كشفت بيانات إحصائية حديثة صادرة عن “فوركس” احتلال المغرب للمرتبة الخامسة عربيا في الاعتماد على التداول النقدي “الكاش” بنسبة بلغت 65 بالمائة من إجمالي النشاط المالي، وهو ما اعتبره الخبير الاقتصادي محمد جدري، عائقا بنيويا يحول دون تحقيق الاقتصاد الوطني لأرقام نمو تتراوح بين 6 و8 بالمائة، مؤكدا أن هذه المستويات القياسية من التداول النقدي تعكس تجذر القطاع غير المهيكل وتطرح إشكاليات عميقة تتعلق بالعدالة الجبائية وتنافسية المقاولات.
وأوضح جدري في تصريح لجريدة “العمق”أن هيمنة القطاع غير المهيكل واستعماله المكثف للنقد يرجع بالأساس إلى رغبة فئات عريضة في التهرب من أداء الضرائب، مما يضرب مبدأ العدالة الجبائية في الصميم، مشيرا إلى أن التصريح بالمداخيل عبر القنوات الرسمية يفرض أداء ضريبة لا توازي في نظر هؤلاء الأرباح المحققة، مما يدفعهم للاحتماء بالتعاملات النقدية بعيدا عن أعين الرقابة المالية، وهو ما يخلق تفاوتا صارخا بين الفاعلين الاقتصاديين.
وأضاف المتحدث ذاته أن هذا الوضع يقوض بشكل مباشر تنافسية المقاولات الوطنية المنظمة التي تلتزم بأداء تحملاتها الاجتماعية والضريبية، حيث تجد نفسها في مواجهة غير متكافئة مع وحدات إنتاجية أو تجارية في القطاع غير المهيكل تبيع نفس المنتجات بتكاليف أقل نظرا لتملصها من الالتزامات المالية، مما يجعل القطاع غير المهيكل منافسا حقيقيا وشرسا للمقاولات المغربية التي تعمل في إطار القانون.
واعتبر الخبير الاقتصادي أن استمرار ارتفاع منسوب “الكاش” يرتبط أيضا بعوامل اجتماعية وتقنية، منها انتشار الأمية وضعف الولوج إلى الخدمات البنكية التقليدية، لافتا إلى أن عدد الحسابات البنكية في المغرب لا يتجاوز 15 مليون حساب، في حين أن الفئة المستهدفة تتراوح ما بين 22 و25 مليون مواطن، مما يستدعي تغيير المقاربة المعتمدة حاليا للتشجيع على الاداء الإلكتروني.
ودعا المصدر نفسه إلى ضرورة الانتقال من الاعتماد الحصري على البطائق البنكية إلى تعميم الأداء عبر الهواتف الذكية، مستحضرا التجربة الكينية الرائدة عالميا في هذا المجال، حيث شدد على أن انتشار الهواتف في القرى والمداشر والمناطق النائية يتيح فرصة ذهبية لتعميم الخدمات المالية الرقمية وتقليص الفجوة الرقمية، مما سيمكن فئات عريضة من المجتمع من الانخراط في المنظومة المالية الرسمية.
وشدد جدري على ضرورة سن إجراءات صارمة للحد من التعاملات النقدية بمبالغ كبيرة، مطالبا بمنع “الكاش” في المعاملات العقارية التي تتجاوز سقفا محددا، حيث انتقد استمرار شراء عقارات بمبالغ تتجاوز 50 أو 60 مليون سنتيم نقدا، مؤكدا أن ضبط هذه العمليات ضروري لضمان الشفافية ومحاربة تبييض الأموال وتمويل الأنشطة المحظورة كالإرهاب.
ونبه المتحدث إلى أن المغرب مقبل على تحديات دولية كبرى، أبرزها تنظيم كأس العالم 2030 بشراكة مع إسبانيا والبرتغال، مما يفرض تأهيل الترسانة المالية والرقمية لتواكب المعايير الدولية، مشيرا إلى أنه لا يعقل أن يجد السياح والمشجعون القادمون من دول تعتمد الرقمنة الشاملة أنفسهم مضطرين لاستعمال النقد في بلد يطمح لمنافسة دول أوروبية متقدمة في هذا المجال.
وأفادت التقارير الدولية التي بنيت عليها هذه المعطيات أن المغرب يتموقع في منطقة وسطى عربيا رفقة تونس وعمان، بينما تصدر لبنان القائمة بنسبة اعتماد على النقد بلغت 90 بالمائة، متبوعا بالعراق ومصر والأردن، في حين سجلت دول الخليج كالإمارات والبحرين والسعودية أدنى معدلات استعمال “الكاش” بنسب تراوحت بين 20 و30 بالمائة، مما يعكس تفاوتا كبيرا في تطور الأنظمة المالية بالمنطقة.
المصدر:
العمق