كود الرباط//
يشهد جنوب اليمن منذ أكثر من أسبوع تصعيداً عسكرياً لافتاً، عقب شنّ القوات السعودية سلسلة غارات جوية عنيفة تجاوز عددها 300 غارة، أسفرت، بحسب معطيات متداولة، عن مقتل أكثر من 100 شخص، أغلبهم من المدنيين. هذا التصعيد فجّر موجة غضب شعبي واسع، وسط اتهامات للرياض بارتكاب “عدوان غير مبرر” يهدد ما تبقى من الاستقرار الهش في الجنوب، ويفتح المجال أمام الفوضى والانفلات الأمني.
وفي هذا السياق، أدانت الهيئة التنفيذية للقيادة المحلية لـالمجلس الانتقالي الجنوبي بمحافظة لحج، بشدة، الضربات الجوية التي استهدفت محافظة الضالع، معتبرة إياها “جريمة مكتملة الأركان” ترقى إلى جرائم حرب لا تسقط بالتقادم. كما رفضت ما ورد في بيان ناطق ما يسمى بالتحالف العربي، متهمة إياه بتزييف الحقائق ومحاولة تبرير الضربات، إضافة إلى الإساءة المباشرة لرئيس المجلس الانتقالي الجنوبي عيدروس قاسم الزبيدي، في ما اعتبرته استهدافاً لرمزية القيادة الجنوبية وإرادة سكان الجنوب.
وأكد المجلس، في بيانه، أن شعب الجنوب ماضٍ بثبات خلف قيادته، ولن يتراجع عن خياراته الوطنية، متعهداً بسلوك كل السبل المشروعة للدفاع عن قضيته وحماية مكاسبه السياسية والأمنية.
في موازاة ذلك، تزايدت المخاوف الأمنية مع تصاعد الحديث عن انسحاب أو إعادة تموضع القوات الجنوبية من محافظتي حضرموت والمهرة، وهو ما اعتبرته تقارير أمنية تطوراً بالغ الخطورة. فهذه الخطوة، إن تمت دون بدائل قوية، قد تخلق فراغاً أمنياً واسعاً تستغله الجماعات الإرهابية، وعلى رأسها تنظيم القاعدة في جزيرة العرب، للعودة إلى مناطق سبق أن شكّلت له ملاذات آمنة خلال سنوات مضت.
وتكتسي حضرموت والمهرة أهمية خاصة بسبب طبيعتهما الجغرافية المعقدة، التي تجمع بين الصحارى الشاسعة، والأودية المتشعبة، والمناطق الجبلية الوعرة، وهي عوامل لطالما استغلها تنظيم القاعدة في إعادة الانتشار والاختباء. غير أن هذه المناطق شهدت، منذ 2016، نجاحاً أمنياً لافتاً، بعد أن تمكنت القوات الجنوبية، مدعومة من دولة الإمارات، من تحرير مدينة المكلا وتفكيك شبكات التنظيم في الساحل والداخل، وملاحقة عناصره في الصحارى والأودية.
وخلال الأعوام الماضية، قدّمت قوات النخبة الحضرمية نموذجاً يُحتذى به في مكافحة الإرهاب، خصوصاً بعد نجاحها في تأمين وادي حضرموت وقطع خطوط تحرك القاعدة. إلا أن تقارير حديثة حذّرت من أن الضغوط التي تمارسها أطراف محسوبة على تنظيم الإخوان، لإجبار هذه القوات على الانسحاب من مواقع استراتيجية، تمنح التنظيم الإرهابي فرصة لإعادة ترتيب صفوفه، مستفيداً من خلايا نائمة وشبكات دعم محلية لا تزال تنشط في الخفاء.
وتبرز في هذا السياق مخاوف متزايدة بشأن وادي المسيني، حيث أدى انسحاب بعض الوحدات، وعلى رأسها لواء بارشيد، من مواقع كانت تؤمّنها، إلى إعادة شبح التسلل المتطرف. ولا تقتصر تداعيات هذا الفراغ الأمني على الجانب العسكري فقط، بل تمتد إلى تهديد حياة المدنيين، وتعطيل النشاط الاقتصادي، وتهديد طرق الإمداد بين الساحل والداخل، فضلاً عن تقويض ثقة السكان المحليين الذين عانوا سابقاً من ويلات سيطرة القاعدة.
من جهته، حذّر المتحدث باسم القوات الجنوبية محمد النقيب من خطورة المساس بالمنجزات الأمنية، مؤكداً أن أي تراجع في هذا المسار يصب مباشرة في مصلحة ميليشيات الحوثي والتنظيمات الإرهابية المتحالفة معها. وأشار إلى أن عملية “المستقبل الواعد” جاءت استجابة لمطالب شعبية في حضرموت، وشكّلت امتداداً لمعركة وطنية وأمنية أسفرت عن تطهير مناطق واسعة في المهرة ووادي وصحراء حضرموت من العناصر الإرهابية، وقطع شبكات تهريب السلاح الإيراني إلى الحوثيين.
في المقابل، تتحدث تقارير سياسية عن تخبط سعودي متزايد في إدارة الملف اليمني، في ظل عجز الرياض عن حسم المواجهة مع الحوثيين المدعومين من إيران. فعلى الرغم من الهجمات الصاروخية التي طالت مدناً سعودية، من بينها الرياض، لجأت المملكة إلى سياسة الاحتواء والحوار، سواء مع الحوثيين أو مع طهران، وهو ما فسره مراقبون باعتراف ضمني بالفشل العسكري.
ويرى محللون، من بينهم أمين حطيط، أن السعودية فشلت في عدوانها على اليمن، وأن استمرار النهج الحالي سيقود إلى مزيد من الخسائر المعنوية والعسكرية. كما اعتبر كتاب ومحللون سعوديون أن الأخطاء الاستراتيجية المتراكمة، منذ عقود، مكّنت إيران من بناء نفوذها عبر القاعدة الشعبية، في مقابل اعتماد الرياض على أدوات تقليدية قبلية وعسكرية.
وتخلص هذه التحليلات إلى أن تردد السعودية في إعادة هيكلة “الشرعية” وتغيير الوجوه المتهمة بالفساد، نابع من خشيتها من فقدان السيطرة على اليمن والجنوب مستقبلاً، وهو ما يفسر، بحسبهم، حالة التوهان السياسي واستمرار الأزمة دون أفق حل واضح.
المصدر:
كود