مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية بالمغرب، يعود ملف الأمازيغية إلى واجهة النقاش العمومي. فرغم أن دستور سنة 2011 حسم هذا الملف بترسيم لغة “إيمازيغن” والإحالة على قانون تنظيمي لتفعيل طابعها الرسمي، إلا أن مرور أكثر من عقد على هذا التحول الدستوري التاريخي يطرح بإلحاح سؤال حصيلة الفعل السياسي والحزبي: أي ما الذي أنجزته الأحزاب فعليًا للأمازيغية؟ وإلى أي حد نجحت هذه الأحزاب في الوفاء بالتزاماتها وتحويل هذا الاعتراف الدستوري إلى سياسات عمومية ملموسة تمس حياة المواطنين؟
في هذا الصدد، قال رشيد بوهدوز، المنسق الوطني لـ”أكراو من أجل الأمازيغية” عضو المجلس الوطني لحزب الأصالة والمعاصرة، إن “الأمازيغية لم تعد ملفا مطلبيا أو قضية فئوية، بل صارت إرادة ملكية والتزاما دستوريا وعنوانا للعهد الجديد في مسار الدولة المغربية الحديثة”، مضيفا أن “هذا التحول كان يفترض أن ينعكس مباشرة على سلوك الأحزاب من حيث ترتيب الأولويات، ومن حيث الانتقال من الاحتفاء الرمزي إلى منطق الالتزام المؤسساتي الدائم والتنزيل العملي داخل الحكومة والبرلمان والجماعات الترابية”.
وأضاف بوهدوز أن “الواقع بيّن أن جزءا مهما من التنظيمات لم يستوعب بعد عمق هذا التحول، فظل يتعامل مع الأمازيغية كملف ثقافي ثانوي أو كموضوع حساس يُؤجَّل بدعوى الأولويات الاجتماعية والاقتصادية، مع أن الأمازيغية في جوهرها ليست نقيضا للتنمية بل شرط من شروطها، لأنها مرتبطة بالعدالة اللغوية وتكافؤ الفرص وجودة الخدمات العمومية والاندماج المجالي. لذلك، يمكن القول إن التعاطي الحزبي بقي متفاوتا ومترددا، وإن الفجوة بين الخطاب والممارسة هي العائق الأساسي أمام تفعيل رسميتها كما يجب”.
وأوضح المتحدث لهسبريس أن “من الإنصاف الاعتراف بأن بعض الأحزاب ساهمت بدرجات مختلفة في ترسيخ حضور الأمازيغية داخل النقاش العمومي والمؤسساتي، وفي الدفع نحو إخراج إطار التفعيل وكسر جزء من الطابوهات التي كانت تحاصر الملف سياسيا. غير أن هذه المكاسب ظلت دون مستوى الانتظارات، لأنها لم تتحول بالقدر الكافي إلى سياسة عمومية واضحة المعالم: لا جدولة زمنية مضبوطة، ولا إجراءات تنفيذية حازمة، ولا منظومة إلزام وتتبع وتقييم ومحاسبة تجعل التفعيل مستمرا وغير خاضع للظرفية أو المزاج”.
وأكد “وجود تنظيمات ما تزال أسيرة مقاربات إيديولوجية قديمة تختزل الأمازيغية في بعدها الثقافي أو تتوجس من التعدد، بينما التجربة الوطنية أثبتت أن الأمازيغية أكبر من مجرد ملف ثقافي، فهي أساس الاستقرار وعنوان مغرب الغد وسردية وطنية أصيلة تؤسس لوحدة قوية لأنها تجمع ولا تُقصي”.
وزاد: “هنا تبرز نقطة جوهرية يجب التنبيه إليها بوضوح، هي أن التوجهات التي تُحرّض ضد مصالح الوطن وتستهدف مكانته واقتصاده هي نفسها التي تعلن في الوقت ذاته العداء للأمازيغية. فحين نتابع خطابات من يهاجمون الموانئ والمنشآت الاستراتيجية والشركات الوطنية والاستثمار وكل ما يرتبط بتقدم المغرب، نجد أنهم في العمق يهاجمون نموذج مغرب الغد الذي يقوم على الاستقرار والتنمية والثقة في المؤسسات، ويقدمون بدله سرديات مستوردة تقوم على تغذية الشعور بالعداء للدولة ولمنجزاتها”.
وتابع قائلا: “في النهاية، حين نتحدث عن ضرورة وحدة الفعل الأمازيغي، فمن موقعنا السياسي نحن نعمل جاهدين على الترافع من داخل المؤسسات من أجل تنزيل الطابع الرسمي للأمازيغية وتسريع أوراشها، لكننا في المقابل ننتظر من باقي الفاعلين الانضمام إلى الفعل الميداني المنظم، لأننا بحاجة إلى عمل تكاملي يجمع السياسي بالمجتمعي والحقوقي والثقافي والتربوي والإعلامي. فالقضية لا تتقدم بالتشتت ولا بردود الفعل، بل بتنسيق مستمر وبناء قوة اقتراحية وترافعية قادرة على تحويل الأمازيغية إلى سياسة عمومية ملموسة في المدرسة والإدارة والقضاء وسوق الشغل والفضاء العام”، مشددا على أن “هذا التكامل هو الذي يصنع مغرب الغد: مغرب الاستقرار والتنمية والوحدة الوطنية القائمة على الاعتراف الحقيقي بالتعدد، وعلى حماية الوطن من السرديات المستوردة ومحاولات الاختراق”.
في سياق متصل، قال عبد الله بوشطارت، عضو مجموعة الوفاء للبديل الأمازيغي، إن “استغلال الأمازيغية من طرف الأحزاب السياسية هو تقليد سياسي قديم سيئ للغاية دأبت عليه الأحزاب منذ فجر الاستقلال، فالأمازيغية هي الضحية السياسية والحزبية الأولى في المغرب، تُستعمل في التواصل مع المواطنين أثناء الانتخابات، ويتم استعمالها كوقود في الخطاب والحشد والتأثير من أجل استمالة الأصوات، كما يتم استغلالها من خلال إطلاق الوعود الانتخابية أثناء الزخم الانتخابي لتحقيق المطالب اللغوية والثقافية”.
وتابع بوشطارت: “بعد ترسيم اللغة الأمازيغية في دستور 2011، وتزايد الوعي الأمازيغي من خلال امتدادات الحركة الأمازيغية داخل المجتمع، اشتد هذا الاستغلال الحزبي للأمازيغية من خلال تزايد وتيرة الافتراس السياسي للحركة الأمازيغية وكوادرها، وأيضا من خلال احتواء الخطاب الأمازيغي وتمييعه حزبيا، عبر تهافت الأحزاب على استغلال الأمازيغية في الخطاب السياسي، حتى إن الإسلاميين، الخصوم الإيديولوجيين للأمازيغية، قاموا بتأسيس جمعيات ومنظمات للدفاع عن الأمازيغية قصد احتواء المطالب وتحوير مسار الخطاب”.
وسجل المصرح لهسبريس أن “الأحزاب الأخرى، وخاصة التي تشكل التحالف الحكومي الحالي، رفعت من مستوى الاحتواء والاستقطاب والاستغلال إلى درجة أنها خلقت تنظيمات موازية لها للدفاع عن الأمازيغية، واستقطبت فعاليات جمعوية ومدنية لخلق تمثيليات أمازيغية داخل مكاتبها السياسية وأجهزتها التنظيمية، كما استعملت الأمازيغية بقوة في خطابها السياسي والانتخابي ورفعت من سقف الوعود السياسية لصالح الأمازيغية”.
ولفت إلى أنه “فور تشكيل الحكومة من هذه الأحزاب التي استعملت الأمازيغية بكثافة أثناء الحملة الانتخابية، بدأ مسلسل التراجعات والانتكاسات، وتم التراجع حتى عن المكتسبات، وقد عرف تفعيل الطابع الرسمي للأمازيغية بطئا وتأخيرا كبيرين، بدءا بقطاع التعليم، فكل ما نص عليه القانون التنظيمي لم يتم احترامه، لا في مسألة التعميم في الابتدائي، ولا بداية الإدماج في المستوى الإعدادي والثانوي، مع غياب الأمازيغية في التعليم الأولي، وإقصائها في التعليم الخصوصي والتكوين المهني والمعاهد العليا، وجمودها في التعليم العالي والجامعي، والشيء نفسه في الإعلام”.
وذكر عضو مجموعة الوفاء للبديل الأمازيغي أن “الحكومة وأحزابها لا تزال تشتغل بمنطق ما قبل الدستور؛ إذ لا يزال المواطنون يترقبون إدراجا فعليا للأمازيغية في القنوات العمومية والإذاعات المركزية والجهوية، وهي التي تنعدم الأمازيغية في جلها، وهذا يخالف الدستور ومبدأ العدالة اللغوية والتعدد اللغوي والثقافي، وقِس على ذلك دعم الأمازيغية في السينما والفنون الأخرى ومحدوديتها في الصناعات الثقافية والمحافل الكبرى داخل المغرب وخارجه التي تتلقى الدعم العمومي”.
وخلص بوشطارت إلى أن “الأحزاب التي تشكل التحالف الحكومي الحالي تكثف من استعمالها للأمازيغية في خطابها السياسي والإعلامي والانتخابي، لكن حين تتم برمجة قانون المالية وميزانية القطاعات العمومية، تنقلب جميعها على الأمازيغية، فلا تمنح لها مناصب شغل من أجل تفعيل طابعها الدستوري داخل جميع مؤسسات الدولة، وتكتفي هذه الأحزاب بالحديث عن منجزاتها في ما يسمى أمازيغية الواجهة، من خلال إظهار حضور حروف الأمازيغية في واجهة البنايات والمؤسسات وعلى السيارات والحافلات، أي أمازيغية الجدران، لكنها لا تهتم نهائيا بأمازيغية الإنسان”.
المصدر:
هسبريس