خلف اختيار المغرب كأول دولة إفريقية للانضمام إلى مجلس السلام الذي يترأسه دونالد ترامب جملة من التساؤلات حول التصورات الأمريكية بشأن الشركاء القادرين على الاضطلاع بأدوار تتعلق بالاستقرار والوساطة، وهندسة ما بعد النزاع.
ويرى مختصون في القانون الدولي أن اختيار المملكة ضمن مجلس السلام لا يمكن فصله عن إعادة ترتيب الأولويات داخل السياسة الخارجية الأمريكية، ولا عن التحولات التي تعرفها مكانة الفاعلين الإقليميين والدوليين في منظومة السلم والأمن الدوليين.
وبالنسبة للباحث في العلاقات الدولية حكيم التوزاني فإن اختيار المغرب كأول دولة إفريقية في التصور الأمريكي للسلم والاستقرار يعكس اختيارا واعيا للدول القادرة على الاضطلاع بأدوار تتعلق بالوساطة والاستقرار في سياقات نزاع معقدة.
أستاذ القانون الدولي العام والعلوم السياسية بجامعة ابن زهر بأكادير، في مقال تحليلي توصلت به هسبريس، لفت الانتباه إلى أن اختيار المغرب كأول دولة إفريقية “يعكس في العمق تصورا إستراتيجيا أمريكيا متراكما لدور المملكة داخل منظومة الاستقرار الإقليمي؛ فواشنطن لا تتعامل مع الرباط باعتبارها فاعلا ظرفيا، بل كشريك طويل الأمد راكم مصداقية سياسية ومؤسساتية عبر عقود”.
التوزاني أبرز أيضا أن اختيار المغرب في مجلس الرئيس دونالد ترامب “ينسجم أيضا مع تحول عميق في المقاربة الأمريكية للنزاعات الدولية؛ فالولايات المتحدة، خاصة بعد التجارب المكلفة في العراق وأفغانستان، ثم تعقيدات المشهد في غزة، لم تعد تنظر إلى النزاع من الزاوية العسكرية فقط، بل من منظور أشمل يضع مرحلة ما بعد النزاع في صلب التفكير الإستراتيجي، بما تتطلبه من استقرار، وإعادة بناء، واستعادة للشرعية، وحكامة قابلة للاستمرار”.
وسجل المصدر نفسه أن “هذا الأمر يبرز قيمة المغرب كفاعل مختلف عن الأنماط التقليدية للتدخل؛ فهو لم ينخرط تاريخيا في حروب مباشرة في الشرق الأوسط، وهو ما جنبه إرثا من العداء أو الاصطفاف الحاد، وسمح له بالحفاظ على صورة طرف غير صدامي”.
ومن دلالات هذا الاختيار، يضيف أستاذ التعليم العالي، أن “الولايات المتحدة الأمريكية تستحضر البعد الإفريقي العربي، وهو ما يضفي على هذا الرهان بعدا جيوسياسيا إضافيا لا يقل أهمية؛ فاختيار المغرب كأول دولة إفريقية لا ينفصل عن موقعه الخاص كدولة إفريقية من حيث الجغرافيا والانتماء المؤسساتي، وعربية من حيث الامتداد السياسي والثقافي، وهو ما يمنحه قدرة نادرة على التحرك بين فضاءات عادة ما تتقاطع فيها المصالح دون أن تلتقي فيها الأدوات”.
وتحدثت المقالة الأكاديمية عن المكاسب الدبلوماسية المحتملة لانخراط المغرب في أطر السلام الدولية الجديدة، إذ أشارت إلى أن ذلك سيمكن من تعميق موقع المملكة داخل المنظومة الأمريكية خارج القوالب الثنائية التقليدية، موردة أن الانخراط في إطار تقوده الولايات المتحدة حتى وإن ظل غير مكتمل البنية أو غير مؤطر قانونيا بعد “لا ينبغي قراءته كامتداد آلي للعلاقات الثنائية الكلاسيكية، بل كتحول نوعي في طبيعة التفاعل مع واشنطن، من منطق التنسيق والدعم إلى منطق الشراكة في التفكير وصياغة المقاربات”.
أما المكسب الثاني الذي يراه الدكتور التوزاني فيتجلى في تحول الوساطة المغربية من رصيد معنوي تراكمي إلى وظيفة دبلوماسية عملية ذات أثر مباشر، مؤكدا أن “المغرب راكم، عبر عقود، صورة الدولة المعتدلة القادرة على تقريب وجهات النظر والحفاظ على قنوات التواصل المفتوحة؛ غير أن هذا الرصيد ظل في كثير من الأحيان محصورا في موقع الداعم أو المسهّل، لا في موقع الفاعل المؤثر في هندسة المراحل اللاحقة للنزاعات، خاصة تلك المرتبطة بما بعد وقف إطلاق النار”.
وتابع المحلل ذاته بأن “الانخراط في إطار دولي جديد معني بمرحلة ما بعد الصراع يفتح، لأول مرة بهذا الوضوح، إمكانية الانتقال من الوساطة الرمزية إلى المشاركة الوظيفية في إنتاج الاستقرار”.
ومن المكاسب التي سيجنيها المغرب من هذا المجلس، يضيف الباحث نفسه، ما تعلق بملف وحدته الترابية، إذ إن هذا المستجد “يكتسي أهمية خاصة في ما يتعلق بقضاياه السيادية، وفي مقدمتها قضية الصحراء، حيث يصبح رصيده كفاعل مسؤول ومساهم في الاستقرار عاملا غير معلن لكنه مؤثر في تشكيل المواقف، وفي توجيه النقاشات داخل مراكز القرار والتأثير”.
المصدر:
هسبريس