يثير تميز النخبة المغربية في مجالات متعددة ردود فعل سلبية متكررة صادرة عن بعض بلدان شمال إفريقيا، تتخذ أحيانًا طابعًا عدائيًا أو تشكيكيًا. ويبرز من بين هذه النماذج تأهل المنتخب المغربي إلى نصف نهائي كأس إفريقيا للأمم، وهو إنجاز رافقته خرجات إعلامية متشنجة تجاوزت حدود التنافس الرياضي.
ويستدعي هذا المعطى اعتماد مقاربة هادئة تسعى إلى تفكيك الخلفيات الاجتماعية والنفسية المغذية لمثل هذه الخطابات، إذ يفتح الموضوع نقاشًا أعمق حول التنافس الرمزي بين الدول، وآليات المقارنة الاجتماعية، وكيف تتحول النجاحات المغربية إلى لحظات كاشفة لتمثلات جماعية، إضافة إلى حدود تقبّل التفوق داخل المجال الإقليمي.
ندى الفضل، أخصائية ومعالجة نفسية إكلينيكية، قالت إنه “في سياق تميّز النخبة المغربية، خاصة في المجال الكروي، وما يرافقه من خطابات عدائية صادرة عن بعض بلدان شمال إفريقيا، يبرز سؤال جوهري حول الدوافع النفسية العميقة الكامنة وراء هذه الخرجات”، مضيفة: “بعيدًا عن القراءات الانفعالية أو التبريرات الظرفية يتيح المنظور النفسي-الاجتماعي فهم هذه الظاهرة باعتبارها تعبيرًا عن ديناميات نفسية جماعية معقّدة”.
وأشارت الفضل إلى أنه “من الناحية النفسية يُعدّ الإحباط الجماعي أحد أهم المحركات لهذا الخطاب العدائي”، موضحة أنه “عندما تفشل جماعة ما في تحقيق نجاحات مماثلة في مجال يُنظر إليه كرمز للهوية الوطنية والاعتراف الدولي يتولد شعور بالإحباط يصعب تحمّله أو الاعتراف به، وبدل توجيه هذا الإحباط نحو مراجعة الذات أو تحليل أسباب التعثّر يتم اللجوء إلى آلية الإسقاط، حيث تُنسب مشاعر النقص والفشل إلى الآخر الناجح، فيتحول تميّز المغرب من إنجاز موضوعي إلى ‘استفزاز نفسي’ يوقظ جراحًا غير ملتئمة”.
وأوردت المتحدثة ذاتها أنه “يمكن قراءة هذه الخرجات في ضوء مفهوم جرح النرجسية الجماعية”، مبرزة أن “بعض المجتمعات تبني صورتها عن ذاتها على تصوّر التفوق أو الريادة الإقليمية، وعندما يختل هذا التصوّر بفعل نجاح واضح لجار قريب يحدث تصدّع في صورة الذات الجماعية، وهذا الجرح النرجسي غالبًا ما يُواجَه بآليات دفاعية مثل التقليل من قيمة الإنجاز، التشكيك في شرعيته، أو اتهام الآخر بالاستفادة من ‘عوامل غير رياضية’، وهي محاولات نفسية لاستعادة توازن داخلي مهدَّد”.
ومن جهة أخرى أكدت الأخصائية والمعالجة النفسية الإكلينيكية، في تصريح لهسبريس، أن “المقارنة الاجتماعية تلعب دورًا محوريًا في تصعيد هذا الخطاب”، مشيرة إلى أن “القرب الجغرافي والتاريخي يجعل المقارنة أكثر حدّة، ويجعل نجاح الآخر يُعاش كتهديد مباشر لا كمصدر إلهام”، وزادت: “عندما تتحول المقارنة من أداة للتحفيز إلى تجربة انفعالية مشحونة فإنها تفتح المجال للحسد الجماعي والعداء الرمزي”.
ولفتت المصرحة نفسها إلى أن “كرة القدم تمثل مجالًا خصبًا لتفريغ التوترات المرتبطة بالهوية والانتماء”، مشددة على أنه “في لحظات الإخفاق تبحث الجماعة عن كبش فداء خارجي يعيد لها تماسكها الداخلي”، وأردفت: “يؤدي توجيه الغضب نحو المغرب وظيفة نفسية تتمثل في توحيد الداخل ضد ‘الآخر’، وصرف الانتباه عن الإخفاقات البنيوية الذاتية”، مضيفة أنه “لا يمكن إغفال دور الإعلام والخطاب الشعبوي في تضخيم هذه المشاعر، حيث يتم استثمار الإحباط الجمعي وتحويله إلى سرديات عدائية تفتقر إلى التحليل العقلاني، لكنها تُرضي الحاجة النفسية السريعة لتبرير الفشل وحماية صورة الذات”.
وختمت ندى الفضل توضيحاتها بالإشارة إلى أن “تصاعد الخطاب العدائي تجاه تميّز النخبة المغربية لا يعكس قوة أو ثقة في النفس، بل يكشف عن هشاشة نفسية جماعية وصعوبة في تقبّل نجاح الآخر؛ أما المجتمعات الناضجة نفسيًا فهي التي تستطيع الاعتراف بإنجازات غيرها دون أن تشعر بالتهديد، وتحوّل المقارنة إلى دافع للتطوير بدل أن تجعل منها منطلقًا للعداء”.
زكرياء أكضيض، أستاذ علم الاجتماع، قال في هذا الصدد: “النقاشات التي تولدت عن مباريات كأس إفريقيا للأمم جعلتني أستنتج نتيجة مفادها أن التحليل الرياضي لم يرتقِ إلى مستوى التحليل العلمي الذي ينظر إلى المباراة بوصفها مباراة في حد ذاتها، بمعزل عن الاعتبارات الخارجية. وعندما أتحدث هنا عن الاعتبارات الخارجية أقصد كل العوامل السياسية والدينية والأيديولوجية التي يمكن أن تحكم العلاقة بين بلدين متنافسين”.
وأضاف أكضيض، في تصريح لهسبريس، أن “ما يؤسف له هو أن جزءًا من التحليل الرياضي غارق في التصورات السياسية والأيديولوجية، الأمر الذي يجعلنا غير قادرين على رؤية المباراة كما هي، حيث نُصاب أحيانًا بنوع من التضليل عندما نستسلم لهذه التصورات التي تغذي في وعينا تمثلات خارج التحليل الرياضي، كأن يتغذى وعينا مثلًا على نظرية المؤامرة، فنعتبر أن خسارة فريق لا تعود إلى معطيات التحليل الرياضي، بل إلى مؤامرة خارجية تغذيها توترات سياسية قائمة”.
وأكد المتحدث ذاته أن “غرف التحليل الرياضي تحتاج إلى مساءلة ممارساتها، وعندما تقوم بهذه المساءلة فإنها تحتاج إلى مقاربة نقدية لطريقة تناولها للمباريات من منظور علمي، لأن التحليل الرياضي ينبغي أن يتجه إلى المباراة ذاتها، وأن يركز على الجوانب التقنية، وعلى الإعداد البدني والنفسي؛ بمعنى أن المحلل الرياضي مطالب بملامسة المؤشرات العلمية التي من شأنها أن تساعد المستمع والمشاهد على فهم المباراة والشروط التي أنتجتها، وفهم مآلاتها أيضًا”، مضيفا أن “الشروط التي تنتج الهزيمة هي شروط مادية داخل المباراة، وليست خارجية كما تروّج لها بعض مدارس التحليل الرياضي”.
وفي هذا الإطار أشار المختص في علم الاجتماع إلى أنه “يمكن التمييز بين صنفين من التحليل، صنف مغرق في الأيديولوجيا، فيحوّل الرياضة إلى فضاء لتأجيج الصراعات السياسية والتوترات بين البلدان، ويستثمر الإنجازات الرياضية في إضفاء شرعية سياسية معينة، وبهذا المعنى يتحول حقل الرياضة، كما يحضر لدى بعض المدارس، إلى جهاز أيديولوجي غير مباشر يسعى إلى تكريس الهيمنة وحجب النظر عن المشاكل السياسية التي تعاني منها بعض المجتمعات”.
وفي المقابل أفاد أكضيض بأن “هناك مدارس تحليلية ترتقي إلى المستوى العلمي، تحيد نفسَها عن التصورات الأيديولوجية، وتعتبر أن الرياضة حقل للقيم الإنسانية، إذ تنتج فضاءً للتعايش بين المجتمعات الإنسانية رغم اختلافاتها السياسية والأيديولوجية والدينية؛ ومن ثم فالرياضة لغة إنسانية مشتركة تتجاوز الحدود السياسية والثقافية، لتُعيد بناء الروابط الاجتماعية حتى عندما تكون هذه الروابط مثقلة بصراعات مباشرة أو غير مباشرة ذات بعد سياسي، ولذلك ينبغي النظر إلى الرياضة من زاوية القيم الإنسانية، وألا ينصاع التحليل الرياضي للتصورات السياسية والأيديولوجية المتصارعة”.
المصدر:
هسبريس