آخر الأخبار

على هامش كأس أفريقيا المنظمة بالمغرب

شارك

سعيد أرديف

في الوقت الذي يحاول فيه المغرب وغيره من بعض الدول الأفريقية المحظوظة -على قلتها- إعادة الاعتبار للذات الأفريقية ونفض غبار التخلف ومحاربة العجز الذي بات يسكن لاوعي الأنظمة والشعوب التي تعتقد في الغرب صورة العظمة والكمال وتنبهر بمختلف مظاهر حضارته المادية الجوفاء.

في هذا السياق، صرنا نرى ونتلمس بعض خطوات البناء والتنمية وهي تطال قطاعات حيوية وشعبية مختلفة، منها مجال الرياضة وكرة القدم بالتحديد. وإزاءها كان لبلدنا المغرب حظا كبيرا في إرساء بنيات تحتية من طراز كبير وذات معايير جودة عالمية يشهد لها البعيد قبل القريب.

وقبله بعقد من الزمن، عاد المغرب ليقوم بدوره الريادي في افريقيا سياسيا، فاستعاد مكانته اللائقة ضمن الاتحاد الافريقي في القمة السابعة والعشرين المنعقدة بكيغالي سنة 2016 بمقتضى رسالة عاهل البلاد التي تحمل معان ودلالات وتنبئ بنظر عميق وتبصر لجلالته أن لا تقدم يتحقق في القارة دون توحيد الجهود وبلورة نموذج فريد وأصيل للتعاون جنوب- جنوب، نموذج من شأنه أن يعيد الثقة لكل الفاعلين الافريقيين في أنفسهم وفي أفريقيا بما تزخر به من ثروات وطاقات ومواد أولية أضحت محط أطماع كل دول العالم.

من هنا كانت البدايات، ومن تم انطلق المغرب في تعاونه واستثماراته ليحقق المرتبة الاولى في افريقيا الغربية والثانية على مستوى افريقيا برمتها، شاقا طريقه وملتزما بكل تعهداته تجاه الدول الأفريقية الشريكة على أساس متين وعادل، قوامه: رابح- رابح.

وفي مجال الرياضة، كان لحضور وانخراط المغرب في شخص السيد فوزي لقجع على مستوى أجهزة الرياضة الكروية أفريقيا ودوليا (في الكاف والفيفا) وبعد اعتلائه إدارة الجامعة الملكية لكرة القدم المغربية، ذلك الوقع الكبير في تعزيز جهود خدمة الرياضة وطنيا وأفريقيا ودوليا.

وعلى إثر هذه المقومات تبنى المغرب مشروع النهوض بكرة القدم، خيارا استراتيجيا على كل المستويات والفئات، بدءا من تأسيس أكاديمية محمد السادس لكرة القدم إلى توفير بنيات تحتية رياضية ونواد في كل الجهات والأقاليم للبحث عن المواهب الكروية وتكوينها تحت تدبير وإشراف مؤسسات عمومية ومدنية متخصصة، فتححققت الالقاب والتتويجات من كل ارجاء العالم ولعل آخرها كأس العرب من قلب الخليج وكأس العالم للشباب من قلب أمريكا اللاتينية رائدة كرة القدم في العالم، حيث انتزع الفريق الوطني كأس العالم من بين أنياب الأرجنتين عن جدارة واستحقاق.

في ظل هذه الظروف المواتية، قرر المغرب ولوج مصاف منظمي التظاهرات الرياضية، فنال شرف احتضان كأس العالم لسنة 2030 بشراكة مع اسبانيا والبرتغال، وبادر إلى طلب تنظيم بطولة كأس أفريقيا القارية لهذا الموسم، وكانت الموافقة من إدارة الكاف، وكذلك كان التنظيم كما تابعه وعايشه وشهد له كل الكرويين والعشاق والمولوعين من كل أصقاع العالم، ومن جمهور افريقيا على وجه الخصوص.

لكن ستكمن الكثير من الملابسات في مشاركة المغرب بمنتخب متميز ضمن هذه البطولة الأفريقية إلى جانب المنتخبات المؤهلة من أفريقيا، وستبدأ المعاناة منذ الدور الأول، وهذه المرة، ليست من جاهزية الملاعب ولا من ظروف النقل والإيواء ومعسكرات التدريب كما عهدناها في كل البطولات الأفريقية الماضية، لكنها معاناة من نوع خاص وأكثر حدة وإيلاما، معاناة تتجلى في فيض من الخطابات السلبية النابعة من ثقافة الإحباط والتخلف التي ماتزال تتعشش في عقول بعض الافريقيين، والتي ظلت تتردد من طرف أغلب رجال الإعلام العرب والأفارقة في وسائل الإعلام الكلاسيكي والرقمي ومن قبل عامة المحللين والهواة والمتابعين على مستوى مواقع التواصل الاجتماعي الرقمي حتى صارت مؤثرة في مجريات اللعب والتنافس الشريف.

هذه الخطابات التي تستهدف تعكير أجواء التنظيم وتبخيس الجهوذ المبذولة وتضييع لحظات الاحتفال والفرح، وتفويت فرصة النجاح للمغرب ولأفريقيا برمتها، خطابات بلغت حد التشكيك في إدارة البطولة وفي تحكيمها ونزاهتها والتحامل على الكاف بكونه يريد إهداء هذه النسخة للمغاربة.

قد نجد لجانب من الجماهير مبرراتهم في كل هذا التشويش إذ كانوا بصدد نقل أوهام المعارك السياسية التي أثقلت بها إيديولوجيات الانظمة الواهية وعيهم السطحي، ليجدوا لها مطرحا في مجال الكرة.

وقد نجد للبعض الآخر مسوغات إذ ما يزالون يعيشون غرورهم بذواتهم وتاريخهم الذي لم يحافظوا عليه، ولم يكلفوا أنفسهم بتقييم مستويات بلدهم في مدارج الازدهار والتنمية، بل لم ينبروا إلى تقدير وضع رياضتهم الكروية في العالم الذي يكاد ينعدم، منتشين بألقاب قارية معدودة من زمن قديم لم تسلم الكرة من امتداد أياديهم إلى إدارتها والتأثير فيها.

لكن ما لا يمكن أن نجد له مبررات ولا مسوغات سهلة لقبوله واجتراره على مضض، هو الجانب الثالث من الجماهير ومعهم مسؤولون رياضيون يريدون إفساد عرس كروي أفريقي قد أينع ونجح وأتى ختامه، يهددون بنسفه ولسان حالهم يقول: “إذا لم يكن الفوز حليفنا سنضيع اللعبة”، وكأني بهم مبتدؤون او لا يعلمون قواعد اللعبة، فكان منهم مسؤولون تجرأوا ودعوا اللاعبين للانسحاب إلى المستودعات، وكان منهم من واجه فريق التحكيم بما لا يليق في مقام الكرة، وكان منهم من واجه فريق الخصم وطاقمه الفني بالكلام الوقح حتى لا يتم تنفيد وقبول قرارات التحكيم، ونسوا انهم يشعلون فتنة الفوضى في المدرجات وفي الفضاءات العامة بين الجماهير، ونسوا كذلك انهم أمام مرآى العالم يختبرون في قيمهم وثقافتهم قبل اختبار جنونهم في تحقيق اللقب.

الوضع فعلا لم يكن على ما يرام، غابت الروح الرياضية وكادت الأمور أن تخرج عن نصابها، وفي ظل هذه الاجواء المشحونة، انقلب وضع لاعبي الفريق المغربي ومعهم الطاقم المسير لخرجوا من أجواء الرياضة والمنافسة إلى وضع الوسيط والتهدئة ومداراة الخصم وتدليله عساه يستمر في اللعب، وكأني بهم أصبحوا مثقلين بمسؤولية إنجاح وإتمام البطولة التي تنظم في بلدهم الأم بخير وسلام أكثر من الرهان على إحراز اللقب.

هكذا كتب لنا أن نتبوأ مرتبة الوصيف القاري وهذا أمر عاد ومقبول في رياضة الساحرة المستديرة.

لكن الذي لا يمكن أن يكون أمرا عاديا هو ما نتحصله في قراءتنا المتأنية لكل هذه الظروف والملابسات التي تؤشر على ملامح أزمة ثقافية بنيوية استحكمت قبضتها على العقل الافريقي وماتزال كامنة فيه إلى اليوم، تهدد كل شعارات التعاون وخدمة المصالح المشتركة وتعيق سبيل النهوض بأفريقيا كقوة قارية في زمن التكتلاث ومداهمة العولمة.

هبة بريس المصدر: هبة بريس
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا