علقت مواقف سياسية مغربية غير رسمية على الهجوم العسكري الأمريكي على دولة فنزويلا، واختطاف رئيسها ونقله إلى الولايات المتحدة الأمريكية، مع ترك نائبته على رأس السلطة شريطة السماح للشركات النفطية الأمريكية بالاستفادة من أكبر مخزون نفطي في العالم، حسب تصريح وزير الخارجية الأمريكي، ماركو روبيو، ذي الأصل الكوبي، الذي يقول إن هذا سيقطع منفذ كوبا للبترول ويسهم في إسقاطها، في وقت يهدد فيه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب رئيس كولومبيا بأنه “هو القادم” في أمريكا الجنوبية إذا لم ينضبط.
إلى حدود صباح اليوم الأحد، انحصرت مواقف الهيئات السياسية والمدنية المنددة بالمغرب في تلك المنتمية إلى الطيف اليساري، ومنها “”فيدرالية اليسار الديمقراطي” التي “نددت بالعدوان الأمريكي السافر على سيادة فنزويلا”، واصفة ما حدث بـ”التصعيد الخطير الذي يشهده الوضع الدولي، وما يرافقه من انتهاكات جسيمة للقانون الدولي، وتهديد مباشر للسلم والأمن العالميين”، وبأنه “استنساخ جديد لممارسات استعمارية قديمة، تعكس منطق الهيمنة وتقديم المصالح الاقتصادية والأمنية للإمبريالية الأمريكية، خارج أي إطار قانوني أو شرعية دولية”.
وبعد إدانة الهجوم، ذكرت الفدرالية أن “هذا العدوان يكشف مجددا الوجه القبيح للسياسة الإمبريالية القائمة على منطق القوة، وفرض الهيمنة العسكرية (…) وهذا التصعيد ليس إلا واجهة للسعي الإمبريالي الدائم من أجل السيطرة على الثروات الوطنية، والاحتياطات النفطية الهائلة التي تزخر بها فنزويلا”.
حزب النهج الديمقراطي العمالي أدان بدوره “اختطاف الرئيس الشرعي مادورو، وأفراد أسرته من طرف فرقة أمريكية خاصة”، مضيفا: “يأتي هذا العدوان الإمبريالي في سياق السياسة الاستعمارية الإرهابية التي تنهجها الولايات المتحدة الأمريكية عبر العالم، وعلى الخصوص في أمريكا اللاتينية، بهدف استعادة هيمنتها الاستعمارية عليها، عبر القضاء على الأنظمة الوطنية في القارة”.
وتابع “النهج” إدانته معتبرا “العدوان الإمبريالي الإرهابي على فنزويلا تجسيدا لتصاعد النزعة العسكرية الإمبريالية للولايات المتحدة الأمريكية، لإعادة فرض هيمنتها على العالم، كسبيل لمعالجة الأزمة البنيوية الخانقة التي يعرفها الاقتصاد الأمريكي في ظل المنافسة الشديدة التي تواجه من طرف الأقطاب الاقتصادية”.
الجمعية المغربية لحقوق الإنسان، أكبر الجمعيات الحقوقية المغربية، التي تضم قيادة تشمل أحزاب “النهج الديمقراطي” و”الاشتراكي الموحد” و”فيدرالية اليسار” ومستقلّين، قالت من جهتها إنها “تدين (…) بأشد العبارات العدوان الأمريكي السافر الذي استهدف دولة فنزويلا، في انتهاك صارخ لسيادتها الوطنية، واعتداء مباشر على شعبها وقيادتها الشرعية، والذي أسفر عن اختطاف الرئيس نيكولاس مادورو وزوجته وإخراجهما من البلاد”.
وتابعت الجمعية: “يأتي هذا العدوان الإمبريالي في سياق السياسة الاستعمارية العدوانية التي تنهجها الولايات المتحدة الأمريكية عبر العالم، وهو عدوان يكمل سلسلة طويلة من الهجمات العسكرية والسياسية والدبلوماسية والإعلامية، والحصار الاقتصادي والبحري الخانق المفروض على فنزويلا، بغرض السيطرة على ثرواتها النفطية والمعدنية، وتحويلها إلى مجال نفوذ وسوق خاضعة للمصالح الأمريكية. (…) هذا الهجوم يشكل حلقة جديدة في مسلسل العربدة الإمبريالية الأمريكية، ويمثل ضربا فاضحا لكل مبادئ القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة، واستخفافا سافرا بإرادة الشعوب وحقها غير القابل للتصرف في تقرير مصيرها”.
“الشبكة الديمقراطية المغربية للتضامن مع الشعوب”، يسارية التوجّه والقيادة، تفاجأت “كما تفاجأ العالم بما أعلنه الرئيس الأمريكي”، ونددت بـ”ما وصلته الغطرسة الإمبريالية الأمريكية من تحد خطير للعالم أجمع، دولا وشعوبا و’مؤسسات’ دولية، بما فيها مجلس الأمن وهيئة الأمم المتحدة”.
وجددت الشبكة “تنديدها بالعدوانية الإمبريالية الأمريكية، المعادية لكل القيم الإنسانية، والمنفلتة من كل القيود القانونية والأخلاقية، التي تجسدها اعتداءاتها المتواصلة والمتكررة ضد العديد من دول العالم ومن بينها منطقتنا، كما حصل في إيران والعراق وسوريا وغيرها، دون الحديث عن مشاركتها للكيان الصهيوني في حرب الإبادة ضد الشعب الفلسطيني، وفي كل المؤامرات الخبيثة ضد شعوبنا ومنطقتنا العربية”، مع إعلانها وقفة تضامنية بالعاصمة الرباط ضد التدخل الأجنبي في فنزويلا.
ينقسم موقف محللين مغاربة بين دعم إسقاط الرئيس الفنزويلي مادورو، لأن فنزويلا في عهده وعهد الرئيس الراحل هوغو تشافيز تدعم انفصاليّي البوليساريو ضد وحدة التراب المغربي، وبين التنديد بخرق القانون الدولي وسيادة الدول والسطو على ثرواتها.
ومن بين ما كتبه الأستاذ الجامعي عمر الشرقاوي أن منتقدي إسقاط الرئيس الفنزويلي “لم يتحدثوا يوما حينما كان يخرق القانون الدولي، وحينما كان يدعم بالسلاح والمال حركة انفصالية إرهابية تريد تقسيم المغرب”.
أما جواد شفيق، المستشار السابق بديوان وزير الدولة سابقا محمد اليازغي الذي قاد “الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية”، فاستحضر تحرك نيكولاس مادورو ضد كلمة ألقيت باسم الملك محمد السادس بجمهورية الدومينيكان، تضامنا مع جمهورية هايتي بعد الزلزال العنيف الذي هزّها في سنة 2010.
وشهد المستشار على أن ممثل فنزويلا آنذاك قبل أن يصير رئيسا “بلغ إلى علم الوفد المغربي أنه يتزعم حركة لمنع قراءة الرسالة الملكية إلى القمة (…) ونحن في مجرد محفل إنساني تضامني مع شعب ودولة منكوبين (…) فلم كل هذا العداء المجاني؟”، ليختم بالقول: “بعدها صار مادورو رئيسا، واستمر زارعا للشر، ومتحالفا معه في علاقته ببلادنا” قبل أن تكون أمس السبت “نهاية فتّان”.
لكن، من جهة أخرى قدّر المحلل السياسي يونس دافقير أن “من الصعب أن يكون منظورنا لما يحدث في فنزويلا يتحدد أساسا بموقف العداء الذي عند رموز النظام الفنزويلي لمغربية الصحراء (…) لأننا وضعنا فنزويلا وغيرها في الهامش الدولي، وخلقنا ميزان قوى أمميا جديدا في نزاع الصحراء، وأخذنا فيه تأكيد مجلس الأمن على السيادة المغربية”.
وتابع: “الموقف من الوضع الحالي في فنزويلا يمكن أن يتحدد من داخل نفس قيم الدبلوماسية المغربية المبنية على احترام سيادة الدول وإرادة الشعوب، ويمكن أن يتحدد من منظور إنساني أوسع هو رفض الظلم (…) ما يحدث هو مصادرة واضحة لإرادة وثروات شعب حر ودولة مستقلة (…) هذا احتلال تقوم به دولة عضو في مجلس الأمن لدولة عضو في الأمم المتحدة”.
الكاتب الصحافي علي أنوزلا قرأ ما حدث باعتباره “خرقا فاضحا ومزدوجا للشرعية، شرعية النظام الدولي من جهة، وشرعية النظام الدستوري الأمريكي من جهة ثانية (…) ما شهدته فنزويلا يطرح إشكالا بنيويا يتجاوز الواقعة ذاتها، ليطال الأسس الناظمة للنظام الدولي المعاصر؛ فالعملية، بما تنطوي عليه من استخدام أحادي للقوة، واعتقال رئيس دولة أثناء ولايته، تمثل تقاطعا خطيرا بين خرق قواعد القانون الدولي العام، وتجاوز القيود الدستورية الداخلية في الدولة المنفذة. وهذا التلاقي لا يهدد فقط مبدأ سيادة الدول، بل يفتح الباب أمام إعادة تعريف ممارسات القوة في العلاقات الدولية خارج الأطر القانونية والمؤسساتية”، ثم ختم بالقول إن “خطورة ما حدث (…) أننا أمام انزلاق واضح نحو منطق القوة العارية، وعودة مقلقة إلى قانون الغاب”.
المصدر:
هسبريس