كيف لصداقةٍ صغيرةٍ بدأت بين طفلتين أن تتحدّى واقعًا اجتماعيًا يبني الجدران بدل الجسور؟ وهل تكفي المحبة والولاء لتجاوُز الفوارق الطبقية التي يفرضها المجتمع منذ الولادة؟ وهل يمكن للقصص الشخصية أن تصبح مرايا تعكس أبعاد العدالة والظلم، الحرية والقهر، القوة والضعف في المجتمع المعاصر؟ كيف تجعل الرواية من الصمت والصراخ، من الفقد والنجاح، من الحرمان والتّرف، مادة للتأمّل الفلسفي والاجتماعي؟
“دجاجة بكامونها” la poule est son cumin لزينب مكوار رواية تقدّم بيتاً مغربياً واحداً بوصفه نموذجاً مصغَّراً لوطنٍ بأكمله؛ يتحوّل فيه الطبق والمطبخ والغرف المتجاورة إلى بنية اجتماعية متشابكة، تُجاوِر فيها الطبقات بعضها بعضاً من غير أن تلتقي حقّاً إلا في الظاهر. في هذا الحيّز المنغلق ظاهرياً، المنفتح دلالياً، نتعرّف على كنزة، ابنة الطبقة الميسورة، وإلى فتيحة، ابنة الخادمة، وهما تنموان كأنهما توأم سرّي: تشاركان الطفولة، ولا تشتركان في المستقبل نفسه، ولا في الحقوق نفسها، بما يكشف المفارقة العميقة بين حميمية العيش المشترك واستحالة المساواة الفعلية. البيت هنا ليس مجرّد مكان، إنه سُلطة مكتملة الأركان: من يملك الغرفة الواسعة ومن ينام قرب المطبخ، من له الحق في الكلام ومن يكتفي بالصمت. العلاقة بين كنزة وفتيحة ليست فقط صداقة طفولية، إنها علاقة بين مركز وهامش، بين من تربّت على فكرة الاستحقاق ومن تربّت على فكرة الامتنان الدائم. ومع مرور الزمن، تتسرّب الفروقات الطبقية إلى التفاصيل الصغيرة: إلى طريقة الجلوس على الطاولة، إلى المدرسة، وإلى القرارات التي تُتخذ باسم “مصلحة” الفتاة الفقيرة. اختيار عنوان الرواية “دجاجة بكامونها” من قبل زينب مكوار ليس لعبة لغوية عابرة، إنه مشروع فكري: طبقٌ يوميّ يتحوّل إلى مجاز كثيف لكل ما يُطهى في الخفاء داخل المجتمع. فكما تُنقَع الدجاجة في التّوابل وتُترك على نار هادئة، تُنقَع أجساد النساء في منظومة قاسية من القوانين المتعلّقة بالشرف والإجهاض والعلاقات خارج الزواج، وتُترَك تحت ضغط دائم لسطوة “الحشومة” وهاجس الفضيحة. تُعرِّي زينب مكوار، عبر هذا المجاز، كيف يُختزَل الجسدُ الأنثوي إلى ساحةِ تفاوض شرسة تتنازعها الرغباتُ الفردية، والوصايةُ العائليةُ الخانقة، ومنظومةٌ قانونية تميل إلى التجريم أكثر مما تميل إلى الحماية.
تفتتح الرواية برَسْم شخصية كنزة ابنة الوسَط الميْسور، التي تبدو في الظاهر محصَّنة بالامتياز الطبقي، لكنها سرعان ما تنكشف بوصفها ذاتا مُحاصرة بتوقّعات العائلة ونظرة المجتمع. إنها تجسيد للتوتر بين الامتياز والالتزام، بين رغبة شخصية في تقرير المصير ومنظومة اجتماعية تُحكِم الوصاية على الجسد والاختيار. في المقابل، تأتي فاتحة من هامش الفقر والحرمان، لكنها تمتلك حدًّا لافتًا من الصلابة والقدرة على التكيّف، ما يمنحها وزنًا خاصًا في مسار الحكاية.
تتبدّى الصداقة بين كنزة وفاتحة مثل جسرٍ رقيقٍ مشدودٍ فوق هوّةٍ طبقيةٍ سحيقة؛ علاقةٌ تُبرهن على إمكان قيام وشائج إنسانية تعبرُ الانقسامات الراسخة، لكنها تظلّ، في الآن نفسه، عرضةً لامتحانٍ دائم تحت وطأة البنية الاجتماعية التي لا تكفّ عن إعادة تشكيلها وإعادة توزيع الأدوار داخلها. وهنا يشتغل الرمز اليومي بمهارة لافتة: فالدجاجةُ علامةٌ على هشاشة الأجساد المعرَّضة للفَرْم والتقطيع والتتبيل وفق أذواق الآخرين، والكمّونُ إشارةٌ إلى العناصر الخفيّة التي تهب التجربة نكهتها الأخيرة: قوانين غير مكتوبة، وأحكام أخلاقية مضمرة، ورغبةٌ خافتة في التمرّد من داخل دائرة المألوف. تحملُ كلٌّ من كنزة وفاتحة ثقل تاريخها الشخصي والاجتماعي؛ الأولى تتفاوض مع سلطة العائلة و”العيب” وحدود ما يليق بـ”ابنة الناس”، والثانية تصطدم يوميًا بحدود المال والطبقة والوصْم. بهذه الطريقة ترسم الروايةُ ملامحَ نقدٍ حادٍّ للنسق الطبقي، مُظهِرةً كيف تنحتُ الفوارقُ الماديةُ والثقافيةُ مصائرَ متغايرةً للأفراد، وكيف يتحوّل فضاءُ الصّداقة والحب إلى مجالٍ معلَّقٍ بين نداء الحُريّة من جانب، وسلطان البُنى الاجتماعيّة المقيّدة من جانبٍ آخر.
تركِّز الرواية على التفاوت الطبقي من خلال تتبّع مسار كنزة وفاتحة؛ إذ يرسم الانتماء الاجتماعي، منذ الطفولة، أفق الممكن وحدوده. تقول الساردة: ” كبرنا معًا ظاهريًّا، بينما الفوارق بيننا في العمق كانت تشيّد جدارًا غير منظور يرتفع مع كل سنة إضافية من أعمارنا” (ص 34)، في جملةٍ تختزل كيف يغدو الأصل الطبقي قدرًا صامتًا يتولّى، في الخلفية، توزيع الفرص كما يوزِّع القيود. وفي المستوى نفسه، تُسلِّط الرواية الضوء على القيود المفروضة على حرية المرأة في اختيار مصيرها الشخصي: ” كنتُ أعيش في عالمٍ داخلي حرّ لا يعلمه أحد، بينما العالم الخارجي يلحّ على تقييد ذهني بخطوط وحدود ” (ص 102)، في تلخيصٍ مكثّفٍ لذلك الاشتباك بين ذاتٍ متطلِّعة تريد أن تعيد كتابة حياتها، وتقليدٍ متجذّر يصرّ على الإمساك بمِقْودها. لا أحد ينجو سليمًا من منطق التراتب؛ غير أنّ نوع القيود ووطأتها يتبدّلان بتبدّل الموقعين الاجتماعي والجندري. ومع ذلك، لا تُقدِّم الرواية شخصيّاتها في صورة ضحايا خانعين، بقدر ما تلتقط لحظات الوعي والتمرّد كما في العبارة: «لم أعد أستطيع تجاهل الفوارق، شعرت أن علينا أن نعيد كتابة قواعد حياتنا» (ص 189). من هنا تعيد رواية “دجاجة بكامونها” رسم خريطة الطبقات في المغرب، ليس فقط بوصفها فصلاً مبسطاً بين أغنياء وفقراء، وإنما بوصفها خطّ تماسٍ بين من يملك امتياز الخطأ دون أن ينهار عالمه، ومن لا يُسمح له حتى بحقّ الاختيار قبل أن يُدان سلفاً. هكذا، تكشف الرواية تناقضات مجتمع عبر تمثيلها لأوضاع نساء ينتمين إلى طبقات مختلفة، دون تهوين أو تجميل. فالمرأة، مهما كان موقعها الطبقي، تصطدم بمنظومة قيود تحدّ من استقلاليتها الفكرية والجسدية ومن قدرتها على الاختيار. تجسّد كنزة، المنتمية إلى الوسط البرجوازي، أثر الضغوط المتأتّية من التقاليد والتمثّلات المحافظة والانتظارات العائلية، بينما تواجه فاتحة واقع التهميش والتمييز الطبقي بما يحمله من هشاشة اقتصادية ورمزية. من هذا المنظور، تتجاوز الرواية حدود الوصف الاجتماعي المباشر لتنفذ إلى البنية النفسية للشخصيات، مركّزة على تمثّلات الخوف والرغبة والحلم، وعلى منطقة التوتر بين الإخفاق والإمكان.
هل يمكن للتجارب الفردية في الرواية أن تتجاوز حدود الشخصيات، لتعبّرَ عن واقع أوْسع، وعن الصراعات الاجتماعية التي يعيشها المجتمع؟ فكل موقف، كل قرار، وكل مواجهة مع القيود الاجتماعية، يطرح سؤالاً حول مدى قدرة الإنسان على مقاومة المحيط الذي يفرض عليه مساراته. هل تعكس حياة كنزة وفاتحة نموذجًا للتوازن بين الامتيازات والحرمان، بين القوة والضعف، أم أنها مجرد صورة جزئية عن أجيال متعددة تكافح لتجد موقعها في المجتمع؟ وكيف يمكن أن تظل الصداقة، رغم كل الضغوط، مساحة للتحرر والتضامن؟ وهل تكشف الرواية أن الفرد، رغم القيود، يملك القدرة على إدراك واقعه وصناعة خياراته ضمن شبكة معقدة من القوى والرموز والمعاني؟
إنْ كنتَ تعتقدُ أنّ مكان الحكايات ليْس المطبخ، فهذه الرّواية كُتبت لتُخالفكَ الرّأي.
المصدر:
هسبريس