تشهد أحياء متفرقة من مدينة وجدة تناميا ملحوظا في أعداد الكلاب الضالة، ما أثار مخاوف الساكنة بشأن سلامتهم وسلامة أطفالهم، إذ يزداد هذا القلق في ظل تسجيل حوادث متكررة، رغم إطلاق جماعة وجدة لحملة تعقيم تستهدف الحد من تكاثر هذه الحيوانات، غير أن النتائج الميدانية لا تزال محدودة، ما يطرح تساؤلات حول نجاعة التدخلات المعتمدة.
وقد زاد من حدة هذه المخاوف حادث مأساوي أودى بحياة رجل أمن، إثر تعرضه لهجوم من طرف كلاب ضالة، وهو الحادث الذي دفع أحد النواب البرلمانيين إلى توجيه سؤال كتابي إلى وزير الداخلية، طالب فيه بتوضيحات حول الإجراءات المتخذة، ومدى توفر رؤية وقائية ومستدامة لمعالجة هذه الظاهرة التي باتت تؤرق الساكنة وتستدعي تدخلا عاجلا.
وفي السياق ذاته، عبر عدد من المواطنين، في تصريحات متفرقة لجريدة “العمق”، عن قلقهم المتزايد من احتمال تعرضهم وأطفالهم لهجمات، خاصة خلال الفترات الصباحية أثناء التوجه إلى المؤسسات التعليمية. وأكدوا على أن الانتشار الواسع لهذه الكلاب في الأحياء السكنية بات مصدر خوف دائم، مطالبين الجهات المعنية باتخاذ تدابير عاجلة لحماية الساكنة وتعزيز الشعور بالأمن في الفضاءات العمومية.
ومن جانبه، كشف النائب البرلماني عمر أعنان، في سؤال كتابي تتوفر عليه “العمق”، أن هذه الظاهرة أسفرت عن حوادث مؤلمة وخطيرة، من بينها وفاة شرطي مرور بمدينة وجدة بعد تعرضه لهجوم من طرف مجموعة من الكلاب الضالة أثناء عودته إلى منزله.
ولم تقتصر هذه الحوادث على المجال الحضري، إذ أشار النائب ذاته إلى واقعة هلاك قطيع من الأغنام بجماعة بني خالد التابعة لعمالة وجدة-أنجاد، إثر تعرضه لهجوم مماثل، ما خلف خسائر مادية جسيمة وأثار مخاوف حقيقية في صفوف الساكنة القروية بشأن تكرار مثل هذه الاعتداءات وتهديد مصادر عيشها.
وفي مقابل هذه المعطيات، أفادت مصادر من داخل جمعية “إنقاذ حيوانات المغرب والبيئة” بأن جماعة وجدة لم تلتزم بتطبيق بنود الاتفاقية المبرمة بشكل كامل، بل اكتفت بتنفيذ جزء منها يقتصر على إخصاء الكلاب الذكور وتلقيحها، دون تعقيم الإناث.
وأوضحت المصادر ذاتها أن الجماعة لم تقم بتعقيم أي أنثى حتى الآن، ما أدى إلى تزايد أعداد الجراء في الأحياء، فضلا عن استقطاب كلاب ذكور من القرى والغابات المجاورة للتزاوج مع الإناث المتواجدة داخل المدينة، وهو ما يتسبب في نباح وصراعات ليلية بين الكلاب الوافدة وتلك المستقرة بالأحياء.
ويعزى هذا التقصير، بحسب المصادر نفسها، إلى تعقيد عملية تعقيم الإناث التي تتطلب إزالة الرحم، وما يرافقها من تكاليف مرتفعة تصل إلى 800 درهم للأنثى مقابل 500 درهم للذكر، بالإضافة إلى الحاجة إلى رعاية طبية تمتد لأكثر من عشرة أيام لتضميد الجراح.
وفي ظل غياب مركز مخصص لهذه العمليات، شرعت الجماعة، منذ انطلاق الحملة في غشت 2022، في بناء مركز صحي داخل المحجز البلدي، يفترض أن يخصص لتعقيم الإناث وتوفير الرعاية اللازمة لهن قبل إعادتهن إلى الأحياء.
وفي خطوة موازية، أعلن مجلس عمالة وجدة أنجاد، شهر غشت الماضي، عن إطلاق ثلاثة طلبات عروض تهم اقتناء معدات ووسائل خاصة بتدبير الكلاب الضالة، تشمل شاحنات مجهزة بأقفاص، ومعدات مخصصة للجمع، إضافة إلى تجهيز محجز بيطري بمعدات لعمليات التعقيم، وذلك بكلفة إجمالية تناهز 2 مليون درهم.
وفي هذا الصدد، كشفت مصادر مطلعة لـ”العمق” أن الصفقة الأولى تتعلق بشراء معدات لجمع الكلاب الضالة ومعدات حماية الفرق المسؤولة عن الجمع، وتشمل أقفاصًا معدنية، وشباكًا لالتقاط الكلاب، بالإضافة إلى بذلات وقفازات واقية ضد العض، وذلك بكلفة إجمالية تناهز 484 ألف درهم.
وكما أعلن المجلس عن طلب عروض خاص بشراء ثلاث شاحنات بأقفاص خاصة لالتقاط وجمع الكلاب الضالة، بكلفة تقديرية بلغت 999 ألف درهم، مع توفير ضمانات مصنعية تصل إلى 100 ألف كيلومتر بالنسبة للمحرك والتجهيزات، و200 ألف كيلومتر ضد التآكل.
أما طلب العروض الثالث، فيتعلق بتجهيز محجز الكلاب الضالة بمعدات خاصة بعمليات التعقيم، تشمل طاولات جراحية وطاولة فحص بيطري وأدوات جراحة خاصة للقطط والكلاب، وذلك بكلفة تتجاوز 376 ألف درهم.
وتجدر الإشارة إلى أن جماعة وجدة كانت قد صادقت، خلال دورة فبراير سنة 2022، على اتفاقية شراكة مع مجلس عمالة وجدة أنجاد، تروم إحداث ملجأ داخل المحجز البلدي بوجدة بغرض تجميع الكلاب من أجل تعقيمها وإخصائها. غير أن هذه المبادرة، في مرحلتها الأولى، جعلت شوارع المدينة تتحول إلى مرتع للكلاب الضالة، ما يطرح تساؤلات حول فعالية المقاربة المعتمدة.
ويذكر أن وزارة الداخلية كانت قد أصدرت مذكرة مصلحية منعت بموجبها عمليات إبادة الكلاب الضالة بالرصاص الحي، داعية الجهات المختصة إلى اعتماد مقاربات بديلة لمحاربة هذه الظاهرة على مستوى الجماعات الترابية.
المصدر:
العمق