الحيوانات» ( جريدة الأخبار – ع 2143 – 12 نونبر 2019 – ص 3 ) عن التسرع في إخراجها، مما جعلها حاملة لأخطاء يتعين الإشارة إليها.
وأول خطأ تضمنته هذه الاتفاقية هو خطأ شكلي تجلى في مخالفة الترتيب المعهود به في إعداد النصوص القانونية القائم على الإتيان بالقانون وإتباعه بالظهير الشريف الصادر بتنفيذه، وليس العكس. وكمثال على هذه المخالفة ما ورد في الاتفاقية من صيغة «الظهير الشريف رقم 1.15.83 الصادر في 20 من رمضان 1436 (7 يوليوز 2015) بتنفيذ القانون التنظيمي رقم 111.14 المتعلق بالجهات»، عوض «القانون التنظيمي رقم 111.14 المتعلق بالجهات الصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 1.15.83 بتاريخ 20 من رمضان 1436 (7 يوليوز 2015)». والفرق كبير بين الصيغة الواردة في الاتفاقية الإطار والترتيب المعهود به الذي يجسده على سبيل المثال ما ورد في حيثيات الظهير الشريف رقم 1.11.82 الصادر في 14 من رجب 1432 (17 يونيو 2011) بعرض مشروع الدستور على الاستفتاء من الإشارة إلى « القانون رقم 9.97 المتعلق بمدونة الانتخابات الصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 1.97.83 بتاريخ 23 من ذي القعدة 1417 (2 أبريل 1997) ولا سيما المادتين 109 و110 منه ».
ومن حيث الموضوع، فالمفترض انضباط الاتفاقية الإطار للقوانين المؤطرة لموضوع الاتفاق. لكن الاتفاقية الإطار أشارت في حيثياتها إلى هذه القوانين، من دون أن تتقيد بها؛ بل وسارت في اتجاه إنشاء قواعد جديدة تخالف القوانين المسطرة.
فمؤدى ما نص عليه القانون التنظيمي رقم 113.14 المتعلق بالجماعات من اضطلاع رئيس الجماعة بجمع الكلاب الضالة هو إخلاء الفضاء العام منها. لكن الاتفاقية – الإطار أقرت اعتماد أسلوب الجمع والتعقيم والتلقيح والإعادة إلى المكان الأصلي «TNR» بما يعنيه من العمل على إعادة انتشار الكلاب الضالة (والقطط الضالة أيضا). ويمكن الاستئناس بموقف المحكمة الإدارية بوجدة في الحكم عدد 1400 الصادر بتاريخ 8 نونبر 2022 في الملف رقم 36/7112/2022: فبالرغم من استنادها إلى الاتفاقية – الإطار لتقرير أهمية الاهتمام برعاية الكلاب الضالة، فإنها اكتفت من أسلوب «TNR» بتعقيم وتلقيح الكلاب، من دون الإتيان على ذكر مقتضى « إعادتها إلى المكان الذي تم جمعها فيه». وعوض هذا المقتضى الذي هو مآل أسلوب «TNR»، فسرت المحكمة مآل هذا الأسلوب ب«جمعها [أي الكلاب] في أماكن خاصة بها»، والمادة 100 من القانون التنظيمي للجماعات ب«جمع الكلاب في أماكن خاصة بها». والفرق واضح بين هاتين العبارتين وبين العمل على إعادة الكلاب إلى المكان الذي تم جمعها فيه. ويؤكد موقف المحكمة أن جمع الكلاب الضالة والعمل على إعادة نشرها مهمتان لا تجتمعان. وهكذا يظهر أن الاتفاقية – الإطار خالفت، بتبنيها لإعادة نشر الكلاب، القانون التنظيمي للجماعات القاضي بجمعها أي بإخلاء الفضاء العام منها.
وبما أن مهمة جمع الكلاب الضالة أدرجها القانون التنظيمي للجماعات في إطار اختصاصات الشرطة الإدارية المعنية بالسهر على تحقيق النظام العام من أمن وطمأنينة وصحة عامة، فمن الجلي أن العمل على إعادة نشر الكلاب يتعارض مع النظام العام.
ولا يتوقف الأمر عند جمع الكلاب الضالة، بل هناك مقتضيات توضح الخطوات اللازم اتباعها بعد الجمع. وعلى رأس هذه المقتضيات قرار وزير الفلاحة والصيد البحري رقم 2271.13 الصادر في 17 من محرم 1435 (21 نونبر 2013) المتعلق بالتدابير التكميلية الخاصة لمحاربة داء الكلب عند الحيوانات الذي يمنح للجماعات إمكانية قتل الكلاب والقطط الضالة داخل المجال الحضري؛ لكن الاتفاقية الإطار أشارت إلى هذا القرار في حيثياتها، من دون أن تتقيد به، بل تجاوزته وقدمت مقتضى جديدا يخالفه. وهكذا يتضح أن الاتفاقية – الإطار خالفت مرة أخرى نصا تشريعيا أعلى منها.
وبالإضافة إلى مخالفة الاتفاقية الإطار لمقتضيات قانونية يجب تطبيقها، فقد نحت منحى مغايرا لتوصيات المنظمة العالمية للصحة الحيوانية. فهذه المنظمة تشترط لاعتماد أسلوب «TNR» قبول الساكنة المحلية له، وذلك في المدونة الصحية للحيوانات البرية «Code sanitaire pour les animaux terrestres» التي تصدرها بشكل دوري ( على سبيل المثال نسخة 2024 بالصفحة 475). والجهة المعنية بالقبول هي الساكنة المحلية، وليست المجالس المنتخبة أو جهات إدارية أخرى أو جمعيات الرفق بالحيوان. ولكن شرط قبول الساكنة المحلية تم تجاهله سواء على مستوى الاتفاقية – الإطار التي لم تشر إليه واكتفت بما سمته «القيام بعمليات التحسيس والتوعية للتعريف بهذه المقاربة وبأهدافها»، أو على صعيد فرض الاتفاقية على المجالس الجماعية بالرغم من رفض بعضها لها. وقد وثق هذا الرفض ياسين جلوني في أطروحته لنيل شهادة الدكتوراه في الطب البيطري الموسومة ب«إشكالية ظاهرة الكلاب الضالة في المغرب: دراسة تشخيصية وتقييم المقاربات المعتمدة لتدبيرها» (ص ص 94-95).
وتنبه المنظمة العالمية للصحة الحيوانية إلى أن أسلوب «TNR» لا يعني القضاء على داء الكلب ونباح وعض وفضلات الكلاب وحوادث السير (نسخة 2024 من المدونة الصحية للحيوانات الأرضية بالصفحة 475)، لكن الاتفاقية – الإطار تمسكت به وكأنه المخلص من معضلة الكلاب الضالة.
لقد كان لهذه الأخطاء التي رافقت الاتفاقية – الإطار نتائج من بينها:
– تعطيل المكنة القانونية التي كانت بيد الجماعات من حيث إمكان قتل الكلاب والقطط الضالة، واستمرار – إن لم نقل تفاقم – الأضرار الناتجة عن هذا التعطيل؛
– دعوة الجماعات إلى إشراك الجمعيات المهتمة بحماية الحيوانات من دون توضيح مدى انسجام هذا الإشراك مع ما تشترطه المادة 149 من القانون التنظيمي للجماعات من اقتصار اتفاقيات التعاون أو الشراكة على الجمعيات المعترف لها بصفة المنفعة العامة؛
– وضع الجماعات، بالنتيجة، في موقف ضعف أمام جمعيات الرفق بالحيوان، خاصة منها تلك التي تنادي بأفكار مخالفة للقانون؛
– توفير غطاء لمقاضاة الجماعات حول قتل الكلاب الضالة، مع التنبيه هنا إلى عدم حسن دفاع الجماعات حول هذا الموضوع؛
– تكبد ميزانيات الجماعات لمصاريف إضافية ناتجة عن تنفيذ الأحكام القضائية المتعلقة بالمنازغات حول أضرار الحيوانات الضالة؛
– مقاضاة وزارة الداخلية نفسها من طرف جمعية وخسرانها للقضية بسبب عدم قدرتها على التمسك بالمقتضيات القانونية الأعلى من الاتفاقية الإطار والتي تم تعطيلها بموجب هذه الأخيرة؛ وما يؤدي إليه هذا الخسران من تساؤل المواطن عن مدى نجاعة إمساكها بتأطير ملف الحيوانات الضالة. ويقترب من هذا التساؤل ما لاحظه عصام الناصيري من توريط جمعيات الرفق بالحيوان لوزارة الداخلية والجماعات في موضوع الكلاب الضالة (« كلاب ضالة تنهش جسد طفلة »، جريدة الصباح، ع 7112، 2/5/2023، ص 10).
2- على مستوى دعاة الرفق بالحيوان
إن كانت الاتفاقية الإطار أسفرت عما سبق ذكره، فقد أدت إلى غلو في الدعوة إلى الرفق بالحيوان تعددت مظاهره.
فمن الناس من فهم الرفق بالحيوان على أنه إيواء الكلاب والقطط الضالة بالفضاء العام غير مكترث بمعاناة جيرانه، خاصة المصابين بأمراض مزمنة منهم . ولا يدخر أصحاب هذا «الفهم» جهدا في الإساءة لجيرانهم المعترضين على تصرفهم غير المقبول.
وتصدى بعض المدافعين عن الحيوانات لعمليات جمع الكلاب الضالة في تحد للجهات القائمة عليه وفي تماس مع جريمة العصيان وإهانة الموظف العمومي. ومن الأمثلة على هذا التحدي ما نشره الموقع الإلكتروني لجريدة الأخبار بتاريخ 11 مارس 2022 تحت عنوان «وكيل الملك بتطوان يحقق في فوضى جمع الكلاب الضالة – جمعويون هاجموا سيارة جماعة وأطلقوا سراح الكلاب».
وحدث انحراف آخر في مجال تنظيم النشاط الاقتصادي من حيث تغيير الجهة المتدخلة في تنظيمه من الجماعة والسلطة المحلية إلى جمعية. وتتعلق الواقعة بحمل أصحاب العربات المجرورة بالخيول بمراكش على تعويض الجلود بالصفائح. صحيح أنه تم تصوير الأمر على أنه مجرد توصية، لكن التوصية ترفع إلى الجهات المختصة لتعمل على تقنينها، لا أن يتم التواصل مباشرة مع المعنيين وأن تتخذ التوصية صفة أمر مباشر من جهة ليست لها الصفة في توجيه الأمر. ويمكن الاستئناس بفيديو منشور على اليوتيوب تحت عنوان «أصحاب “الكوتشي” يرفضون توصيات جمعية الرفق بالحيوان بمراكش».
ولم يقتصر التطرف في الدعوة إلى الرفق بالحيوان على بعض النشطاء في هذا المجال، بل امتد إلى جمعية معنية بالدفاع عن حقوق الإنسان دعت في مواجهة رئيس جماعة إلى تفعيل «المساطر القانونية في حق من أشر على احتجاز كلاب ضالة في ظروف مزرية» باعتبار ذلك «مخالفة صريحة للقانون الذي يمنع تعذيب أو قتل الحيوانات». ولم تستحضر الجمعية القانون التنظيمي للجماعات الذي يفرض جمع الكلاب الضالة، وقرار وزير الفلاحة والصيد البحري المانح للجماعات إمكانية قتل الكلاب والقطط الضالة، وقرار وزير الداخلية رقم 1732.07 الصادر في 5 رمضان 1428 (18 سبتمبر 2007) بتحديد إجراءات صرف التعويض عن الأعمال الشاقة والملوثة التي ينجزها بعض الموظفين والأعوان العاملين بالجماعات المحلية وهيئاتها القاضي بإدراج أسر وقتل الحيوانات التائهة ضمن هذه الأعمال. وهذا على افتراض صحة ما زعمته هذه الجمعية.
ويستفاد من تصريح لمحام مؤازر لناشطة في مجال الرفق بالحيوان أنها في حل من المتابعة مادام أن إنقاذها المزعوم للكلاب يدخل فيما ينص عليه القانون الأساسي لجمعيتها من رعاية الحيوان. والحال أن القانون الأساسي للجمعية يفترض فيه الانضباط للقوانين الجاري بها العمل، وإلا تحولت الجمعية إلى دولة داخل الدولة.
ونأتي إلى تجل خطير للغلو في الدعوة إلى الرفق بالحيوان وهو المناداة بتطبيق الفصل 602 من القانون الجنائي على «المعتدين» على الحيوانات الضالة، نظرا لتأسيسها ل«جريمة» لا يقرها الفصل المذكور. وإن كان هذا الموضوع المرتبط بحريات الناس يحتاج إلى تفصيل قد لا تتسع له هذه الورقة، فلابد من الإشارة بتركيز إلى أن تطبيق هذا الفصل لا يمتد إلى غير الحيوانات المملوكة.
إن القراءة النصية للفصل 602 تبين أن قيام جريمة قتل أو بتر الحيوان بغير ضرورة مشروطة بتواجد الحيوان (سواء الوارد في قائمة الفصل 601 أو أي حيوان آخر مستأنس) بمكان أو مبنى أو حديقة أو ملحقة أو أرض يملكها أو يستأجرها أو يزرعها صاحبه. وهذا يعني ضرورة توفر الشرطين الآتيين: الحيوان المستأنس مملوك لصاحبه، وتواجد الحيوان بمكان مالكه.

ولقطع التردد حول مدى صحة هذه القراءة النصية للفصل 602، نستعير من كتاب «القانون الجنائي في شروح» (إعداد أدولف رييولط، تنسيق النص العربي: زينب الطالبي،الطبعة الثانية، 1997، منشورات جمعية تنمية البحوث والدراسات القضائية، مطبعة المعارف الجديدة الرباط) قراءة قانونية تحسم الجدل حول الفصل 602. وقبل عرض ما ورد في هذا الكتاب الصادر عن المعهد الوطني للدراسات القضائية ، نشير إلى أنه من إعداد أدولف رييولط «Adolf Ruolt » الذي كان عضوا في لجنة صياغة القانون الجنائي (ص 3) وشغل وظيفة مستشار فني بوزارة العدل وساهم في شرح العديد من النصوص القانونية المغربية ، ومن ثم فقراءته للفصل 602 تجعل غيرها من القراءات مرجوحة.
يقرر رييولط أن العناصر التكوينية للجريمة المنصوص عليها في الفصل 602 هي (ص 737):
← فعل مادي هو قتل أو بتر أحد الحيوانات التي يحميها الفصل 601 وبصفة عامة كل حيوان مستأنس؛
← الظرف المتمثل في أن الحادث وقع في مكان هو لمالك الحيوان،
← أن يرتكب هذا الفعل بغير ضرورة،
← النية الجرمية.
فبماذا سيرد المنادون بتطبيق الفصل 602 في حالة الحيوانات الضالة على العنصر التكويني الثاني؟ وكيف لهم برفض هذه القراءة القانونية الصادرة عن عضو بلجنة صياغة القانون الجنائي؟ وما هي حجتهم العلمية في حالة رفضهم لهذه القراءة القانونية؟
ونضيف أن موقع الفصل 602 من تبويب القانون الجنائي يستبعد الحيوان الضال. فهذا الفصل يندرج، على غرار الفصول المتعلقة بالاعتداء على الحيوانات المملوكة (وهي الفصول من 601 إلى 605)، في الفرع الثامن الخاص ب «التخريب والتعييب والإتلاف» التي هي كلمات لا تنطبق إلا على الأشياء. والفرع الثامن هو متضمن في الباب التاسع المتعلق ب«الجنايات والجنح المتعلقة بالأموال». ومن المعلوم أن المال يدل على “الحق ذي القيمة المالية، أيا كان نوعه، وأيا كان محله شيئا أو عملا” ( حسن كيره، المدخل إلى القانون، منشأة المعارف بالإسكندرية، 1993،ص 705 ).
ويتضح، إذن، أن الحيوان الآخر المستأنس الوارد في الفصل 602 هو بالضرورة مملوك للغير، ولا ينصرف إلى القط والكلب غير المملوكين.
وتجاوز الأمر القراءة الخاطئة للقانون الجنائي إلى مستوى خطير في الاستعانة بمواده: فبعد نشر مشروع القانون رقم 19.25، زعم ائتلاف جمعوي أن المادة 5 منه المانعة لإيواء وإطعام وعلاج الحيوانات الضالة تتناقض مع الفصل 267 من القانون الجنائي الذي يعاقب على العنف أو الإيذاء ضد رجال القضاء أو الموظفين العموميين أو رؤساء أو رجال القوة العامة أثناء قيامهم بوظائفهم أو بسببها، مما يجعل القارئ حيرانا أمام هذا الربط الغريب. وادعى أن هذا التناقض «قد يخلق ارتباكا قانونيا ويضعف من فعالية العقوبات».
وفي سياق التناول غير السليم للمقتضيات القانونية، لم يتردد هذا الائتلاف في حشو مقتضى «احترام كرامة جميع الكائنات الحية» في مبادئ الدستور من دون الإدلاء بالبند الدستوري المتضمن له! وهذا مع العلم أن لفظ «الكرامة» ورد في الدستور في ثلاثة مواضع تتعلق بالإنسان، وليس بالكائنات الحية كما زعم الائتلاف: «إرساء دعائم مجتمع متضامن، يتمتع فيه الجميع بالأمن والحرية والكرامة والمساواة، وتكافؤ الفرص، والعدالة الاجتماعية، ومقومات العيش الكريم، في نطاق التلازم بين حقوق وواجبات المواطنة» (الفقرة الأولى من التصدير)، و«لا يجوز لأحد أن يعامل الغير، تحت أي ذريعة، معاملة قاسية أو لا إنسانية أو مهينة أو حاطة بالكرامة الإنسانية» (الفقرة الثانية من الفصل 22)، و«المجلس الوطني لحقوق الإنسان مؤسسة وطنية تعددية ومستقلة، تتولى النظر في جميع القضايا المتعلقة بالدفاع عن حقوق الإنسان والحريات وحمايتها، وبضمان ممارستها الكاملة والنهوض بها وبصيانة كرامة وحقوق وحريات المواطنات والمواطنين، أفرادا وجماعات، وذلك في نطاق الحرص التام على احترام المرجعيات الوطنية والكونية في هذا المجال» (الفصل 161). ولا نرى سببا للربط بين هذه السياقات وبين «احترام كرامة جميع الكائنات الحية» الذي حشاه الائتلاف في مبادئ الدستور.
وبلغ هذا التناول غير السليم مداه في المطالبة بإسقاط تدخل السلطة الإدارية في حالة تهديد الحيوانات الضالة للنظام والأمن العمومي، وكأن الرفق بالحيوان هو قلب حياة وطمأنينة المغاربة رأسا على عقب، وكأن النظام والأمن العمومي المفترض أن ينعم الناس بهما يشترطان تأشيرة الجمعيات المنادية بذلك الإسقاط.
ولم يقف الأمر عند هذا الحد من الدعوة إلى تطبيق الفصل 602 في غير محله ومحاولة تطويع مقتضيات قانونية أخرى في غير نطاقها، بل وجد نشطاء في الرفق بالحيوان أنفسهم أمام «نيران صديقة» مصوبة إليهم من زملاء لهم في هذا الرفق. وذلك من خلال مطالبة جمعيات للرفق بالحيوان منحت لنفسها صفة «الرسمية» ب«الحل الفوري لجميع الهيئات الخاصة أو الجمعوية المفتعلة» («قتل كلاب ضالة ينال الإدانة في المغرب»، 4 ماي 2023، هسبريس)!. فما هو «الجرم» الذي اقترفته هذه «الهيئات الخاصة والجمعوية» حتى تطالب جمعيات حماية الحيوان «الرسمية» بحلها؟
فهل ارتكبت جمعيات الرفق بالحيوان «غير الرسمية» ما يمنعه الفصل 29 من الظهير الشريف رقم 1.58.376 يضبط بموجبه حق تأسيس الجمعيات من التحريض على قيام مظاهرات مسلحة في الشارع أو اتخاذ صبغة فئات الكفاح أو الفرق المسلحة الخصوصية أو استهداف المس بوحدة التراب الوطني أو الاستيلاء على مقاليد الحكم بالقوة أو الاعتداء على النظام الملكي للدولة، حتى يقوم رئيس الحكومة بحلها بمرسوم؟!
أم لم تصرح للأمانة العامة للحكومة بالمساعدات الأجنبية التي تلقتها حتى تنظر المحكمة في طلب حلها بموجب الفصلين 32 مكرر و 7 من الظهير المذكور؟!
أم قامت بنشاط غير النشاط المقرر في قوانينها الأساسية حتى ينظر القضاء في طلب حلها بموجب الفصلين 36 و7 من الظهير المذكور؟!
إن جمعيات حماية الحيوان «الرسمية» لم تذكر شيئا من موجبات الحل المذكورة، واكتفت بالإشارة إلى أن جمعيات الرفق بالحيوان «غير الرسمية» فوض إليها برنامج تنفيذ الاتفاقية الإطار بالرغم من أنها «عديمة الخبرة…». فأين هذا من موجبات الحل المنصوص عليها في الظهير المذكور؟ وما ذنب الجمعيات «غير الرسمية» إذا كانت الجماعات فضلت إشراكها في برامجها، ولم تلتفت إلى الجمعيات «الرسمية»؟
وما يثير الانتباه أن جمعيات حماية الحيوان «الرسمية» تسمح لنفسها بحيازة وصف «الرسمية» دون غيرها من جمعيات الرفق بالحيوان. فهل معنى استعمالها لصفة «الرسمية» أنها حائزة لقدر من السلطة العامة؟
والخلاصة أن التطرف في الدعوة إلى الرفق بالحيوان آذى الناس، واعتدى على الدستور والقانون، بل لم يسلم من وباله حتى رفاق الدرب من نشطاء في مجال الرفق بالحيوان.
وبعد أن أوضحنا الانقلاب على القانون الذي أسست له الاتفاقية الإطار، وكرسه التطرف والغلو في الدعوة إلى الرفق بالحيوان؛ فلنبحث سعي مشروع القانون رقم 19.25 إلى إعادة الاعتبار للقانون.
ثانيا – محاولة المشروع إعادة الاعتبار للقانون
حمل الإعلان عن مصادقة الحكومة على مشروع القانون رقم 19.25 نقطا لا ينبغي تجاهلها. فالإخبار بأن وزارة الفلاحة والصيد البحري والتنمية القروية والمياه والغابات هي التي أعدت مشروع القانون، وتحديد الإطار المرجعي المستأنس به في توصيات المنظمة العالمية للصحة الحيوانية، والسكوت عن ذكر جمعيات الرفق بالحيوان؛ هي عناصر مؤشرة على الرغبة في تجاوز السلبيات التي أبانت عنها الاتفاقية الإطار، وتبديد الوهم الذي خلقه بعض نشطاء الرفق بالحيوان حول وجود اتفاقيات دولية صادق عليها المغرب بخصوص الحيوانات الضالة، والقطع مع المطالب المغالية التي انتعشت بعد تسطير الاتفاقية الإطار.
ومؤدى هذه الاعتبارات المستفادة من الإعلان عن مصادقة الحكومة على مشروع القانون الاتجاه إلى الاحتكام إلى القانون لا الانصياع وراء ما يناقضه.
يبقى أن نبحث في ما إذا كان مشروع القانون قد سار في هذا الاتجاه.
يمكن القول بإجمال أن مشروع القانون حاول إعادة الاعتبار للقانون. وسنعمل على إبراز هذه المحاولة من خلال عرض مواد من المشروع توضحها.
1- على صعيد المادتين 5 و44
قبل الحديث عن هاتين المادتين، نبادر إلى القول إن منع إطعام الحيوانات بالفضاءات العامة مقتضى جار به العمل في عدة دول. فعلى سبيل المثال، شارك مؤخرا نحو 11 ضابطا في إيقاف امرأة أطعمت الحمام وتقييدها بالأصفاد وفرض غرامة عليها («اعتقال امرأة أطعمت الحمام»، جريدة الصباح، عدد 7918، 15 يناير 2026، الصفحة الأخيرة). وقد يستغرب القارئ متى علم أن هذا الحدث تم بدولة لها ترسانتها القانونية المتعلقة بالحيوانات، وهي بريطانيا، وبالضبط بساحة ويلدستون شمال غربي لندن.
تنص المادة 5 على أنه «لا يجوز لأي شخص أن يقوم برعاية حيوان ضال سواء بإيوائه أو إطعامه أو علاجه». وترتب المادة 44 على المخالف للمادة 5 ما يلي: «يعاقب بغرامة من 1500 إلى 3000 درهم، كل من قام، خلافا لأحكام المادة 5 من هذا القانون، بإيواء حيوان ضال أو إطعامه أو علاجه في أحد الفضاءات العامة، لا سيما بالشارع العام أو المباني السكنية المشتركة أو الأماكن المفتوحة للعموم.».
وقد كانت هاتان المادتان موضعا للانتقاد العنيف أكثر من غيرهما من مواد مشروع القانون، مما يقتضي الرد عليه. لكن قبل ذلك يتعين فهم سبب التخوف منهما، وتوضيح مزاياهما.
أ- سبب التخوف من المادتين 5 و44
تجدر الإشارة إلى أن منع إطعام الحيوانات الضالة وترتيب الغرامة على مخالفته ليسا جديدين، وإنما جرى العمل بهما من قبل. وكمثال على ذلك القرار التنظيمي الجماعي المتعلق بالوقاية الصحية والنظافة وحماية البيئة الصادر عن رئيس جماعة الدار البيضاء تحت عدد 19 بتاريخ 7 شتنبر 2018: فقد نص الفصل 29 منه على أنه «يمنع منعا كليا تخصيص مكان قار ودائم لتقديم وإعطاء الأكل وما شابهه للحيوانات الشاردة كطيور الحمام والكلاب والقطط الضالة بكل الحدائق والساحات العمومية وشوارع وأرضية المدينة، تفاديا لتكاثر الجرذان والحيوانات الضالة»، ونص الفصل 227 منه على أن «كل مخالفة للمقتضيات هذا القرار تستوجب فرض ذعائر وجزاءات عن المخالفات المرتكبة واتخاذ الإجراءات اللازمة المتمثلة في تطبيق (…)». كما أن الشكايات حول إطعام وإيواء الحيوانات الضالة بالفضاء العام كانت توجه إلى المسؤولين لحمل المشتكى بهم على العدول عن صنيعهم المضر بالناس.
ويبدو أن فوضى الرفق بالحيوانات الضالة بالفضاءات العامة وعدم اكتراث البعض بقرارات رؤساء الجماعات ذات الصلة وعدم تحقيق الردع الناتج عن هزالة مبلغ الغرامة (100 درهم) وهشاشة بنيات الشرطة الإدارية في بعض الجماعات، هي عوامل دفعت بمعدي مشروع القانون إلى تسطير المنع بنص قانوني يفوق من حيث القوة قرارات رؤساء الجماعات، والرفع من سقف الغرامة من خلال المادتين 5 و44. وهكذا سيتجاوز تطبيق هاتين المادتين بعد اعتمادهما الثغرات الناتجة عن ضعف الشرطة الإدارية الجماعية. وتنطوي المادة 31 على مقتضى يروم تحقيق هذا التجاوز من خلال تنويع المعاينين للمخالفات بين ضباط الشرطة القضائية وأعوان الإدارة وأعوان الجماعات، وليس فقط الاكتفاء بأعوان الجماعات الذين يشتغلون في ظل هشاشة بنيات الشرطة الإدارية الجماعية في العديد من الجماعات. ومن هنا يمكن فهم سبب اشتداد الحنق على المادتين 5 و44، لأن المتعهد للحيوانات الضالة بالفضاء العام سيجد نفسه أمام ضابط الشرطة القضائية الذي لن يتردد في إنجاز محضر المخالفة وتوجيهه إلى النيابة العامة.
ب – مزايا المادتين 5 و44
إن منع إيواء وإطعام وعلاج الحيوانات الضالة بالفضاءات العامة يستهدف تحقيق الأمن والطمأنينة والصحة العامة. ذلك أن الإنسان الذي يأوي أو يطعم حيوانا ضالا بالفضاء العام يساهم في اتتشار الذعر لجيرانه وللمارة، وفي ديمومة الإزعاج الصوتي بالنهار والليل (خاصة في حالة الكلب)، وفي انتشار فضلاته والروائح الكريهة وتعفن بقايا الطعام… وغني عن البيان أن النظام العام يختل في هذه الحالات. ويمكن الاستئناس بمثال من فرنسا يبين أهمية الطمأنينة كمكون للنظام العام، وذلك باعتبار ترسانتها القانونية في مجال حماية الحيوانات وباعتبار أن جمعياتها قبلة لاستقبال شكاوى ما يزعم أنه اعتداء على الحيوانات. فقضية « الديك مارسيل » أسفرت عن تشريع فرنسي يروم الحفاظ على الطابع الحسي للقرى من حيث تحصين أصوات الحيوانات المملوكة من الاحتجاج ضدها، من دون امتداد هذا الطابع إلى المدن؛ مما يعنيه هذا من أن صوت/غناء الديك غير متسامح معه بالمدن. أما عندنا فيراد التطبيع مع نباح الكلاب الضالة بمدننا نهارا وليلا. ثم إن قاتل الديك مارسيل المملوك لصاحبه بالرصاص لم يحكم عليه بالحبس النافذ، لأنه من المحتمل أن المحكمة اعتبرت جدية الدفع المقدم من طرفه والقائم على الإزعاج الذي كان يسببه له صياح/غناء الديك مارسيل.
ونظرا لما يلحق جيران الشخص المؤوي أو المطعم أو المعالج للحيوان الضال من أذى كبير، فإن المادتين 5 و44 تسعيان إلى حفظ حق الجار الذي غفل عنه بعض مدعي الرفق بالحيوان.
وتضمر المادتان 5 و44 تشجيع تبني الحيوانات الضالة. ذلك أنه بعد منع إيواء وإطعام الحيوانات الضالة بالفضاء العام، سيتجه العاطفون عليها إلى خيار التبني الذي سيعود بالنفع على الحيوان الضال من حيث ضمان إطعامه الجيد وعلاجه السليم وعلى الجيران وعلى الفضاء العام. لكن هذا التبني يرتب مسؤوليات قانونية هي نفس مسؤوليات مالك الحيوان، وأولها عدم ترك الحيوان بالفضاء العام.
كما حاولت المادة 44 تحقيق المساواة أمام القانون بين مالك الحيوان وبين متعهد الحيوان الضال بالرعاية . فعلى الأول واجبات يؤدي الإخلال بها إلى توقيع عقوبات عليه كما هو وارد في المواد 38 و42 و45 و46 و47 و49. وفي حالة كون الحيوان كلبا، فقد سبق للقانون رقم 56.12 المتعلق بوقاية الأشخاص وحمايتهم من أخطار الكلاب تحديد العقوبات على المخالفين لمقتضياته، والتي لها الأولوية على العقوبات الواردة في مشروع القانون في حالة ارتكاب نفس الفعل المجرم في النصين معا تبعا للمادة الأولى من مشروع القانون. فكيف يستقيم إلزام مالك حيوان واحد بكل هذه الواجبات التي ترتب العقاب الجنائي والمدني، ويترك آخر يحقق نفس المتعة التي يسعى إليها مالك الحيوان مع أكثر من حيوان بالفضاء العام من دون أن يكون مسؤولا جنائيا ومدنيا؟
ج – الرد على انتقاد المادتين 5 و44
لم يلتفت البعض إلى هذا السعي الحثيث نحو إعادة الاعتبار للقانون ووضع حد لفوضى الرفق بالحيوان بالفضاء العام، وصب جام غضبه على المادتين 5 و 44.
وإن كان من الانتقادات ما يستحسن عدم الالتفات إليه نظرا لإساءة أصحابه للقول وتجاوزهم لسقف «تفضيل الكلاب على كثير ممن لبس الثياب» الذي وضعه ابن المرزبان البغدادي (ت 309 هـ/ 921 م)، فهناك ردود جادلت بالتي هي أحسن وطرحت مسائل يفرض الأمر مناقشتها.
ونكتفي بمحورين من هذه الانتقادات، وهما: عدم استحضار معنى الجريمة والمجتمع الدولي، والاستنجاد بالإسلام لهدم المادتين.
ففيما يتعلق بالغفلة عن معنى الجريمة وعن مراعاة المجتمع الدولي، فقد أشار محمد الشمسي إلى تعارض المادة 44 مع المادة 36 المرتبة للعقوبة على قاتل أو معذب أو مؤذي الحيوان الضال عمدا، باعتبار أن «الامتناع عن إسعاف ورعاية حيوان ضال في حالة حرجة صورة من صور الأذى، ما دامت الجريمة في مفهومها هي كل فعل أو امتناع جرمه القانون» (محمد الشمسي، «قانون الحيوانات الضالة»، جريدة الصباح، عدد 7795، 16-17/8/2025، ص 12).
ونظن أن ما ذكره يتضمن الجواب عن تساؤله لأن مشروع القانون حدد جهة واحدة لرعاية الحيوانات الضالة وهي المراكز المخصصة لهذا الغرض، ولم يلزم عموم الناس «بإسعاف ورعاية حيوان ضال في حالة حرجة» حتى نستنتج أن الامتناع عن الإسعاف والرعاية هو «امتناع جرمه القانون». واعتباره لهذا الامتناع ك«صورة من صور الأذى» يستوجب العقاب يستحيل تصوره في الواقع في حالة الحيوانات الضالة، بخلاف الحيوانات المملوكة التي يؤول الامتناع عن إسعافها ورعايتها إلى معاقبة مالكيها. وهذا ما تسير عليه تشريعات أجنبية تعتبر مرجعا عند ما سماه «مجتمع دولي رخو وهش حياة الحيوان عنده مقدمة على حياة الإنسان أو هما عنده سيان»، من دون أن تعاقب الناس الممتنعين عن إسعاف ورعاية الحيوانات الضالة.
على أن الشمسي في حديثه عن ضرورة مراعاة أو الخضوع ل«مجتمع دولي رخو وهش حياة الحيوان عنده مقدمة على حياة الإنسان أو هما عنده سيان» لم يكن موفقا، نظرا لكونه محاميا أولا ولأنه روائي ثانيا.
أما صفته كمحام، فإنها تقتضي منه استحضار القوانين الوطنية الجاري بها العمل، والتي تمنح الأولوية للإنسان على الحيوان وتحميه من خطر الحيوانات الضالة. وقد سار في موقف آخر غير سيرته هذه، إذ انبرى إلى المطالبة بتطبيق القانون ولم يلتفت إلى «المجتمع الدولي الرخو والهش»، بل صب جام غضبه على مظهر لهذا المجتمع متمثل في القيام «بوقفات احتجاجية لنساء لسن ككل النساء، نساء اخترن العري والخلاعة في الشارع العام وسيلة للاحتجاج، وقد اعتصمن أمام سفارات المغرب في عدد من دول أوروبا لدعم زميلتهم المعتقلة» (محمد الشمسي، «وليمة نهش لحم الأستاذ الرميد على “Medi 1 تيفي”»، موقع فبراير كوم، 8 شتنبر 2025). ولو أنه التزم نفس هذا الموقف في المرة الأولى، لربما أخرج ما يكتنزه من أسلحة قانونية قوية ليرد بها على مراسلة مؤسسة بريجيت باردو لرئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم لمنع المغرب من المساهمة في تنظيم كأس العالم. وذلك على الأقل فيما يتعلق ب«الجمع القسري» في قانونها الأساسي، الموافق عليه من طرف الدولة الفرنسية بموجب المرسوم الفرنسي الصادر سنة 1992 الذي يمنحها صفة المنفعة العامة، بين ممارسة نشاطها كمؤسسة فرنسية على التراب الفرنسي، وبين امتداده إلى «كل العالم» وكأن المرسوم المذكور صادر عن إحدى هيئات الأمم المتحدة، وما يؤدي إليه هذا الأمر من محاولة التدخل في الدول الأخرى؛ وبملاحظات مجلس الحسابات الفرنسي حول عدم تطبيق بعض بنود تسيير المؤسسة المنصوص عليها في القانون الأساسي؛ وامتعاضها من هذا المجلس الذي حشر نفسه فيما لا يعنيه « …mettre son nez dans… »؛ وبوصف أبناء جلدتها المنتقدين لها بمناديل « «torchons الصحافة وفضلات الذباب « chiures de mouche »…
وبالنسبة لدوره كروائي، فقد كان من الممكن أن يستأنف ما نبه إليه مصطفى المسناوي منذ أكثر من ثلاثة عقود، من موقع المنتقد لا المستسلم، من الإمكانية التي منحتها فرنسا لبريجيت باردو للتحول «إلى ناطق رسمي باسم حيوان الفقمة المهدد بالانقراض» (مصطفى المسناوي، «يا أمة ضحكت..!»، سلسلة شراع، العدد 30، 1998،ص 27)، ومن الحضور الطاغي لخبرة الأجانب («النصارى» بتعبيره، ص 29) التي اعتبر أنها «شرط جديد من شروط الاندراج تحت “النظام الدولي الجديد”» (ص 29). والفرق واضح بين الموقفين من خلال استعمال «تحت» وليس «في»، و”النظام الدولي الجديد” بين معقوفتين وليس «المجتمع الدولي»، واختياره وهو «التقدمي» (كما ورد في وصفه على ظهر غلاف الكتاب) للفظ «النصارى» ذي الدلالة التاريخية على رفض الهيمنة الغربية. وننوه إلى أنه من التعسف فهم أن المسناوي يطعن في المسيحية كدين.
ويبقى أهم انتقاد للمادتين 5 و44 هو ذاك الذي تلبس بلبوس ديني يمتح مما دعا إليه الإسلام من الرفق بالحيوان، إلى درجة اعتبارهما متعارضتين مع الإسلام والتوجه بالدعاء إلى الله عز وجل، بالديار المقدسة، من أجل إنزال عقابه على «المعتدين» على الحيوانات الضالة. فكيف تأتي المادتان 5 و 44 لمنع المسلمين، المتعظين بحال المرأة التي دخلت النار بسبب هرة وبما نعم به رجل وامرأة من الرحمة الإلهية بسبب سقيهما لكلب، من إيواء وإطعام وعلاج الحيوانات الضالة؟
بعد اطلاعنا على بحث «الرحمة بالحيوان في السنة النبوية» لسلطان بن سعد السيف، والمقدم ضمن فعاليات المؤتمر الدولي عن الرحمة في الإسلام المنعقد بالمملكة العربية السعودية عام 1437 هـ/2016 م ( https://www.alukah.net/books/files/book_10477/bookfile/alrahmat_bialhiwan.pdf )، وجدنا أن جل الأحاديث النبوية الواردة في الرفق بالحيوان، والقريبة من موضوعنا، تهم الحيوانات المملوكة لأصحابها. ومنها حديث «دخلت امرأة النار في هرة، ربطتها فلم تطعمها، ولم تدعها تأكل من خشاش الأرض» ( ص 102).
إن هذا الحديث يهم مالكي القطط ويوصيهم بالإحسان إليها حتى لا يأثموا، لأن المطلوب من مالك القط العناية بقطه. أما اتخاذ هذا الحديث سندا لفوضى الرفق بالحيوان كما هي ممارسة عندنا فلا يستقيم لأن نظرة الإسلام إلى القطط باعتبارها من متاع البيت يجعل إيواء القطط بالفضاء العام غير جائز. ولم يرد نص ديني يفرض على المسلمين إيواء القطط بالفضاء العام ويرتب العقاب على عدم القيام به على غرار الوعيد الذي قابل به المرأة التي ربطت الهرة. والتوصية الدينية بإماطة الأذى عن الطريق تحفز المسلم من باب أولى على عدم إحداث الأذى بالفضاء العام والذي منه إيواء القطط بالفضاء العام.
ولا يقل خطر القطط الضالة عن خطر غيرها من الحيوانات الضالة. ومن هذه الأخطار الأمراض الطفيلية الجلدية «Les parasitoses cutanées» المشتملة على القوباء الحلقية «La teigne » و الجرب «Les gales» و البراغيث «Les puces»، والأمراض الطفيلية الهضمية «Les parasitoses digestives» المتضمنة لداء المقوسات «La toxoplasmose» والإسكارس «L’ascaridose»،والأمراض المعدية «Les maladies infectueuses» من قبيل مرض خدوش القطط «La maladie des griffes du chat»، و جراثيم الباستوليرا «Les asteurelles»، و العدوى بالجراثيم المسببة للقيح «Les infections germes pyognes»، وداء الكلب «La rage».
ولا تخلو مدننا من مشاكل القطط الضالة. وعلى سبيل المثال عانى بعض سكان مدينة مكناس من هذه المشاكل مؤخرا (حميد بن التهامي، «القطط المتشردة تغزو مكناس»، جريدة الصباح، عدد 7822، 20-21 شتنبر 2025، ص 4). كما انتشرت منذ حوالي سنتين ظاهرة وضع أكياس بلاستيكية تحتوي ماء ممزوجا بمادة «الخرقوم» لإبعاد القطط عن الاقتراب من المنازل.
وإذن، فاستحضار حديث تعذيب المرأة للهرة للتنديد بالمادتين 5 و44 لا يستقيم.
والحديثان الآخران هما: الحديث الذي قال فيه النبي عليه السلام: «بينما رجل يمشي بطريق اشتد عليه العطش، فوجد بئرا فنزل فيها فشرب، ثم خرج، فإذا كلب يلهث يأكل الثرى من العطش، فقال الرجل: لقد بلغ هذا الكلب من العطش مثل الذي كان بلغ بي. فنزل البئر فملأ خفه، ثم أمسكه بفيه، فسقى الكلب، فشكر الله له، فغفر له. قالوا: يا رسول الله وإن لنا في البهائم أجرا؟ فقال: في كل ذات كبد رطبة أجر»؛ والحديث الذي قال فيه النبي عليه السلام:«بينما كلب يطيف بركية، كاد يقتله العطش، إذ رأته بغي من بغايا بني إسرائيل، فنزعت موقها فسقته، فغفر لها به». والحديثان معا متفق عليهما (ص 100).
أول ما نتوجه به إلى متخذي هذين الحديثين سندا لفوضى الرفق بالحيوان بالفضاء العام هو التدقيق في سلوك الرجل والمرأة، وهو مساعدة الكلبين عن طريق الصدفة إلى الوصول إلى الماء. ولا يذكر الحديثان أن الرجل والمرأة نقلا الكلبين إلى المنطقة التي يقيم فيها كلاهما وفرضا إيوائهما بالفضاء العام ضدا على جيرانهما وغيرهم من الناس.
والنقطة الثانية هي تجاهل متخذي الحديثين سندا لفوضى الرفق بالحيوان بالفضاء العام النهي الديني عن اتخاذ الكلب من غير كلب الماشية أو الصيد أو الحرث، والذي يستفاد منه من باب أولى عدم جواز إيواء الكلاب الضالة بالفضاءات العامة.
والنقطة الثالثة هي بيان الحديثين لأهمية الرحمة بالإنسان: فإذا كان الأجر من نصيب الرجل والمرأة بسبب غرفة ماء سقياها للكلبين، فكيف سيكون الأجر في حالة الإحسان إلى الإنسان الذي كرمه الله تعالى وفضله على الحيوان؟ ففي سياق الحديثين، فالمادة المبحوث عنها، وهي الماء، لم تكن بالوفرة المرجوة في مناخ صحراوي؛ ويستفاد من الحديثين الحث على تمكين جميع الناس منها. فإن كان للكلب المنهي عن اتخاذه من غير كلب الماشية أو الصيد أو الحرث نصيب من الماء، فكيف يسوغ حرمان ولو إنسان واحد من هذه المادة الحيوية. وفي سياقنا الحالي يتضح أن إبعاد خطر الكلاب الضالة يحقق الرحمة الكبرى للناس، ولا يجب أن ينتصب أمام إزالة هذا الخطر أي اعتبار آخر؛ وذلك إعمالا لقواعد دينية منها: «لا ضرر ولا ضرار» و«درء المفسدة مقدم على جلب المنفعة». وهل لازال الشك عند البعض في المفاسد الناتجة عن الكلاب الضالة والتي أخطرها تسبيب الموت للإنسان، مما يهدم ثاني الضروريات الخمس التي هي: الدين والنفس والعقل والعرض والمال، والتي حفظ كل منها ضروري لا يتطرق الشك إلى ضرورته.
ومما لا ريب فيه أن التصدي للمفاسد الناتجة عن الحيوانات الضالة من قبيل التسبب في موت الإنسان والأمراض وحوادث السير أولى من البحث عن أجر يمكن للمؤمن أن يحقق أعظم منه في إحسانه للناس بكف أذاها عنهم، وأولى بالأحرى من سعي المرء إلى تحصيل متعة اصطحاب الكلب أو القط بالفضاء العام تحت ذريعة الرفق بالحيوان.
ومن أمثلة حوادث السير التي تسببت فيها الحيوانات الضالة: حادثة قتل راكب دراجة بعد أن حاول سائق السيارة اجتناب كلب ضال («سائق تفادى كلبا فقتل راكب دراجة»، الموقع الإلكتروني لجريدة الصباح،17 يوليوز 2023)، وتسبب كلب ضال على الطريق السيار في إلحاق الضرر بسيارة لم يتردد مالكها في رفع دعوى قضائية على شركة الطرق السيارة، ووفاة شرطي نتيجة سقوطه من على دراجته التي عرقلها كلب ضال (محمد المرابطي، «مصرع شرطي بسبب كلاب ضالة»، جريدة الصباح، عدد 7890، 11 دجنبر 2025، ص 10). ومما ذكره قاتل راكب الدراجة في الحادثة الأولى أنه لم يرتكب أي حادثة سير منذ أكثر من 30 سنة، وأن «المتسبب الرئيسي في هذه الحادثة التي قادته إلى باب محكمة الاستئناف الذي يلجه أول مرة هو “ذاك الكلب الضال”»!.
وينتج عن إيواء القطط والكلاب الضالة في الفضاء العام كذلك إيذاء الجيران. وقد اقترن الإحسان إلى الجار بعبادة الله تعالى وعدم الشرك به كما ورد في الآية 36 من سورة النساء «واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا وبذي القربى واليتامى والمساكين والجار ذي القربى والجار الجنب». كما وردت أحاديث نبوية منها: (مازال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه)، و(«والله لا يؤمن والله لا يؤمن، والله لا يؤمن» قيل من يا رسول الله؟ قال: «الذي لا يؤمن جاره بوائقه»)، و(من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذ جاره)، و(أول خصمين يوم القيامة: جاران).
والغريب أن بعض الناس يتعللون بالنصوص الواردة في الرفق بالحيوان لتبرير صنيعهم في إيواء الحيوانات الضالة بالفضاء العام، ولا يكترثون بالنصوص الواردة في الإحسان إلى الجار وكف الأذى عنه؛ مما يكشف أن المبتغى هو فرض هذا الإيواء لتحقيق متعة مصاحبة الحيوان بشكل يبرؤهم من المسؤولية القانونية التي تترتب عن صنيعهم ذاك. وهل يتوافق هذا الصنيع مع تعاليم الإسلام الآمرة بالإحسان إلى الجار وكف الأذى عنه؟
ثم إن مشروع القانون رقم 19.25 لا يقول بترك الحيوان الضال يموت عطشا أو جوعا في الفضاء العام، بل كلف مراكز خاصة برعايتها.
وهكذا، وبفضل مشروع القانون، سيصبح إطعام وعلاج الحيوانات الضالة عملا مؤسسيا يمكن دعمه من قبل الناس. أما إعداد أمكنة خاصة بها بالفضاء العام فنتيجته ترويع وإزعاج الجيران والمارة والمساهمة في المساس بالصحة العامة وتلويث المكان، مما يكون مآله حمل وزر قد لا يكفي في التخفيف منه الأجر المنتظر من إطعامها وإيوائها بالفضاء العام، والله أعلم.
2- على صعيد البند الثامن من المادة 13
حددت المادة 13 صلاحيات مراكز رعاية الحيوانات الضالة المحدثة من لدن الجماعات.
وينص البند الثامن على «اتخاذ كل تدبير يهدف إلى الحد من معاناة الحيوانات الضالة وتلك التي يأويها المركز إذا كان لا يرجى شفاؤها من مرض أو عجز، أو إذا شكل وجودها خطرا على صحة المواطنين أو سلامتهم أو على صحة حيوان آخر، بما في ذلك اللجوء، عند الاقتضاء، إلى القتل الرحيم».
بالإشارة إلى مقتضى القتل الرحيم، يبدو أن مشروع القانون تجاوز خطأ الاتفاقية – الإطار التي لم تشر إليه بالرغم من أنه معمول به في دول أخرى كفرنسا.
وتبقى مسألة القتل الرحيم في حاجة إلى توضيح نظرا لما يطرحه أسلوب الرمي بالرصاص من نقاش.
إن المنظمة العالمية للصحة الحيوانية تحدد أصناف القتل الرحيم الممارس على الكلاب في العوامل الكيميائية للحقن «Agents chimiques à injecter»، والتقنيات الميكانيكية «Techniques mécaniques»، والتقنيات الغازية «Techniques gazeuzes»، والتقنية الكهربائية «Technique électrique». كما أنها ترصد الأساليب التي ينطوي عليها كل صنف، وتوضح إيجابيات وسلبيات كل أسلوب. ومن هذه الأساليب الرمي بالرصاص «Tir à balle» الذي يندرج في إطار التقنيات الميكانيكية، والذي له إيجابياته وسلبياته على غرار الأساليب الأخرى المعتمدة في القتل الرحيم.
إن اعتماد الرمي بالرصاص مقبول من طرف المنظمة العالمية للصحة الحيوانية متى تم الاحتراز في تنفيذه واتخاذ الاحتياطات اللازمة من قبيل عدم إصابة أناس آخرين. ومع القضية المرفوعة ضد جماعة الناظور لم نجد في نص الحكم عدد 1400 المشار إليه سابقا الإشارة إلى إصابة أي كان. وهذا يدل على احترافية القائمين على الرمي بالرصاص. كما زعم في حالة أخرى أن الرمي بالرصاص يتم في جنح الليل، وإن صج هذا الزعم، فإن اختيار توقيت الرمي بالرصاص بالليل هو عين العقل لأن الشوارع تكون غالبا خالية من المارة، ولأن الأطفال هم في أحضان أمهاتهم. ومن ثم، يتم العمل وفق توصية المنظمة العالمية للصحة الحيوانية المنبهة للاحتياط من عدم إصابة المارة من جهة، ويسقط ادعاء مؤسسة بريجيت باردو في رسالتها إلى رئيس الفيفا المطالبة بإبعاد المغرب من تنظيم كأس العالم حول التسبب في معاناة الأطفال من جراء الألم الواقع على الحيوان.
وخلاصة القول بصدد القتل الرحيم أن يبقى بيد الجهات المختصة إمكانية الاختيار بين مختلف الوسائل الواردة في تقارير المنظمة العالمية للصحة الحيوانية، بما فيها الرمي بالرصاص متى كان أقل كلفة ومتى مورس بالاحترافية المطلوبة.
وباستحضار ما سلف وبنود أخرى من مشروع القانون رقم 19.25 يمكن القول بإجمال أنه يتضمن مقتضيات إيجابية. وهكذا، فهو يجمع بين بيان الواجبات الملقاة على الجماعات من إحداث لمراكز رعاية الحيوانات الضالة للقيام بالصلاحيات الجسيمة المنصوص عليها في المادة 13، ودعوة أشخاص القانون الخاص إلى إحداث مراكز أخرى لرعاية الحيوانات الضالة، وتثبيت دور السلطة الإدارية المحلية في مجال المحافظة على النظام والأمن العمومي من خلال المادة 51. ومقابل هذه الواجبات المؤسسية، حرص على الحيلولة دون جعل الفضاء العام مرتعا لفوضى الرفق بالحيوان من خلال منع إيواء وإطعام وعلاج الحيوانات الضالة بالفضاءات العامة من جهة، وإلزام مالكي الحيوانات بواجبات من بينها عدم ترك حيواناتهم بالفضاء العام.
لكن، هل المقتضيات الواردة بمشروع القانون حسمت بشكل قاطع في إعادة الاعتبار للقانون؟ لا نظن ذلك. والتوضيح في المحور الموالي
ثالثا – حدود المحاولة
إن مشروع القانون رقم 19.25 لم يعد الاعتبار للقانون بشكل كامل، في استحضار مبطن ل«انتقادات مجموعة من المنظمات الوطنية والدولية المهتمة بحماية الحيوانات» التي تم التعبير عنها صراحة سنة 2019. ويبدو ذلك جليا على الأقل من خلال العناصر الآتية:
1 – الاصطدام بالمادة 100 من القانون التنظيمي للجماعات
مما تنص عليه المادة 100 من القانون التنظيمي للجماعات فيما يتعلق بصلاحيات رؤساء الجماعات في مجال الشرطة الإدارية: «اتخاذ التدابير الضرورية لتفادي شرود البهائم المؤذية والمضرة، والقيام بمراقبة الحيوانات الأليفة، وجمع الكلاب الضالة ومكافحة دا السعار، وكل مرض آخر يهدد الحيوانات الأليفة طبقا للقوانين والأنظمة الجاري بها العمل».
وقد مر معنا أن مؤدى جمع الكلاب الضالة هو إخلاء الفضاءات العامة منها، وأن الاتفاقية الإطار اصطدمت بهذا المقتضى، وأن المحكمة الإدارية بوجدة ذهبت في اتجاه أن مآل هذا الجمع هو جمعها في أماكن خاصة بها وليس إعادتها إلى «مكانها الأصلي» كما فعلت الاتفاقية الإطار.
ووجه الاصطدام أن الاتفاقية الإطار لم تعمل على احترام تراتبية القوانين: فلا هي امتثلت للقرار الوزاري المشار إليه أعلاه المانح للجماعات إمكانية قتل الكلاب الضالة داخل المدار الحضري، ولا هي سايرت القانون التنظيمي للجماعات الذي هو في مرتبة أدنى من الدستور وأعلى من القوانين العادية والمراسيم والقرارات الوزارية، وبالأحرى الاتفاقيات المبرمة بين الجهات الإدارية كالاتفاقية – الإطار.
ويبدو أن البند التاسع من المادة 13 الناص على «إرجاع الحيوانات الضالة، عند الاقتضاء، إلى الوسط الذي كانت تعيش فيه أو إلى أي وسط آخر ملائم لها» لا يختلف كثيرا عما شرعت له الاتفاقية – الإطار من إعادة الحيوانات الضالة إلى «مكانها الأصلي». ومن ثم، فمن المحتمل أن يعيد إنتاج نفس النتائج التي تمخضت عن الاتفاقية – الإطار.
وإن كان معدو الاتفاقية الإطار قد أعجبوا بالتجربة التركية، فإن فشل هذه التجربة يدعو إلى استخلاص العبرة من الدرس التركي، وتجاوز ما يهدد النظام العام من أمن وطمأنينة وصحة عامة، واستحضار تحذير المنظمة العالمية للصحة الحيوانية من سلبيات أسلوب « TNR ». فتركيا طبقت هذا الأسلوب، تحت يافطة الرفق بالحيوان ولتعزيز حظوظها من أجل قبول عضويتها بالاتحاد الأوروبي، لكنها أعادت النظر فيه بعد مرور حوالي 20 سنة على تطبيقه، ولم تجد بدا في السنة الماضية من إضافة أسلوب القتل الرحيم وتحديد أجل قصير لتنفيذه في حالة عدم تبني الكلب الضال. وتداول موقع قناة الجزيرة – تركيا مؤخرا عنوانا بالبنط العريض ورد فيه «ولاية إسطنبول تصدر تعليمات عاجلة لجمع الكلاب الضالة».
وإذن، فالاستفادة من التجربة التركية مفيدة في الحذر من السير في نفس الطريق، ثم العودة بعد مدة من الزمن قد تقصر أو قد تطول إلى القول بعدم جدوى أسلوب « TNR ».
نعم، قد يكون الرد بأن البند التاسع من المادة 13 يعمل ضمنيا على تطبيق توصية المنظمة العالمية للصحة الحيوانية الداعية إلى ارتباط تطبيق أسلوب «TNR» بقبول الساكنة المحلية ب«استضافة» الكلاب والقطط الضالة بالقرب منها بعد تعقيمها وتطعيمها. وذلك بالنظر إلى ربط إرجاعها بحالة الاقتضاء الذي قد يكون من بين محدداته قبول الساكنة المحلية الموصى به دوليا. كما أن إدراج بديل آخر يتمثل في إرجاعها «إلى أي وسط آخر ملائم لها» يجعل إرجاعها إلى «مكانها الأصلي» غير ذي طابع إلزامي، ويؤدي بالتالي إلى تجنيب الساكنة خطر الحيوانات الضالة.
إن كان الأمر كذلك، فهو حل وسط يطرح إشكالا خطيرا تصعب معالجته.
فمشروع القانون رقم 19.25، في أخذه بمقتضى «إرجاع الحيوانات الضالة، عند الاقتضاء، إلى الوسط الذي كانت تعيش فيه أو إلى أي وسط آخر ملائم لها» بما يؤول إليه من الالتفاف على مقتضى «جمع الكلاب الضالة» المنصوص عليه في القانون التنظيمي للجماعات ، يعيد إنتاج نفس الإشكال الذي وقعت فيه الاتفاقية – الإطار. ذلك أن مخالفة قانون عادي لقانون تنظيمي أعلى منه تخرق الفقرة الثالثة من الفصل السادس من الدستور التي ورد فيها: «تعتبر دستورية القواعد القانونية، وتراتبيتها، ووجوب نشرها، مبادئ ملزمة».
فهل الحل هو تعديل مقتضى «جمع الكلاب الضالة» الوارد في المادة 100 من القانون التنظيمي للجماعات وملاءمته مع مقتضى «إرجاع الحيوانات الضالة، عند الاقتضاء، إلى الوسط الذي كانت تعيش فيه أو إلى أي وسط آخر ملائم لها»؟ لا نظن أن المحكمة الدستورية تساير هذا الاتجاه لأن مقتضى «جمع الكلاب الضالة» يصب في مجرى اختصاصات الشرطة الإدارية التي هدفها العمل على استتباب النظام العام والتي لها طابع وقائي أكثر مما لها من طابع زجري؛ ولأن وجود الكلاب الضالة يبقى خطرا قائما يهدد ما اعتبره الفصل 20 من الدستور «أول الحقوق لكل إنسان» الذي هو «الحق في الحياة»، ويخرق ما ألزم به هذا الفصل القانون (ومنه القانون رقم 19.25 بعد اعتماده) من العمل على حماية هذا الحق، ويهدم ما أقر به الفصل 21 من الدستور من حق الفرد «في سلامة شخصه وأقربائه» وما ألزم به هذا الفصل السلطات العمومية من ضمان «سلامة السكان». وهكذا فمن الصعوبة بمكان العمل على تعديل القانون التنظيمي وتطويعه ليساير ما جاء به مشروع القانون.
وفي حالة التمسك بالمقتضى الوارد بالبند التاسع من المادة 13، فالحل هو عرضه على أنظار المحكمة الدستورية، خاصة وأن على رأسها من أغنى الخزانة القانونية المغربية بأطروحة حول «La police administrative dans le système juridique marocain».
ونظرا لعدم إمكانية العرض التلقائي لمشروع القانون رقم 19.25 على المحكمة الدستورية، فإن اعتبار أن أي فرد معرض لخطر الحيوانات الضالة يجعل من الضروري طلب قرار هذه المحكمة حوله، خاصة بالنسبة للبند المذكور.
وفي حالة الموافقة على هذا البند من دون الإحالة على المحكمة الدستورية، فالنتيجة هي مأسسة فوضى الرفق بالحيوان بالفضاء العام في مخالفة للفصلين 20 و21 من الدستور، وفي تنكب عن تحقيق الأمن والطمأنينة والصحة العامة للناس.
2 – اضطراب فلسفة العقاب
تكتفي جل العقوبات المنصوص عليها في مشروع القانون رقم 19.25 بالغرامة، لكن هناك أربع عقوبات تقرن بين الحبس والغرامة أو تترك الخيار لتطبيق إحدى العقوبتين. وتتعلق هذه العقوبات بالاعتداء على الحيوان الضال (المادة 36)، وعرقلة عمل لجنة مراقبة مراكز رعاية الحيوانات الضالة المحدثة من لدن أشخاص القانون الخاص (المادة 37)، وعرقلة عمل مراكز رعاية الحيوانات الضالة (المادة 37)، وتسبب مالك أو حارس الحيوان في تعريض الحيوان للخطر (المادة 38). ويمكن ترتيب هذه العقوبات الأربع حسب مقدار العقوبة تنازليا من اليمين إلى اليسار كما يلي:

يتضح أن العقوبة القصوى تتعلق بقتل الحيوان الضال أو تعذيبه أو إيذائه. وقبل إبداء الملاحظات التي توضح قصور مشروع القانون ننبه إلى أن تركيزنا على المادة 36 لا يعني مباركة الاعتداء المجاني على الحيوانات الضالة، وإنما لأنها تمنع الناس من دفع أذاها بشكل لا يمكن قبوله، ولأن الهدف الثاني المسطر في مشروع القانون المتعلق بالوقاية من أخطار الحيوانات الضالة لن يتحقق من دون تمكين الناس من دفع أذاها.
والملاحظات التي سجلناها كفيلة بتعضيد وجهة نظرنا:
● فأول ما يثير الانتباه هو ما يمكن أن يفهم منه أن المادة 36 تسعى إلى تحقيق ما استهدفه مشروع القانون من «حماية الحيوانات الضالة». لكن في المقابل لا يحظى الشق الآخر من مشروع القانون الخاص ب«الوقاية من أخطارها» بما يتضمن عقوبات متوازنة مع العقوبة المقررة في المادة 36، مع العلم أن المتسببين في انتشار الحيوانات الضالة بالفضاءات العامة هم أولى بتشديد العقوبة من المضطر إلى دفع أذاها.
فمن جهة، تنتظر مالك أو حارس حيوان واحد المتسبب عمدا في شروده، أو التارك له في الفضاءات العامة دون سيطرة ورقابة الغرامة من 5000 إلى 20000 درهم. ومن جهة ثانية، يحظى المؤوي أو المطعم أو المعالج للحيوان الضال (وقد يكون العدد أكثر من حيوان)، والذي ضرره أكثر من مالك الحيوان المتسبب في شرود حيوانه، بالتساهل معه ومنحه غرامة مخففة تتراوح بين 1500 و3000 درهم. ومن جهة أخيرة، يجد المضطر إلى دفع أذى الحيوانات الضالة، التي تسبب في احتكاكه بها شرود الحيوان المملوك من طرف مالكه المحكوم عليه بالغرامة فقط وإيواء الحيوانات الضالة بالفضاء العام من طرف مؤويها المحكوم عليه بغرامة أخف، أمامه الحبس من شهرين إلى 6 أشهر وغرامة من 5000 إلى 20000 درهم أو إحدى هاتين العقوبتين. والنتيجة هي عدم تحقيق المساواة بين المتسبب في انتشار الحيوانات الضالة بالفضاءات العامة الذي يحظى بمعاملة تفضيلية وبين المضطر لدفع أذاها الذي يجد نفسه في مواجهة عقوبة قاسية لمجرد دفعه للأذى. وهل يمكن الشك في أن قسمة العقوبات بهذا الشكل هي قسمة ظالمة؟
ولا يمكن تصور دفع الإنسان لأذى الحيوان الضال بالتودد إليه والتقرب إليه وطلب ابتعاده عنه، بل إن إيذاء الحيوان يفرض نفسه وقد يفضي إلى قتل الحيوان. فعلى سبيل المثال، فالمتفاجئ بهجوم كلب ضال عليه سيصده بكل ما أوتي من قوة، وقد يرديه قتيلا. فما العمل إذا لم يجد شاهدا يشهد لصالحه؟ وما العمل إذا فضل متربص به الاكتفاء بتصوير اللقطة التي يظنها مناسبة لإدانته وليس كل شريط الأحداث؟ وقس على ذلك حالات أخرى من قبيل إبعاد المتضرر للحيوانات الضالة المتواجدة بجوار مسكنه… ويقترب من مثل هذه الحالات التشبيه الذي قدمه أبراهام لنكولن عندما كان محاميا، والمتمثل في أن سبب عدم استعمال رجل قتل كلبا للجزء غير الحاد من المدراة هو عدم هجوم الكلب عليه من اتجاه هذا الجزء.
وإذن، فالإنصاف يقتضي تشديد العقوبة على المتسبب عمدا في شرود حيوانه وبشكل أقوى على المؤوي أو المطعم أو المعالج للحيوانات الضالة، وليس على المضطر إلى دفع أذى الحيوانات الضالة.
● والأمر الثاني هو أن صياغة المادة 36 ليست دقيقة بالشكل الكافي: فالقانون الجنائي خص الفعل المتسبب في قتل الإنسان بمصطلح «القتل العمد»، والفعل المتسبب في قتل الحيوان المملوك بعبارة «القتل من غير ضرورة». ولتحقيق الانسجام بين القانون الجنائي المستعمل لوصف خاص بقتل الحيوان المملوك وقانون حماية الحيوانات الضالة والوقاية من مخاطرها يستحسن استعمال نفس العبارة المستعملة لوصف قتل الحيوان المملوك، وهي عبارة «القتل من غير ضرورة».
كما أن وضع المادة 36 لأفعال القتل العمد والتعذيب والإيذاء في خانة واحدة تطبق عليها نفس العقوبة، مع أن الأمر يقتضي الاكتفاء بالفعل الأخف الذي هو الإيذاء مادام أن القتل والتعذيب هما مستويان أعلى من الإيذاء. لكن تجويد الصياغة بالاكتفاء بالإيذاء لا يعني أن المشكل محلول على صعيد الواقع، لأن اضطرار الإنسان إلى دفع أذى الحيوان الضال لابد أن يصاحبه الإيذاء كما تم بسطه سابقا.
● والأمر الثالث هو التناقض مع القانون الجنائي: فهذا الأخير يقرن تجريم قتل أو بتر الحيوان المملوك بغياب ضرورة القتل أو البتر، مع العلم أن الحيوان المملوك يفترض فيه أنه يخضع للعلاج وأنه مروض مما يمكن معه أن يكون خطره متحكما فيه؛ في حين أن الحيوان الضال المتروك على غريزته والحامل لمختلف الأمراض والمشكل لخطر يفوق خطر الحيوان المملوك محصن من عدم إمكان قتله أو بتره في حالة اقتضاء الضرورة قتله أو بتره.
وهكذا، فللإنسان الحق بمقتضى القانون الجنائي في أن يصد هجوم كلب مملوك عليه إذا داهمه في غير محل مالكه ولو أدى الصد إلى قتل أو بتر الكلب، ولكن عليه الترحيب بهجوم كلب ضال عليه وتركه يفعل ما يشاء لكي ينجو من العقاب مادام أنه غير منصوص على ربط القتل أو الإيداء بانعدام الضرورة.
أضف إلى ذلك حالة التدخل لمنع الكلاب من نهش شيخ أو طفل: هل سيتدخل الإنسان لتقديم مساعدة لشخص في خطر انسجاما مع الفصل 431، أم سيحجم عن ذلك خوفا من الوقوع تحت طائلة المادة 36 التي لم تأت على ذكر حالة الضرورة؟
وهل يمكن الاستنجاد بمبدأ الضرورة المقرر في القانون الجنائي المنظور إليه كنص عام، أم سيتم استبعاده نظرا لأن النص الخاص (وهو القانون 19.25) لم يشر إلى حالة الضرورة؟
● والأمر الرابع هو عدم التدرج ومن باب المقارنة مع التشريعات الأجنبية، نجد أن الإمارات العربية المتحدة سنت قانون الرفق بالحيوان سنة 2007 الذي لم يتضمن في باب الاعتداء على الحيوان إلا عقوبة واحدة هي التعدي الجنسي عليه، ولم يتم تجريم التسبب في «الإضرار أو إلحاق الأذى أو الألم أو مضايقة الحيوانات» إلا سنة 2016، أي بعد مرور حوالي عشر سنوات على الاختبار الواقعي للقانون
وفي التشريع الفرنسي الذي يعتبر نموذجا عند بعض دعاة الرفق بالحيوان نجد التدرج كذلك: فأول قانون يجرم سوء معاملة الحيوانات الأليفة، والصادر في ثاني يوليوز 1850 ، اكتفى بالتغريم من 5 إلى 15 فرنك والاعتقال لمدة لا تتجاوز خمسة أيام. وبعد أزيد من قرن، ومع قانون 19 نونبر 1963، أصبحت العقوبة هي الحبس من شهرين إلى ستة شهور وغرامة من 2000 إلى 6000 فرنك أو إحدى هاتين العقوبتين. وبالرغم من التطورات اللاحقة التي أوصلت العقوبة إلى ثلاث سنوات وغرامة 45000 أورو، فيلاحظ أن القضاء الفرنسي يميل غالبا، كما تؤكد إحصائيات فرنسية رسمية، إلى تفضيل الحكم بالغرامة على الحكم بالحبس. ولعل قضية الديك مارسيل المشار إليها سابقا أوضح دليل على هذا التفضيل القضائي.
وإذن، ومع هذه الملاحظات يحق التساؤل عن مدى استحضار ضغط جمعيات الرفق بالحيوان واستبعاد معاناة الناس مع الحيوانات الضالة في وضع المادة 36 بالشكل الذي صيغت به. ويمكن القول إن هذه المادة بشكلها الحالي، وبقسوة العقوبة المضمنة بها مقارنة مع عقوبة المتسببين في انتشار الحيوانات الضالة الذين لا يحكم عليهم بغير الغرامة، تنسف أكثر من غيرها من المواد محاولة مشروع القانون إعادة الاعتبار للقانون.
هذا من جهة. ومن جهة أخرى فالمادتان 5 و44 معرضتان للتعطيل في حالة إبقاء البند التاسع من المادة 13. ذلك أن إرجاع الحيوانات الضالة إلى «مكانها الأصلي» يطرح مسألة إيوائها وإطعامها وعلاجها بالفضاء العام، والتي ستكون بوابة ينفذ منها البعض لتحقيق رغبته في مرافقة الحيوان من دون تحمل التبعات الجنائية والمدنية الناتجة عن ملكية أو حراسة الحيوان، وفي إطار يضر بالناس الذين لهم الحق في تحقيق النظام العام لهم. والنتيجة هي حمل القانون لمقتضيات متناقضة فيما بينها. وهكذا فالبند المذكور يمس بتراتبية القوانين كما سبقت الإشارة إلى ذلك من قبل، ويساهم في عدم تجانس مقتضيات القانون بعضها مع البعض.
3 – تحجيم دور السلطة الإدارية المحلية
تنص المادة 51 على أنه «يمكن للسلطات الإدارية المحلية، في حالات استثنائية، التدخل لوضع حد لخطر الحيوانات الضالة إذا شكل تهديدا على النظام والأمن العمومي. وفي هذه الحالة، تقوم السلطات المذكورة بإشعار مصالح الجماعة المعنية، على الفور، بكل تدبير تم اتخاذه في هذا الشأن».
إن هذه المادة هي تطبيق لما ينص عليه القانون التنظيمي للجماعات في المادة 110 من صلاحية عامل العمالة أو الإقليم أو من ينوب عنه في «المحافظة على النظام والأمن العمومي بتراب الجماعة». وبالتالي فمن واجب السلطة الإدارية المحلية التدخل في حالة تشكيل الحيوانات الضالة لتهديد يمس النظام والأمن العمومي.
لكن بالنظر إلى أن الإنسان معرض لخطر الحيوانات الضالة في كل حين، وعدم استساغة الانتظار إلى حين تحول هذا الخطر إلى تهديد النظام والأمن العمومي، وتحسبا لقصور الجماعات عن الاضطلاع بمسؤولياتها في موضوع الحيوانات الضالة، واعتبارا لتوارد شكايات الساكنة على رجال السلطة؛ فمن المفيد مد دور السلطة الإدارية إلى ما هو أكثر من تدخلها بمناسبة تهديد النظام والأمن العمومي.
خـــــلاصـــــات
بعد أن حاولنا مقاربة مدى رد مشروع القانون رقم 19.25 الاعتبار للقانون، نختم بهذه الخلاصات:
● إن إضرار مؤسسة أجنبية بمصلحة المغرب من خلال مراسلتها لرئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم من أجل حرمان المغرب من تنظيم كأس العالم مناسبة لإعادة النظر في التعامل مع الهيئات التي لا تشكل إطارا دولتيا يضم المغرب. فأن تعمل مؤسسة أجنبية على إعطاء الدروس للمغرب لأن قانونها الأساسي يمنح لها التدخل في «كل العالم»، فهو أمر غير مقبول. فهذا القانون الأساسي يفترض فيه ألا يراوح سريانه غير تراب الدولة التي تشتغل فيها، وليس الامتداد إلى الدول الأخرى. كما أن هذا القانون الأساسي، بسماحه بالتدخل في «كل العالم»، يمس بسيادة الدول الأخرى. وقد يكون حديث وزير الداخلية عن الهجوم الذي تعرض له المغرب في هذا السياق والإعلان عن مخاطب وحيد متمثل في المنظمة العالمية للصحة الحيوانية التي ينخرط فيها المغرب مقدمة لتغيير طريقة التعامل مع الهيئات الأجنبية التي لا ينخرط فيها.
● بالنظر إلى ما تم طرحه من انزياح عن القانون في دعوى الرفق بالحيوان، فالأمر يتطلب إعادة النظر في طريقة اشتغال بعض جمعيات الرفق بالحيوان. فالقانون الأساسي للجمعية، أيا كان موضوع اشتغالها، يفترض فيه عدم تجاوز ومعارضة القوانين المؤطرة لموضوع نشاطها. كما أن تقمص بعض الجمعيات لأدوار الهيئات الرسمية هو أمر مرفوض. ويضاف إلى ذلك ضرورة إخضاع جمعيات الرفق بالحيوان للترسانة القانونية المنظمة لتتبع عمل الجمعيات. وفي مقدمة ذلك الحيلولة دون منحها أفضلية على باقي الجمعيات من حيث إمكانية عقد اتفاقيات معها من دون المرور عبر بوابة المادة 149 من القانون التنظيمي للجماعات المشترطة توفر الجمعية على صفة المنفعة العامة لعقد الجماعات اتفاقيات التعاون والشراكة. ومن هنا فالحاجة ماسة إلى إعادة النظر في المادة 16 من مشروع القانون. والمطالبة بالتقيد بالقانون في معاملة جمعيات الرفق بالحيوان يجد مبرره في الأذى الذي يلحق الناس من جراء انحراف بعضها عن القانون، ومن جراء تهديد بعضها لحرياتهم ب«جرائم» لا تكتمل أركانها في القانون الجنائي كما هو الحال في المناداة بتطبيق الفصل 602. بل، إن ما آلت إليه المنافسة بين بعض دعاة الرفق بالحيوان إلى درجة المطالبة بحل جمعيات ورفع دعاوى قضائية ضد بعضهم البعض، وانتقال بعض الجمعيات إلى تهديد وسائل الإعلام الناشرة ل«تداعيات الكلاب الضالة على صحة المغاربة» يؤكدان أهمية حماية الناس من أي تطرف في دعوى الرفق بالحيوان. ويعلم الله ما قد يؤول إليه هذا التطرف في حالة عدم تحرك المسؤولين، كل من موقعه.
● إن مشروع القانون رقم 19.25، وإن سار في اتجاه إعادة الاعتبار للقانون، إلا أنه تنكب عن هذا الهدف في بعض النقط؛ مما يقتضي مراجعتها. وأول مراجعة هي إعادة النظر في مقتضى «إرجاع الحيوانات الضالة، عند الاقتضاء، إلى الوسط الذي كانت تعيش فيه أو إلى أي وسط آخر ملائم لها» نظرا لما سبق بسطه من الإشكالات القانونية والمشاكل الخطيرة التي يطرحها هذا الإرجاع.
وتهم المراجعة الثانية إعادة النظر في فلسفة العقاب من خلال تحصين المضطر لدفع أذى الحيوانات الضالة من المساءلة القضائية، وتشديد العقوبة على المساهم في تواجدها بالفضاءات العامة، وتدقيق صياغة الفصول المتعلقة بالعقاب.
وتستدعي المراجعة الثالثة توسيع دور السلطة الإدارية المحلية من أجل تجاوز ثغرات تدبير الجماعات لملف الحيوانات الضالة.

هبة بريس المصدر: هبة بريس
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا