آخر الأخبار

بعد 7 سنوات من الجفاف.. هل تنقذ سدود المغرب مياه الأمطار الأخيرة من الضياع؟

شارك

رغم التساقطات المطرية الغزيرة التي عرفها المغرب خلال الموسم الحالي، والتي أعادت الأمل للمواطنين بعد سبع سنوات متتالية من الجفاف، لا تزال وضعية السدود تطرح علامات استفهام كبرى حول مدى قدرة البلاد على تأمين أمنها المائي في المدى المتوسط والبعيد.

ففي الوقت الذي ارتفعت فيه نسب الملء بعدد من السدود، تشير المعطيات الرسمية إلى أن البنية التخزينية الوطنية ما تزال تعاني اختلالات بنيوية، أبرزها هيمنة السدود الصغيرة والمتوسطة، مقابل محدودية عدد السدود الكبرى القادرة على استيعاب كميات ضخمة من المياه.

وتكشف الأرقام أنه من أصل 148 سدا بالمملكة، يوجد 114 سدا تقل سعته عن 50 مليون متر مكعب، مقابل أربعة سدود فقط تتجاوز حقينتها مليار متر مكعب، وهي الوحدة، إدريس الأول، المسيرة، وبين الويدان، بطاقة إجمالية تناهز 8.8 مليارات متر مكعب، أي ما يفوق نصف السعة الوطنية المقدرة بـ17.2 مليار متر مكعب.

في هذا السياق، أجرت جريدة “العمق المغربي” حوارا مع الخبير في البيئة والتنمية أحمد الطلحي، للوقوف على خلفيات هذا الوضع، وانعكاساته على السياسة المائية، والبدائل الممكنة في ظل التغيرات المناخية وتزايد الطلب على الماء.

واعتبر الطلحي أن أزمة الماء بالمغرب لا ترتبط فقط بالتساقطات، بل أساسا بضعف القدرة التخزينية الوطنية، مبرزا أن أربعة سدود كبرى فقط تتحكم في أكثر من نصف مخزون المياه، في حين تبقى أغلب السدود محدودة السعة وغير قادرة على استيعاب سنوات الوفرة المطرية.

ودعا الخبير إلى مراجعة دورية عميقة للسياسة المائية، محذرا من استمرار تدبير الموارد بمنطق تقليدي لم يعد يواكب التحولات المناخية والضغط المتزايد على الماء، داعيا إلى إحياء مؤسسات الحكامة المائية، وعلى رأسها إخراج المجلس الأعلى للماء والمناخ، مع تعزيز التخطيط الاستراتيجي بعيد المدى.

وشدد الخبير البيئي على أن الرهان الحقيقي لا يكمن فقط في تحلية المياه أو إعادة استعمال المياه العادمة، باعتبارها حلولا مكلفة ومحدودة، بل في الاستثمار المكثف في توسيع السدود، ومحاربة توحلها، وربط الأحواض المائية، وترشيد الاستهلاك، خاصة في القطاع الفلاحي، حفاظا على الأمن المائي والغذائي للبلاد.

فيما يلي نص الحوار:

السؤال الأول: لماذا لا تزال نسبة ملء السدود ضعيفة رغم التساقطات المهمة؟

بعد سنوات من الجفاف، أنعم الله علينا بموسم مطير والحمد لله، لكن الملاحظ أن الحقينة الإجمالية للسدود لم تمتلئ بشكل كامل، إذ بلغت حوالي النصف بتاريخ 24 يناير 2026، رغم امتلاء عدد من السدود بنسبة 100%.

ويرجع ذلك أساسا إلى كون أغلب السدود المغربية صغيرة أو متوسطة، إذ إن معظمها لا تتجاوز سعته 50 مليون متر مكعب. فمن أصل 148 سدا، هناك فقط أربعة سدود تفوق سعتها مليار متر مكعب، وتستحوذ لوحدها على أكثر من نصف الطاقة التخزينية الوطنية، بحوالي 8.8 مليارات متر مكعب من أصل 17.2 مليار.

وعند المقارنة عربيا، يظهر الفرق الكبير، حيث تبلغ سعة السد العالي بمصر 169 مليار متر مكعب، وسد الفرات بسوريا 14 مليارا، وسد الموصل بالعراق 11 مليارا، وسد مروي بالسودان 8 مليارات.

أما إفريقيا، فنجد سد كاريبا بزامبيا وزيمبابوي بسعة 185 مليار متر مكعب، وسد النهضة بإثيوبيا بـ74 مليارا، ما يبرز محدودية السعة التخزينية المغربية مقارنة بدول أخرى.

السؤال الثاني: هل تحتاج السياسة المائية إلى مراجعة عميقة؟

بالتأكيد، يجب مراجعة السياسة المائية بشكل دوري، وليس فقط في الظرفية الحالية. نحن نعيش آثار التغيرات المناخية، والمغرب من أكثر الدول تضررا بحكم موقعه ضمن النطاق المناخي المعتدل.

كما أؤكد على ضرورة إحياء المجلس الأعلى للماء والمناخ، الذي كان يشكل إطارا مؤسساتيا للحكامة المائية، إذ لا تزال الحاجة قائمة إلى هيئة قوية تنسق السياسات والاستراتيجيات.

السؤال الثالث: ما أبرز الاختلالات المسجلة؟

يمكن تقسيم تدبير الماء في المغرب إلى مرحلتين:

المرحلة الأولى، خلال فترة الحماية وبداية الاستقلال، وتميزت بتدبير وفرة المياه، عبر بناء السدود لمواجهة الفيضانات.

أما المرحلة الثانية، وهي الحالية، فتتعلق بتدبير الندرة، بسبب تراجع الموارد المائية.

وتدبير الندرة يتطلب مسارين:

الأول: توسيع التخزين والرفع من الموارد، سواء التقليدية (المياه السطحية والجوفية) أو غير التقليدية (التحلية، معالجة المياه العادمة،…).

الثاني: التدبير المستدام، عبر ترشيد الاستهلاك ورفع المردودية، خاصة في القطاع الفلاحي الذي يستهلك أكثر من 80% من الموارد المائية، إضافة إلى السياحة والصناعة.

السؤال الرابع: كيف تؤثر هذه الوضعية على الأمن المائي مستقبلا؟

وضعية الجفاف الطويل التي عشناها في السنوات السبع الأخيرة، ستتكرر أكيد في المسيقبل، لذلك ينبغي الحزم في اتخاذ الإجراءات المناسبة لتجاوز موجات الجفاف بدون خسائر وبدون انعكاسات سلبية، سواء على مياه الشرب أو مياه الري الفلاحي وغيرها من استعمالات المياه في قطاعات السياحة والصناعة وغيرها.

لذلك الأمن المائي ينبغي أن يكون أولى الأوليات، خاصة في ظل التغيرات المناخية الحالية.

السؤال الخامس: ما البدائل العملية لتعويض ضعف التخزين؟

البديل الأساسي يظل هو توسيع الطاقة التخزينية من أجل الاستفادة من السنوات المطيرة في تخزين أكبر كمية من مياه الأمطار، إلى جانب التدبير المستدام للفرشات المائية.

أما الموارد غير التقليدية، كتحلية مياه البحر، فهي مكلفة ومحدودة، ولا يمكن الاعتماد عليها في الري الفلاحي لأنها قد تنعكس على أسعار المواد الغذائية.

وبخصوص المياه العادمة المعالجة، فهي تُستعمل حاليا بشكل محدود، ويجب توسيع استخدامها، خاصة في قطاع البناء والصناعة غير الغذائية، بدل مياه الشرب.

كما أن هناك سياسة لبناء سدود كبرى جديدة بهدف رفع السعة الوطنية إلى 25 مليار متر مكعب بدل 17.2 حاليا، إضافة إلى مشاريع الربط بين الأحواض المائية والسدود.

ولا ننسى إشكالية توحل السدود، حيث نفقد سنويا ما يعادل سعة سد صغير أو متوسط، ما يستدعي إما تعلية السدود من أجل زيادة الحقينة، أو بناء منشآت جديدة لتعويض ما ضاع بسبب الوحل، على اعتبار أن كلفة إزالة الوحل مرتفعة وأكثر بكثير من بناء سد جديد، كما يمكن بناء سدود في عالية السدود الميتة التي لم يعد لها جدوى.

العمق المصدر: العمق
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا