كود مداغ//
رجعات الروح من جديد للزاوية البودشيشية، بحيث احتضنت مداغ، مركز الزاوية بإقليم بركان، توافد كبير لمريدي الطريقة القاديرية البودشيشية القادمين من مختلف مناطق المغرب، إلى جانب مشاركين من دول إفريقية وعربية وأوروبية، للمشاركة في إحياء الذكرى التاسعة لرحيل الشيخ حمزة بن العباس القادري البودشيشي، في مناسبة روحية اكتسبت هذه السنة أبعادًا تتجاوز طابعها الديني إلى رسائل رمزية وسياسية وثقافية، في سياق إقليمي اتسم بتصاعد خطابات الكراهية والعنصرية، خصوصًا عقب أحداث نهائي كأس إفريقيا للأمم بين المغرب والسنغال.
وبحسب معطيات تنظيمية، فقد سُجّل وصول ما يقارب 100 حافلة، إضافة إلى عدد كبير من السيارات الخاصة، لنقل المشاركين إلى مدينة مداغ، في إطار تنظيم محكم عكس حجم الإقبال الكبير على هذا الموعد السنوي، الذي بات يشكل إحدى أبرز التظاهرات الدينية ذات الامتداد الوطني والدولي.
وخلال ليلة إحياء الذكرى، تم استحضار مسار الشيخ الراحل ودوره في ترسيخ التصوف السني المعتدل، الذي يقوم على تزكية النفس ونبذ العنف والتطرف، وترسيخ قيم السلم والتعايش.
وتكتسي دورة هذه السنة أهمية خاصة، بالنظر إلى السياق العام الذي نُظّمت فيه، حيث جاءت بعد أيام من انتشار دعوات عنصرية وخطابات تحريضية على منصات التواصل الاجتماعي، على خلفية مباراة نهائي “الكان” بين المنتخبين المغربي والسنغالي. وهو ما جعل من الحضور الإفريقي القوي خلال هذه الذكرى رسالة عملية تؤكد رفض الزاوية لأي توظيف رياضي أو اجتماعي لتغذية الكراهية أو التمييز العرقي.
وسُجّل، في هذا الإطار، حضور لافت لممثلين عن زوايا ومشيخات صوفية من عدد من الدول الإفريقية، إلى جانب وفود من مصر، حيث جدد ممثلو الزوايا هناك ارتباطهم الروحي بالطريقة، في مشهد عكس الامتداد العابر للحدود للتصوف المغربي، ودوره التاريخي في تعزيز الروابط الروحية والإنسانية بين شعوب القارة.
كما عرفت الذكرى مشاركة وفود وشخصيات دينية وثقافية من الإمارات العربية المتحدة، ومصر، وعدد من الدول الأوروبية، إضافة إلى مشاركين من الولايات المتحدة الأمريكية، ما منح للحدث بعدًا دوليًا، وحوّل مدينة مداغ إلى فضاء للتلاقي بين تجارب روحية مختلفة، يجمعها خطاب الاعتدال والانفتاح.
ويرى متابعون للشأن الديني أن المرحلة الأخيرة عرفت استعادة الزاوية لديناميتها التنظيمية والإشعاعية، في ظل عودة منير القادري بودشيش للإشراف المباشر على أنشطتها، وهو ما انعكس في كثافة الحضور، وتنوع المشاركين، واتساع دائرة التفاعل الدولي مع أنشطة الطريقة، خاصة في القضايا المرتبطة بمحاربة التطرف وخطابات الكراهية.
وفي سياق متصل، وبمناسبة الذكرى ذاتها، وجّه شيخ الزاوية منير القادري بودشيش رسالة إلى الملك محمد السادس، عبّر فيها عن ارتباط الطريقة بالثوابت الدينية والوطنية للمملكة، وعن دعمها للنموذج المغربي في تدبير الشأن الديني، القائم على إمارة المؤمنين، والاعتدال المذهبي، والتصدي للتطرف.
وأكد، في تصريحات صحفية، أن هذه الذكرى تشكل محطة سنوية لتجديد التزام مريدي الطريقة داخل المغرب وخارجه بقيم السلم الروحي، والانفتاح الإنساني، والتعايش بين الثقافات، مشيرًا إلى أن الحضور الوازن لمريدي الطريقة في إفريقيا وأوروبا يعكس الامتداد الدولي للتصوف المغربي ودوره في إشاعة نموذج ديني معتدل.
ويعتبر متابعون أن الزاوية القاديرية البودشيشية، من خلال هذا الزخم البشري والرمزي، تؤكد مرة أخرى موقعها كفاعل روحي واجتماعي، قادر على لعب دور تهدئة الأزمات الرمزية المرتبطة بالهوية والانتماء، خصوصًا في فترات التوتر التي تُستغل فيها الأحداث الرياضية أو السياسية لإذكاء مشاعر العداء.
وبذلك، تحوّلت ذكرى رحيل الشيخ حمزة بن العباس، هذه السنة، إلى مناسبة لتجديد الخطاب الصوفي كأداة ناعمة لمواجهة العنصرية والتطرف، وترسيخ فكرة أن الاختلاف العرقي أو الثقافي لا يتناقض مع الانتماء الإنساني المشترك، وهي رسالة وجدت صداها في الحضور الإفريقي والدولي اللافت بمدينة مداغ.
المصدر:
كود