في ظل تصاعد تدفقات الهجرة غير النظامية نحو الضفة الشمالية للمتوسط، تحولت مدينتا سبتة ومليلية إلى واجهة ساخنة لتدبير ملف الهجرة داخل الاتحاد الأوروبي، ليس فقط عبر المقاربات الأمنية التقليدية، بل أيضا من خلال الاعتماد المتزايد على تقنيات الذكاء الاصطناعي والرقمنة، فيما يعرف بـ“الحدود الذكية”.
هذا التحول يطرح، إلى جانب رهاناته الأمنية، أسئلة حقوقية وسياسية عميقة، خاصة مع تنامي الانتقادات بشأن غياب الشفافية والمساءلة في إدارة هذه الأنظمة.
في هذا الصدد، حذر تقرير أوروبي حديث من تنامي الاعتماد على تقنيات الذكاء الاصطناعي والأنظمة الرقمية في مراقبة الحدود الإسبانية، خاصة في مدينتي سبتة ومليلية، في ظل ما وصفه بـ“غياب مقلق للشفافية” وضعف آليات المراقبة والمساءلة، ما قد ينعكس سلبا على حقوق المهاجرين وطالبي اللجوء.
التقرير، الصادر عن مؤسستي “بوركوسا” و”مركز ديلاث لدراسات السلام”، يثير سؤالا مركزيا: “من يراقب الآلة التي تراقب؟”، في إشارة إلى التوسع المتسارع في استخدام الخوارزميات والأنظمة الذكية في تصنيف المهاجرين واتخاذ قرارات تمس مصيرهم.
التقرير الذي أوردته صحفية “إل فارو دي سبتة”، أشار إلى أن غالبية العقود المرتبطة بإنشاء وتطوير ما يُعرف بـ“الحدود الذكية” تعاني من نقص واضح في المعلومات، أو تُصاغ بلغة تقنية غامضة، ما يصعّب على الرأي العام والهيئات الرقابية الاطلاع على تفاصيلها.
واعتمد الباحثون في تقييمهم على تحليل أزيد من 700 وثيقة رسمية، خلصوا من خلالها إلى أن نحو نصف الإنفاق العمومي في هذا المجال يوجه مباشرة لمشاريع المراقبة الحدودية، غالبا دون إعلان طلبات عروض أو نشر تفاصيل تقنية دقيقة، بدعوى الاستعجال أو اعتبارات الأمن القومي.
كما أشار التقرير إلى تكرار أسماء الشركات المستفيدة من هذه الصفقات، وصعوبة تتبع الوثائق المرتبطة بها، وهو ما يحد من إمكانية مساءلة الجهات المسؤولة.
سبتة ومليلية.. “مختبر” أوروبي للمراقبة الرقمية
وتُعد سبتة ومليلية من أبرز المناطق التي جرى فيها اختبار هذه التقنيات، ما جعل منهما، بحسب تقارير بحثية أوروبية، “مختبرا ميدانيا” لسياسات المراقبة الرقمية.
ويهدف هذا النموذج إلى تسريع عمليات الفرز، والتعرف على الهويات، واتخاذ قرارات تتعلق بالدخول أو اللجوء أو الترحيل، اعتمادا على خوارزميات حاسوبية.
ويرتبط هذا النقاش، بشكل غير مباشر، بالمغرب باعتباره شريكا أساسيا في تدبير ملف الهجرة مع إسبانيا والاتحاد الأوروبي، سواء عبر التعاون الأمني أو اتفاقيات إعادة القبول.
ويرى متابعون أن تصاعد الاعتماد على “الحدود الذكية” قد يفرض تحديات جديدة على الرباط، تتعلق بحماية حقوق المهاجرين، وتفادي تحويل الضفة الجنوبية إلى امتداد رقمي للحدود الأوروبية.
في هذا الصدد، اعتبر التقرير أن سبتة ومليلية تحولتا خلال السنوات الأخيرة إلى فضاء تجريبي للسياسات الأوروبية الجديدة في مجال مراقبة الهجرة، حيث يتم اختبار تقنيات تشمل التعرف البيومتري، وتحليل البيانات، وأنظمة تقييم المخاطر.
ويرى معدو الدراسة أن هذا التوجه يجعل من المدينتين “مختبرا ميدانيا” لتجارب المراقبة الرقمية، قبل تعميمها في باقي دول الاتحاد الأوروبي، في ظل ضغط متواصل ناتج عن تدفقات الهجرة غير النظامية.
ومن أبرز المخاوف التي يثيرها التقرير، تفويض قرارات تتعلق باللجوء أو الدخول أو الترحيل لأنظمة آلية، دون ضمان رقابة بشرية كافية.
وحذّر الباحثون من أن الاعتماد المفرط على الخوارزميات قد يؤدي إلى تقويض مبدأ المساواة أمام القانون، وإضعاف المسؤولية الإدارية والسياسية، حيث يصبح القرار “مجهول المصدر” ويصعب الطعن فيه أو مراجعته.
وأكدوا أن هذا المسار يُفضي إلى “تذويب المحاسبة”، ويحول التكنولوجيا من أداة مساعدة إلى سلطة غير مرئية.
وفي هذا السياق، استحضر التقرير نماذج أوروبية أخرى، من بينها تجربة ألمانيا في استخدام أنظمة ذكاء اصطناعي لتحليل اللهجات بهدف التحقق من أصول طالبي اللجوء، مشيرا إلى أن دقة هذه الأنظمة لا تتجاوز في بعض الحالات 80%، ما قد يؤدي إلى أخطاء جسيمة تمس حقوق المعنيين.
واعتبر الباحثون أن تعميم مثل هذه التجارب دون ضمانات قانونية صارمة يشكل تهديدا حقيقيا للعدالة الإجرائية.
وانتقد التقرير إنفاق الدولة الإسبانية ملايين اليوروهات على أنظمة تصنيف ومراقبة الأشخاص، دون تقديم معطيات واضحة حول معايير اتخاذ القرار أو آليات التقييم.
وأشار إلى أن الخوارزميات تُعامل في كثير من الأحيان كأسرار دولة أو كملكية خاصة للشركات المتعاقدة، ما يعمق أزمة الشفافية.
ودعا التقرير إلى إعادة ضبط العلاقة بين الأمن والتكنولوجيا والحقوق، عبر فرض مزيد من الشفافية، وضمان رقابة بشرية فعلية، وإرساء آليات تدقيق مستقلة.
وأكد معدوه أن تنظيم الحدود لا يعني فقط تعزيز المراقبة، بل يقتضي أيضا حماية القيم الديمقراطية، وإبقاء القرار النهائي في يد المؤسسات المنتخبة.
المصدر:
العمق