بعث الملك محمد السادس، من خلال بلاغ الديوان الملكي الصادر مساء اليوم الخميس، “إشارة قويّة” تربط النجاح الرياضي للمغرب، أداءً وتنظيما، بسياسة ورؤية استراتيجية طويلة المدى، تجعل تحقيق التنمية المنشودة للمواطن هدفا رئيسيا لا هامشيا، وفق قراءات محللين.
وقد أكدّ الملك محمد السادس، في البلاغ، عقب توجيهه الشكر إلى كل مكونات الأمة المغربية على النجاح الكبير لتنظيم كأس إفريقيا للأمم “المغرب 2025″، على أن هذه الدورة “فضلا عن نتائجها الرياضية الممتازة، مكنت من قياس الطفرة النوعية التي حققتها المملكة على طريق التنمية والتقدم، بفضل رؤية بعيدة المدى ونموذج مغربي متفرد وفعال يضع المواطن في صلب كل الطموحات”.
ووسط تواصل ارتدادات الأحداث المؤسفة لمباراة نهائي التظاهرة بين المنتخب الوطني المغربي ونظيره السنغالي، مدفوعة قبلا وبعدا بوقود التشهير والتحريض الممهنج، جاء البلاغ ليقطع الشكّ باليقين: الأخوة الإفريقية تغلب الانفعالات العابرة؛ ما يعكس، وفق محللين، “رصانة سياسية عالية” تحفظ المصالح العليا.
رضوان اعميمي، محلل سياسي أستاذ القانون العام بجامعة محمد الخامس بالرباط، قال إن “البلاغ الملكي يأتي في سياق يتجاوز البعد الرياضي الظرفي ليؤكد مرة أخرى ثوابت الرؤية الاستراتيجية لجلالة الملك محمد السادس في علاقة المغرب بعمقه الإفريقي ودول الجنوب عموما، حيث تتحول كرة القدم هنا من مجرد منافسة رياضية إلى أداة قوة ناعمة ووسيلة دبلوماسية ذات حمولة سياسية وتنموية واضحة”.
وأوضح اعميمي، في تصريح لهسبريس، أن البلاغ “يكرّس منطق الاستمرارية الاستراتيجية في السياسات العمومية؛ إذ يربط النجاح الرياضي والتنظيمي لكأس إفريقيا بسياسة إرادية طويلة النفس، قائمة على الاستثمار في البنيات التحتية، وتثمين الرأسمال البشري، وإشراك مغاربة العالم”. وزاد: “هذا الربط يعكس تصورا ملكيا يعتبر الرياضة جزءا من النموذج التنموي، وليس قطاعا معزولا أو مناسباتيا”.
وذكر المحلل نفسه أن الإشارة الواضحة إلى أن “النجاح المغربي هو أيضا نجاح لإفريقيا كلها”، “تعكس فلسفة التعاون جنوب–جنوب التي يتبناها المغرب، وتقطع مع منطق الهيمنة أو التنافس الصفري، مقابل ترسيخ منطق الشراكة والتكامل”.
ولفت اعميمي أيضا إلى أنه “في التعاطي مع الأحداث المؤسفة التي رافقت نهاية المباراة النهائية، يبرز البلاغ مستوى عاليا من الرصانة السياسية وضبط النفس المؤسساتي”، موردا أن “الملك، بدل الانجرار وراء ردود الفعل الانفعالية أو توظيف الحدث سياسيا، يدعو إلى انتصار روابط الأخوة الإفريقية بعد هدوء العواطف، وهو ما يعكس قيادة استراتيجية تميز بين التدبير الآني للأزمات والحفاظ على المصالح العليا بعيدة المدى”.
وشدد اعميمي على أن البلاغ “يوجّه رسالة واضحة إلى الخصوم مفادها أن المغرب لا ينجر لأجندات التشويش أو التشهير، وأن وعي الشعب المغربي ومتانة الروابط الإفريقية أقوى من محاولات زرع الفتنة. هنا تبرز مرة أخرى فكرة الدولة الواثقة من مشروعها، التي تراكم الإنجازات بدل استنزاف الجهد في الرد على الحملات المعادية”.
أكدّ العباس الوردي، محلل سياسي أستاذ القانون العام بجامعة محمد الخامس بالرباط، أن الملك محمدا السادس أعطى من خلال البلاغ “صورة لتلاحم العرش مع الشعب، في إطار عنوانه النجاح المغربي المبهر وكذلك الوحدة الإفريقية والتنمية الإفريقية والمصير الإفريقي المشترك رغم كيد الكائدين”.
وأضاف الوردي، في تصريح لهسبريس، أننا بصدد “إشارة قوية يؤكد من خلالها جلالة الملك محمد السادس بطبيعة الحال مراقبته عن كثب لكل المجريات التي عرفتها المملكة المغربية في إطار تنظيم كأس إفريقيا”.
كما يؤكد البلاغ، وفق الأستاذ الجامعي عينه، أن “العلاقات المغربية الإفريقية لن تتأثر بكرة القدم”، وأن “هذا العرس الكروي قد نجح فيه المغرب”.
وسجّل المصرّح لهسبريس أن من ضمن رسائل بلاغ الديوان الملكي أيضا، “خلق ذلكم المناخ المواكب لمسيرة النجاح، وكذلك تطوير البنية التحتية المغربية التي بطبيعة الحال تؤكد من خلالها المملكة المغربية، ملكا وشعبا، على الاستمرار الدائم والحثيث في بناء الوطن، وعلى أن الأصوات النشاز لن تثني المملكة على مواصلتها هذا البناء المبهر”.
يرى عبد الواحد الزيات، رئيس الشبكة المغربية للتحالف المدني للشباب، أن “الديوان الملكي أكد كون رهان المغرب على تنظيم كأس إفريقيا للأمم لم يكن تعزيز الواجهة المغربية فقط، بل ترسيخ وتوطيد الجسور والروابط الثقافية والعلاقات الإنسانية بين شعوب القارة؛ فمعلومٌ أن كرة القدم في عمقها لعبة شعبية”.
وأضاف الزيات، في تصريح لهسبريس، أن الملك محمدا السادس أكد أيضا أن “الأحداث المؤسفة المدفوعة ببعض النيات السيئة، خلال نهائي التظاهرة القارية، لن تنال من عزيمة بلد وأمة كالمغرب، ومن علاقاته مع العمق الإفريقي المتصلة بعلاقات إنسانية وأسرية قوية”، مشددا على أنه “قطع خيط الفرقة والتشتيت الذي سعى البعض إلى نشره”.
وأبرز الفاعل المدني أن المغرب تعامل ما أحداث نهائي “الكان” وما بعدها، “بمستوى عالٍ من النضج السياسي”، مؤكدا أن “الإعلام العمومي وغيره يتعيّن أن يكون في صلب النقاشات الدائرة في هذا الصدد، وأن يحتضنها”.
المصدر:
هسبريس