في مهرجان خطابي نظمه حزب العدالة والتنمية لإحياء الذكرى 82 لتقديم وثيقة المطالبة بالاستقلال، تطرق عبد الإله بنكيران، الأمين العام للحزب، إلى قضية الثغور المحتلة، مؤكدا أن المغاربة لم ينسوا سبتة ومليلية ولن يتخلوا عنهما، ومشددا على أن وجودهما خارج السيادة المغربية أمر غير منطقي.
وقال بوضوح: “ما زلنا مطالبين بأن نجتهد من أجل استرجاع سبتة ومليلية إلى حضن الوطن”، مضيفا أن المغرب لا يسعى إلى الحرب مع إسبانيا، لكن “على إسبانيا أن تفهم أنه ليس من المعقول أن تبقى سبتة ومليلية، وهما في إفريقيا وعلى حدود تطوان والناظور، خارج الإطار المغربي”، قبل أن يخلص إلى أن هذا الملف “سيأتي وقته شاء من شاء وأبى من أبى”.
وربط بنكيران هذا الموقف بالسياق التاريخي الأوسع، مذكرا بأن العدو لم يستطع التغلغل في عمق المغرب عبر قرون من الزمن، وأن الأطماع الاستعمارية ظلت تقتصر على بعض الثغور الساحلية، ومنها سبتة ومليلية، وهو ما يعكس، بحسبه، قوة المجتمع المغربي وصلابة دولته عبر التاريخ.
ومن هذا المدخل المرتبط بالسيادة والتاريخ، انتقل بنكيران إلى بسط رؤيته حول معنى الاحتفال بذكرى تقديم وثيقة المطالبة بالاستقلال، موضحا أن مشاركة حزبه في هذا الإحياء لا تعني بأي حال من الأحوال التخلي عن هويته السياسية أو الذوبان في حزب الاستقلال، بل هي تعبير عن قناعة بأن حزب العدالة والتنمية يعتبر نفسه امتدادا للتيار الصالح في الحركة الوطنية. وقال إنهم “كنا نعتبر أنفسنا استمرارًا للحركة الوطنية الصالحة التي انطلقت منذ البداية، وما زال الصالحون منها والمخلصون منها مستمرين”، مؤكدا أن المبادئ التي دافع عنها رواد الحركة الوطنية لا تزال حاضرة في خطاب حزبه وممارسته، وإن وُجدت بعض الاختلافات التي “لا تفسد للود قضية”.
وتوقف بنكيران مطولا عند مسألة استعادة الذاكرة الوطنية، معبرا عن أسفه لأن أجيالا من المغاربة لم تتلق تاريخها كما ينبغي في المدرسة، ومعتبرا أن جزءا كبيرا من الوعي بتاريخ المغرب ومقاومته للاستعمار ظل مغيبا أو مهمشا. وقال إن الفرنسيين والإسبان لم يتمكنوا من دخول المغرب إلا بعد فرض الحماية، وإن هذا المعطى يعكس حقيقة جوهرية هي أن المغرب ظل دولة مستقلة عبر قرون، وأن المجتمع المغربي كان عصيا على الاختراق بسبب طبيعته الحرة وتنظيمه القائم على الولاء للسلطان والاستقلال الذاتي للقبائل. وأكد أن هذا التاريخ ينبغي أن يكون مصدر اعتزاز لا مجرد ذكرى عابرة في المناسبات.
وفي سياق حديثه عن الاستقلال، شدد بنكيران على أن المغرب اليوم لا يحتاج إلى “استقلال جديد” بالمعنى السياسي التقليدي، لكنه في أمس الحاجة إلى “التصحيح وإصلاح ما يجب إصلاحه في هذا البلد”، محذرا من أن المسار الذي يسير فيه المجتمع لم يعد هو المسار الصحيح. وأقر بأن هناك إنجازات في البنيات التحتية وغيرها، لكنه اعتبر أن ذلك لا ينبغي أن يكون على حساب “إصلاح الإنسان”، داعيا إلى إعادة الاعتبار للقيم، للجدية، وللمعقول، باعتبارها أساس أي نهضة حقيقية.
وفي مقطع لافت من خطابه، انتقد بنكيران بشدة ما وصفه بانجراف المجتمع المغربي نحو الاستهلاك المفرط والانبهار بالمال، معتبرا أن المغاربة لم يُخلقوا ليكونوا مجرد مستهلكين، بل حملة مبادئ وقيم. وقال إن الاستهلاك في حد ذاته ليس مشكلة، لكن المشكلة تكمن حين يتحول إلى نمط حياة يُهلك الإنسان ويُفسد الأسرة. وضرب أمثلة من الواقع اليومي حول تغير سلوك الأسر، متحدثا عن هيمنة الوجبات السريعة وثقافة السوق على حساب المطبخ التقليدي والعلاقات الأسرية، ومعتبرا أن هذا التحول يعكس خللا أعمق في سلم القيم. وأكد أن المال أصبح في العالم كله “إلها يُعبد من دون الله”، وأن كثيرا من الناس باتوا مستعدين للتخلي عن المبادئ والأخلاق والدين مقابل المصالح المادية، باستثناء من رحم ربك.
وفي السياق ذاته، ربط بنكيران هذا النقد الاجتماعي بالحديث عن القضية الفلسطينية، معبرا عن إدانته الشديدة لما يتعرض له الفلسطينيون، ومذكرا بمواقفه الداعية إلى “مقاطعة الشركات التي تتعاون مع الصهاينة”. وأكد أن ما يقع في فلسطين اليوم لا يمكن السكوت عنه، واصفا ما يتعرض له الأطفال والمدنيون بأنه أمر لا يمكن تصوره، ومشددا على أن نصرة فلسطين جزء من القيم الأخلاقية والإنسانية التي ينبغي أن يتحلى بها المغاربة.
كما خص بنكيران الشباب بحيز واسع من خطابه، معبرا عن قلقه من واقع فئة من الشباب التي انجرفت، بحسب تعبيره، نحو التفاهة والانشغال بالقشور، في مقابل إشادته بالشباب المؤمن بالمبادئ والقيم. وقال إن الشباب بطبيعته يميل إلى الحق والعدل والإنصاف لأنه لم تفسده بعد حسابات الحياة وتعقيداتها، محذرا من أن تجاهل مطالب الشباب وتهميشهم قد يؤدي إلى انفجارات اجتماعية كما وقع في محطات سابقة.
وفي حديثه عن الهوية، دافع بنكيران بقوة عن مركزية الدين في الحياة العامة، معتبرا أن شعار “الله الوطن الملك” ليس مجرد ترتيب لفظي، بل يعكس حقيقة أن الله هو الأساس الذي يُبنى عليه حب الوطن والوفاء للملك. وقال صراحة إن محاولة فصل هذه العناصر أو إقصاء البعد الديني من المجال العام تمثل خطرا على توازن المجتمع، مؤكدا أن الإسلام كان ولا يزال هو المرجعية التي حفظت وحدة المغرب عبر القرون، منوها بدور إمارة المؤمنين وبحضور القرآن الكريم في الحياة اليومية للمغاربة.
وخلال خطابه، عاد بنكيران مرارا إلى التأكيد على أن المغاربة شعب ذو تاريخ عريق في الدفاع عن الإسلام وعن قضايا الأمة، مذكرا بما خص به صلاح الدين الأيوبي المغاربة حين منحهم حارة خاصة بهم في القدس، وبأن التاريخ يشهد بأن المغاربة “قوم لا يؤتى من قبلهم”، داعيا إلى استعادة هذه الروح وإلى أن “ينفض المغاربة الغبار عن أنفسهم” ليعودوا إلى موقعهم الطبيعي كحملة رسالة ومبادئ، لا كمجرد مستهلكين أو تابعين.
المصدر:
لكم