آخر الأخبار

هل حان الوقت لينتقل المغرب من الصبر الدبلوماسي إلى الحزم الاستراتيجي في ملف الصحراء؟

شارك

في خضم النجاح التنظيمي الذي حققه المغرب في استضافته للفعاليات الرياضية القارية الكبرى والتي كان آخرها كأس إفريقيا 2025، والذي عكس قدرته على الوفاء بالتزاماته الدولية وامتلاكه بنية تحتية متطورة، برزت في المقابل ردود فعل عمدت إلى تصعيد الحملات العدائية التي تستهدف ثوابت المملكة، وعلى رأسها قضية وحدتها الترابية. هذا المشهد يطرح تساؤلات ملحة حول مدى فعالية المقاربة الدبلوماسية المغربية التقليدية، القائمة على الصبر وبناء الثقة، في مواجهة خصوم يستغلون هذا النهج لتقويض مصالحه العليا وتوظيف إنجازاته كذريعة لشن هجمات جديدة.

وفي هذا السياق، اعتبر الخبير في الشأن الصحراوي، عبد الوهاب الكاين، أن النجاح التنظيمي الباهر الذي حققه المغرب في استضافته لكأس الأمم الإفريقية قد كشف عن تصعيد مقلق في وتيرة العداء الموجه للمملكة، داعيا إلى ضرورة إجراء إعادة تقييم استراتيجية عاجلة للتعامل الدبلوماسي مع قضية الصحراء، والانتقال من نهج الصبر التقليدي الذي طبع تحركات المغرب لعقود، إلى تبني مواقف أكثر حزما ووضوحا تستند إلى مبدأ الشرطية في العلاقات الدولية.

وأوضح الكاين، في تصريح خص به جريدة “العمق”، أن التداعيات الناتجة عن التهيئ الجيد وحسن التنظيم غير المسبوق للبطولة الإفريقية، لم تقتصر على الإشادة الدولية، بل شحذت في المقابل سكاكين العداء للعلامة المغربية المبنية على الابتكار والإبداع، وفتحت الطريق أمام تكثيف المناورات لربح معارك جانبية على حساب قيم القانون الدولي. وأضاف أن تلقي المغرب ضربات متتالية وحملات تشكيك ممنهجة في حقوقه التاريخية والقانونية على صحرائه، لمجرد نبوغه في تنفيذ التزاماته الدولية وتشييد بنية تحتية بمعايير عالمية، يضعنا اليوم أمام تساؤل جوهري حول جدوى الاستمرار في المراوحة بين الأساليب الدبلوماسية التقليدية والحزم الاستراتيجي، ومدى الضرر الذي قد يلحقه هذا التعاطي الثنائي بالمصالح المغربية العليا وبقوة الزخم المحقق في الدفاع عن مغربية الصحراء.

وأشار رئيس منظمة أفريكا ووتش إلى أن تعاطي المغرب مع ملف وحدته الترابية ظل يعتمد تاريخيا، حتى فترة قريبة، على صبر دبلوماسي استثنائي وتفضيل بناء التحالفات وتحقيق المكاسب التراكمية، مؤكدا أن هذا النهج التقليدي قد توج بالفعل بنجاحات باهرة، أبرزها اعتراف الولايات المتحدة الأمريكية بالسيادة المغربية في دجنبر 2020، وتنامي الدعم الدولي خاصة من الدول الأوروبية والإفريقية. واستدرك قائلا إنه على الرغم من هذه النجاحات، يلاحظ استمرار بروز توترات قائمة في ظل دعم الجزائر لجبهة البوليساريو، كما أن التحديات الدورية من الفاعلين الدوليين تخلق حالة من الإحباط بشأن حاجة المغرب المستمرة إلى إعادة تأكيد شرعية مطالبه التي يعتبرها محسومة نهائيا.

وتابع المتحدث أن من بين أسباب استمرار الأساليب التقليدية، يأتي الزخم المؤسسي الناتج عن استثمارات المملكة في المؤسسات الأممية والدبلوماسية متعددة الأطراف، وهو ما مكن المغرب من تأطير مبادرة الحكم الذاتي كحل وسط ذي مصداقية حظي بتأييد قوى كبرى. وحذر من أن التخلي الكامل عن هذا المسار قد يهدد بتقويض الرصيد الدبلوماسي المتراكم، إلا أنه أكد أن الوضع المتقدم الذي أحرزته المملكة لا ينفي وجود مسوغات معقولة ومنطقية لإعادة تقييم استراتيجي للتعامل مع دول وأطراف لا ترى في المغرب إلا ساحة للصراع أو فضاء لتصريف أزماتها الداخلية.

واعتبر الكاين أن الوقت قد حان لتبني مواقف أكثر حزما بشأن مسألة الاسترضاء، حيث تستنزف المملكة وقتا ثمينا من زمنها السياسي في شرح أو تبرير مواقفها لتجنب أخطار داهمة، سواء تلك الصادرة عن المحاكم الأوروبية التي تطعن في الاتفاقيات التجارية، أو العمليات الأممية التي تطيل أمد الغموض، أو الفاعلين الدوليين الذين يوظفون قضيتنا لمصالحهم الخاصة. وشدد على أن هذا الوضع يؤدي إلى التعامل مع سيادة المغرب كأمر قابل للتفاوض بدلا من كونه حقيقة ثابتة، وهو ما يستدعي تغييرا جذريا في العلاقات مع تلك الجهات التي تقوض موقفه بدلا من مهادنتها سياسيا، خاصة وأنها تنظر إلى صبر المغرب من زاوية انتهازية بحتة.

وأكد أن المشهد الجيوسياسي المتغير يمنح المغرب فرصة لاستغلال موقعه الاستراتيجي للتأثير بقوة، وجعل الاعتراف بسيادته شرطا مسبقا لأية اتفاقيات تعاون مستقبلية. وربط هذا التحول بالتوقعات الداخلية العالية بشأن التنزيل السليم للخطاب الملكي بمناسبة ذكرى ثورة الملك والشعب في 20 غشت 2022، الذي جعل الموقف من قضية الصحراء معيارا ينظر منه المغرب إلى العالم ويقيم على أساسه الشراكات وصدق الصداقات، بالإضافة إلى مطالبة الشركاء التقليديين بتوضيح مواقفهم بشكل لا يقبل الغموض.

واقترح في هذا الصدد أن يتجه المغرب نحو تفعيل عنصر الشرطية في الشراكات واتفاقيات التعاون، حيث يجب جعل أي تعاون اقتصادي أو أمني أو سياسي عميق مشروطا صراحة بالاعتراف بسيادة المغرب على صحرائه أو على الأقل عدم التدخل في هذه القضية، مذكرا بأن المغرب قد اختبر هذا النهج بنجاح ملفت مع كل من إسبانيا وفرنسا.

وخلص إلى أن جعل هذا التحول المنشود من الدبلوماسية التقليدية إلى نهج الحزم والوضوح أمرا واقعا، يتطلب إعادة ضبط التحالفات الإقليمية مع الدول التي تشاطر المغرب مخاوف مماثلة بشأن السلامة الإقليمية لخلق ضغط متعدد الأطراف، بالإضافة إلى التحول في التواصل الاستراتيجي للانتقال من التبرير الدفاعي إلى التأكيد الواثق على السيادة كحقيقة ثابتة. ودعا في ختام تصريحه إلى تسريع التنمية والإدماج الاقتصادي الدولي للأقاليم الصحراوية، بهدف فرض أمر واقع لا رجعة فيه يجعل النقاشات النظرية حول السيادة غير ذات صلة بشكل متزايد.

العمق المصدر: العمق
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا