مازالت التقلبات الجوية المتسارعة، بنشرات إنذارية متوالية بين الحمراء والبرتقالية، التي تشهدها عدد من أقاليم وجهات المملكة، حالياً، تحدياً حقيقياً لمختلف العاملين في القطاع الفلاحي وأنشطته الزراعية بالخصوص، وهو ما أكدته مصادر مهنية من قطاع منتجي الخضر والفواكه بالمملكة، مفيدةً بأن “عمليات الجني والنقل تتأثر بتباطؤ العمل وصعوبة الدخول إلى الحقول والضيعات، بما يفضي إلى ارتفاع كلفة الإنتاج الأولية”.
وأكدت مصادر مهنية، تحدثت لجريدة هسبريس الإلكترونية عن حيثيات الموضوع، أنه “خَلْفَ كل حبة خُضَر أو فاكهة تصل إلى مائدة المستهلك المغربي تكمن سلسلة معقدة من العمليات التي تتأثر مباشرة بأحوال الطقس وموجات البرد، خاصة مع توالي سلسلة أيام متواصلة من التساقطات المطرية الغزيرة في عدد من الجهات والأقاليم ذات الطابع الفلاحي والمعروفة بزراعات موسمية”.
وأجمعت عدد من الشهادات التي استقتها هسبريس من مهنيين في القطاع الفلاحي على أن الاضطرابات الجوية في المغرب، وما يرافقها من أمطار غزيرة، “رغم كونها رحمة إلهية طال انتظارها إلّا أنها تضع سلاسل الإنتاج أمام تحديات لوجيستيكية ومالية مباشرة”، وهو ما عبر عنه رئيس الفدرالية البيمهنية المغربية لإنتاج وتصدير الخضر والفواكه بالمغرب “FIFEL”، الحسين أضرضور.
وبشأن “عوائق الجني والولوج إلى الضيعات” أوضح أضرضور، الفاعل المهني الذي يرأس الفدرالية البيمهنية التي تتخذ من جهة سوس ماسة مقرا لها، أن “الأمطار المتواصلة (التي استمرت لنحو 15 إلى 20 يوماً في بعض المناطق)، فضلا عن رياح عاصفية قوية جدا (مستوى يقظة حمراء)، ساهمت في جعل الأراضي موحِلَة جداً ومستعصية الولوج على المهنيين”.
وتابع المتحدث شارحا بأن ذلك أدى إلى “شلل حركة الآليات: عدم قدرة الشاحنات على دخول الضيعات لشحن المحاصيل مثل البطاطس، وكذا صعوبة العمل اليدوي، مع تَعذّر دخول العمال للجني في ظل تراكم الأوحال وصعوبة التنقلات، وهو ما يؤخر وصول المنتجات للأسواق ويقلل العرض في بعض السلاسل الإنتاجية الأكثر طلباً”.
كما أشار المهني ذاته إلى “تأثر الجودة: جني المحاصيل في ظروف الرطوبة العالية قد يؤدي إلى سرعة تلفها أو وصولها للأسواق وهي محمّلة بالأتربة”.
أجمع المهنيون، ومنهم فؤاد الرحاوي، فلاح وفاعل مهني في سلاسل إنتاجية متنوعة بين الخضر والفواكه من سهل سايس (جهة فاس– مكناس)، على أن “العامل البشري أصبح من أكبر التحديات حالياً، بالتزامن مع استمرار تقلبات المناخ القاسية وموجة البرد والصقيع”.
كما قال أضرضور، في إفاداته لجريدة هسبريس الإلكترونية، إن “العمال، خاصة اليدويين، وصلت أجورهم في بعض السلاسل (مثل الليمون/الحامض) إلى 600 درهم لكل يوم عمل”، مثيرا أيضا “المنافسة بين المحاصيل”، إذ يتزامن موسم جني الخُضر الموسمية مع جني الزيتون، “ما يخلق ضغطاً كبيراً على اليد العاملة المتوفرة ويرفع كلفَتها”.
كما أجمعت إفادات المهنيين على نقطة “ندرة العمال”؛ ما لفت إليه الانتباه رشيد، أحد الفلاحين الصغار بمنطقة عين الشقف بجهة فاس مكناس، قائلا: “تعاني الضيعات من أزمة عمال حقيقية، حيث يفضل الكثيرون الانتقال لمهن أخرى أو يمتنعون عن العمل في الظروف الجوية القاسية الحالية، خاصة مع استمرارها. وعلى سبيل المثال جني محصول البطاطس في فترات كهذه زادت تكاليفه إلى نحو 800 درهم عن كل يوم عمل”.
وعن “تكاليف التخزين وضياع المحصول” أشار الفلّاح فؤاد الرحاوي إلى أن “بعض الخضر كالبصل تعاني من ارتفاع التكاليف بسبب التخزين في ‘الفريكُو'”، موردا أن “الاعتماد على التخزين المبرّد يرفع الكلفة الطاقية، ما يجعلها تصل بأثمان مرتفعة عن المعهود في الأسواق لدى المستهلك النهائي”.
وأردف المتحدث ذاته: “يواجه المنتجون نسبة ضياع كبيرة أثناء التخزين، فقد يفقد المنتج كثيرا من قيمته وجودته بسبب التلف، وهذه الخسارة تنعكس مباشرة على السعر النهائي”.
في إفادات متطابقة لجريدة هسبريس لم يُخف عدد من المهنيين في القطاع الفلاحي، سواء بجهة سوس ماسة أو فاس مكناس (الفلاحيتَين بامتياز)، تأكيدهم أنّ “الانفراج رهين باستقرار الحالة الجوية”.
وأكد الرحاوي أن “الأراضي الزراعية في الحقول تحتاج إلى 3 أو 4 أيام من الشمس المتواصلة لتجف وتسمح بدخول الشاحنات والعمال(..) ما يتيح استمرار عمليات الجني والتحصيل بسلاسة وبوتيرة أسرع”، وأضاف في حديثه للجريدة: “من المتوقع أن تبدأ الأسعار في التراجع الملحوظ مع بداية فصل الربيع (مارس وأبريل)، حيث تتوفر ظروف جني وإنتاج أفضل”.
كما أكد المهنيون، ضمن تصريحاتهم، أن “الغلاء الحالي ليس ناتجاً عن نقص في الإنتاج؛ فالمحصول وافر”، بحسبهم، “بل إن الأمر يتعلق أساسا بصعوبة الوصول إليه، وارتفاع كلفة جَنيِه وتخزينه في ظل التقلبات الجوية”.
وختمت الإفادات المتطابقة ذاتها بأن “العرض متوفر ويتجاوز الطلب وحاجيات الاستهلاك رغم ارتفاعه في هذه الفترة من العام مع ظرفية انتعاش السياحة والخدمات؛ إلا أن تحسن السعر النهائي وتقليص التكاليف على الفلاح والمنتجين، ولا سيما الصغار منهم، عامل حاسم في هذه السيرورة”.
المصدر:
هسبريس