يكرّس توفير المغرب خلال فعاليات كأس إفريقيا للأمم تقنية الوصف السمعي لأطوار المباريات داخل المدرجات، الحرص على “دمقرطة الفرجة” والبعد الإنساني والحقوقي غير المسبوق في تاريخ هذه التظاهرة القارية، بحسب قراءات حقوقيين.
وخلال مباراة ربع نهائي كأس إفريقيا للأمم “المغرب 2025” بين السنغال ومالي، الجمعة، التي احتضنها ملعب طنجة الكبير، ظهر مجموعة من الأشخاص المكفوفين بسماعات تنقل إليهم عبر تقنية الوصف السمعي ما يجري داخل المستطيل الأخضر.
عبد الإله الخضري، رئيس المركز المغربي لحقوق الإنسان، قال إن “نقل ما يجري فوق المستطيل الأخضر وفي المدرجات لفائدة مشجعين مكفوفين من كل الأعمار، خلال مباراة ربع النهائي بين السنغال ومالي التي احتضنها ملعب طنجة الكبير، مشهد إنساني بالغ الدلالة، وهو ليس مجرد تفصيل تقني عابر في تنظيم كأس أمم إفريقيا، بل لحظة رمزية كثيفة المعنى”.
وأضاف الخضري، في تصريح لهسبريس، أن هذه “اللحظة، أعادت طرح سؤال جوهري: كيف يمكن للرياضة أن تكون فضاء مشتركا للجميع لا امتيازا حسيا لفئة دون أخرى؟”.
من هذا المنطلق، تحدّث الحقوقي ذاته عن دلالتين أساسيتين، “أولها دمقرطة الفرجة؛ إذ تجسد تقنية الوصف السمعي البصري انتقال الفرجة الرياضية من منطق الإقصاء غير المقصود إلى منطق الشمول الواعي. فكرة القدم، بما تحمله من شحنة وجدانية وجماعية، ظلت لعقود رهينة الصورة، ومن ثم رهينة القدرة على الإبصار”.
وتابع: “حين تحوّل الحركة، والتمريرات، والانفعالات، وتفاعل الجمهور إلى سرد صوتي دقيق، تصبح المباراة تجربة مشتركة بين المبصر والكفيف، ويعاد تعريف الجمهور باعتباره كافة من يعيشون الحدث وغير محصور في من يرونه فقط”.
وفق الخضري، فإن الدلالة الثانية “تتمثل في البعد الإنساني للتنظيم؛ إذ يكشف المشهد عن توفير شكل من أشكال احترام الكرامة والحق في الفرجة والفرح، من خلال توفير الوصف السمعي للمكفوفين، حيث يكرس مبدأ كون الأشخاص في وضعية إعاقة هم مواطنين كاملين في المجال الرياضي والثقافي”.
عبد الواحد زيات، رئيس الشبكة المغربية للتحالف المدني من أجل الشباب، أكد أن “تقنية الوصف السمعي لأطوار المباريات لفائدة المكفوفين، لأول مرة تعتمد في المغرب، وربما على المستوى القاري والعربي”.
وأضاف زيات، في تصريح لهسبريس، أن “توفير ملعب طنجة الكبير لهذه التقنية، أمر جد مهم يساهم في إدماج الأشخاص في وضعية إعاقة بصرية في جو الاستماع بالمباريات وما يرافقها من فرح ونقاش”.
هذه المبادرة، وفق المصرّح، “تكريس للبعد الإنساني والحقوقي للتنظيم المغربي لهذه التظاهرة؛ فمن حق الأشخاص المكفوفين أن يستمتعوا بالمباريات على غرار كافة الأفراد”، مشددا على وجوب أن “يشعر هؤلاء بأنهم جزء ومكوّن طبيعي من المجتمع، دون أي إحساس بالاختلاف في أي تظاهرة”.
وشدد الفاعل المدني عينه على “ضرورة تعميم هذه المبادرة على كافة البطولات الوطنية والإقليمية والعالمية التي تستضيفها المملكة، وكذلك في المحافل الثقافية والعلمية”.
ودعا زيات أيضا إلى “تعزيز الولوجيات بالنسبة للأشخاص في وضعية إعاقة، وتخصيص مقاعد خاصة بهم ومرافقيهم في الملاعب، مع اعتماد هذه الخصوصية في تطبيقات اقتناء التذاكر”.
ويتفق الخضري مع الحاجة إلى تعميم تقنية الوصف السمعي للمباريات، وقال: “أعتقد أن هذه التجربة التي ثم اعتمادها في كان 2025 تطرح نفسها اليوم كسياسة عمومية ممكنة وفورية، لا كترف تنظيمي”.
وأوضح أن “كلفتها التقنية محدودة، ولا تتطلب سوى طاقم صغير وتكوين مناسب، في مقابل أثر اجتماعي ونفسي بالغ العمق، يتمثل في إدماج فئة واسعة طالما ظلت على هامش الفرجة والثقافة”.
لذلك، يعتقد الخضري، أن “تعميم هذه التقنية في الملاعب الوطنية، والمسارح، ودور السينما، والمهرجانات، بل وحتى في بعض الفضاءات العمومية، سيعني انتقال المغرب من منطق تدبير الإعاقة إلى منطق إعادة تصميم الفضاء العمومي على أساس الشمولية”.
المصدر:
هسبريس