شرعت السلطات العمومية بدائرة أقا الواقعة تحت نفوذ إقليم طاطا، أمس الأربعاء، في إتلاف ضيعة فلاحية مخصصة لزراعة البطيخ الأحمر تمتد على مساحة تقارب 40 هكتارا، وذلك بعد ثبوت مخالفتها للقرار العاملي القاضي بمنع هذا النوع من الزراعات بسبب الإجهاد المائي الذي تعرفه المنطقة.
وكشفت مصادر مطلعة لجريدة “العمق”، أن عملية الإتلاف التي جرت بمنطقة “الفوسي” التابعة لجماعة تزونين قيادة أيت وابلي، عرفت تعبئة واسعة لمختلف المصالح المعنية، ضمّت رجال السلطة، بمختلف القيادات التابعة لنفوذ دائرة أقا، وعناصر الدرك الملكي، والقوات المساعدة، إضافة إلى أعوان السلطة وعمال الإنعاش الوطني والعرضين التابعين لمختلف الجماعات الترابية بالإقليم.
وإستنادا إلى المصادر ذاتها، فإن هذا التدخل يأتي في سياق وطني يتسم بندرة الموارد المائية، وما تفرضه من ضرورة ترشيد استعمال الماء، خاصة أن زراعة البطيخ الأحمر تعد من الزراعات المستهلكة بكثافة للفرشة المائية، الأمر الذي استدعى تدخل السلطات لحماية التوازن البيئي وضمان استدامة الموارد الطبيعية.
وخلصت المصادر إلى أن تفعيل هذا القرار العاملي ميدانيا وتطبيقه على الجميع دون تمييز، في إطار ترسيخ مبادئ دولة الحق والقانون، يشكل خطوة مفصلية في تدبير القطاع الفلاحي بإقليم طاطا، ويعكس إرادة حقيقية في ربط المسؤولية بالمحاسبة، وحماية الثروة المائية لفائدة الأجيال القادمة.
وكانت السلطات العمومية بإقليم طاطا، قد باشرت، الثلاثاء الماضي، عمليات إتلاف لمساحات فلاحية مزروعة بالبطيخ الأحمر بثلاثة ضيعات، على مستوى قيادة أَديس، وذلك في إطار تنزيل القرار العاملي القاضي بمنع الزراعات المستنزفة للفرشة المائية بالإقليم.
وأفادت مصادر محلية لجريدة “العمق”، أن عددا من الفلاحين أقدموا على زراعة البطيخ الأحمر والأصفر، في خرق واضح لمقتضيات القرار المذكور، رغم التنبيهات المتكررة والدعوات إلى احترام التدابير الرامية إلى ترشيد استعمال الموارد المائية، في ظل ما تعرفه المنطقة من خصاص حاد نتيجة توالي سنوات الجفاف.
وأضافت المصادر ذاتها أن السلطات المختصة تدخلت بشكل فوري، حيث تم إتلاف الحقول المخالفة وإرجاع الأراضي إلى وضعها السابق بالضيعات سالفة الذكر، وحرصا على حماية الثروة المائية وضمان احترام القرارات التنظيمية المعمول بها على صعيد الإقليم.
وخلصت المصادر إلى أن هذا التدخل يأتي في سياق تشديد المراقبة على الأنشطة الفلاحية ذات الاستهلاك المرتفع للمياه، انسجاما مع المقاربة الوقائية التي تعتمدها السلطات الإقليمية لمواجهة تداعيات الإجهاد المائي والحفاظ على التوازن البيئي بالمنطقة.
من جهتهم، أصدر فلاحو قيادة أديس بإقليم طاطا، الثلاثاء الماضي، بيانا استنكاريا عبّروا فيه عن قلقهم البالغ وغضبهم الشديد إزاء ما وصفوه بـ”الممارسات الترهيبية والضغوط الممنهجة” التي يتعرضون لها من طرف السلطات الإقليمية والمحلية، معتبرين أن هذا التعاطي لا يراعي أبسط شروط الكرامة الإنسانية ولا ينسجم مع مبادئ العدالة المجالية وتكافؤ الفرص.
وأوضح البيان، الذي توصلت به جريدة “العمق”، أن السياسات المتبعة تجاه فلاحي المنطقة، والقائمة على التضييق وسد الآفاق وعرقلة سبل العيش، تنذر باحتقان اجتماعي خطير، في وقت يعيش فيه الفلاح بإقليم طاطا أوضاعا صعبة، وعلى النقيض مما تحظى به أقاليم أخرى داخل الجهة نفسها، حيث يتم تقديم الدعم والمواكبة وتبسيط المساطر وتشجيع الاستثمار الفلاحي.
واستنكرت التنسيقية الممثلة لفلاحي قيادة أديس ما وصفته بـ”التضييق الممنهج” الذي تمارسه السلطات الإقليمية بحجج اعتبروها واهية ولا تستند إلى دراسات علمية أو معطيات تقنية دقيقة، وعلى رأسها ذريعة الجفاف، لتبرير المنع والتضييق.
وأكد البيان أن الفرشة المائية البسيطة بالإقليم تكشف عن إمكانية تدبير الموارد بشكل عقلاني ومتوازن، بما يسمح باستثمارات فلاحية قادرة على ضخ مداخيل إضافية لفائدة الإقليم، وتمكين الفلاحين من الدعم والمواكبة، والمساهمة في التنمية المحلية وتشغيل الشباب ومحاربة الهجرة القروية.
كما عبّر البيان عن إدانة شديدة لما أسماه بـ“الخضوع غير المفهوم لبعض اللوبيات المتحكمة”، التي تمارس ضغطها على حساب المصلحة العامة، في صمت وتواطؤ واضح من السلطات الإقليمية، معتبرا أن ذلك يشكل مساسا خطيرا بحقوق الفلاحين وتهديدا مباشرا للسلم الاجتماعي.
وفي السياق ذاته، حمّل فلاحو قيادة أديس السلطات كامل المسؤولية عن أي تبعات اجتماعية أو اقتصادية قد تنجم عن هذا الوضع، معلنين عزمهم تنظيم اعتصام إنذاري أمام عمالة إقليم طاطا، سيُحدد تاريخه لاحقا، تعبيرا عن رفضهم لهذا النهج ودفاعا عن الحق في العيش الكريم والتنمية والإنصاف.
وطالب فلاحو قيادة أديس، باعتبارهم ينتمون إلى منطقة نائية وحدودية وجزءا لا يتجزأ من النسيج الوطني، بتدخل عامل الإقليم بحزم وعقلانية للحد من التمييز وضمان انسجام القرارات المتخذة مع الخطاب الملكي السامي الداعي إلى العناية بالواحات والمناطق الجبلية، وحماية الفلاح الصغير، وتحقيق تنمية منصفة ومستدامة.
ونفت، في وقت سابق، عمالة إقليم طاطا، بشكل قاطع، ما يتم الترويج له في الآونة الأخيرة من أخبار وإشاعات تفيد بإمكانية السماح بزراعة البطيخ أو غيرها من الزراعات المستنزفة للموارد المائية بالإقليم، مؤكدة أن هذه الادعاءات لا أساس لها من الصحة.
وأوضحت العمالة، في إعلان توضيحي لها، أن القرار العاملي القاضي بمنع هذا النوع من الزراعات لا يزال ساري المفعول ولم يطرأ عليه أي تعديل، مشددة على أن الإطار القانوني والتنظيمي المعمول به في هذا الشأن ما زال قائما وملزما لجميع المعنيين.
وأكد المصدر ذاته أن الدراسات التقنية المتطابقة التي أنجزتها المصالح المختصة مؤخرا أظهرت أن الفرشة المائية بإقليم طاطا تعرف وضعية مقلقة، مبرزا أن الموارد المتوفرة بالكاد تكفي لتأمين حاجيات الساكنة من الماء الصالح للشرب، إلى جانب تلبية متطلبات الزراعات المعيشية ذات الأولوية.
وحذرت عمالة الإقليم من أن الترويج لإشاعات حول إمكانية غرس البطيخ من شأنه أن يساهم في استنزاف ما تبقى من الموارد المائية، ويهدد التوازن البيئي الهش بالمنطقة، فضلا عن تشجيعه لممارسات غير مسؤولة قد تكون لها انعكاسات خطيرة على مستقبل النشاط الفلاحي بالإقليم.
ودعت السلطات الإقليمية، في هذا السياق، كافة المواطنات والمواطنين والفاعلين المحليين إلى التحلي باليقظة والمسؤولية، والاعتماد على المصادر الرسمية للحصول على المعلومة الصحيحة، تفاديا للانسياق وراء أخبار مغلوطة تمس بالمصلحة العامة وبالموارد الطبيعية المشتركة.
وكان صلاح الدين أمال، عامل إقليم طاطا، قد أصدر في الـ19 نونبر 2022، قرارا عامليا يهدف إلى تقنين زراعة البطيخ الأحمر والأصفر بالإقليم، وذلك في إطار الجهود الرامية إلى الحفاظ على الموارد المائية، في ظل الوضعية المقلقة التي تعرفها المنطقة جراء توالي سنوات الجفاف وضعف التساقطات المطرية.
ويروم هذا القرار تقييد الأنشطة الفلاحية ذات الاستهلاك المرتفع للمياه، حيث حددت المساحة المسموح بزراعتها بالبطيخ ما بين نصف هكتار وهكتار واحد كحد أقصى خلال الموسم الفلاحي الجاري، مع منع أي تجاوز لهذه المساحة.
كما أصدر عامل الإقليم في التاريخ ذاته تعليماته بمنع زراعة البطيخ بالمناطق والحقول القريبة من محطات ضخ مياه الشرب، كما حددتها اللجنة المحلية المختصة، إضافة إلى المناطق المخصصة للتزود بالماء الصالح للشرب، وجنبات وادي درعة الممتدة على طول الواحات.
وجاء هذا القرار في سياق تتبع وضعية الموارد المائية بالنفوذ الترابي لإقليم طاطا، بهدف ضمان استمرارية تزويد الساكنة بالماء الشروب، وحماية واحات النخيل من التدهور والاندثار، فضلا عن الاستجابة للطابع الاستعجالي الذي تفرضه ضرورة الحفاظ على هذه المادة الحيوية.
المصدر:
العمق