آخر الأخبار

ترتيب الأولويات الاستراتيجية يرسم ملامح السياسة الخارجية المغربية في 2026

شارك

مع مطلع سنة جديدة مثقلة بالتحولات الجيوسياسية العميقة وتسارع الصراعات الجيوسياسية واحتدام التنافس على النفوذ والموارد، تدخل السياسة الخارجية المغربية هذه السنة وهي محكومة، وفق مهتمين، بمنطق ترتيب الأولويات لا التكيف الاضطراري؛ ذلك أن المغرب لا يتحرك داخل هذا المشهد بمنطق ردّ الفعل، بل وفق قراءة استراتيجية دقيقة تعي حجم التحولات الجارية وتداعياتها على الأمن والاقتصاد وموازين القوى الإقليمية والدولية، وتضع حماية المصالح العليا للمملكة في صدارة القرار الدبلوماسي.

وتكشف قراءات باحثين في الشؤون الاستراتيجية والعلاقات الدولية أن المملكة ستراهن على دبلوماسية متعددة الأبعاد، تمزج بين الواقعية الجيوسياسية والبراغماتية الاقتصادية، عبر التأسيس لشبكات شراكة متقدمة تتجاوز منطق المواقف السياسية الظرفية نحو مصالح متبادلة يصعب التراجع عنها؛ من خلال تحصين المواقف الدولية من قضية الصحراء المغربية، وتعميق العلاقات مع الدول الإفريقية والأوروبية، والحفاظ على توازن دقيق في علاقاتها الدولية، بما يرسم معالم سياسة خارجية تسعى إلى التموضع الذكي وتعزيز الاستقلالية الاستراتيجية في عالم تتزايد فيه الضغوط والتجاذبات.

ثوابت سيادية وشراكات متعددة

في هذا الصدد، قال هشام معتضد، باحث في الشؤون الاستراتيجية، إن “مقاربة الأولويات الاستراتيجية للمغرب في سياسته الخارجية لعام 2026 يمكن أن تتم من زاوية تدبير النفوذ الهادئ لا منطق التمدد الصاخب، حيث تتقاطع الواقعية الجيوسياسية مع ثوابت السيادة؛ فالمغرب يتجه، أولا، إلى تعميق حضوره الإفريقي ليس بوصفه فاعلا عابرا، بل كشريك بنيوي في مسارات الأمن والتنمية”، مؤكدا أن “قضية الصحراء المغربية ستظل هي الإطار الناظم لهذه المقاربة، إذ لم تعد تُدار كملف نزاع؛ بل كمنصة لإعادة تعريف الاندماج الإفريقي عبر الاستثمار والربط الطاقي والبنيات التحتية العابرة للحدود، بما يحوّل الاعتراف السياسي إلى مصالح اقتصادية وأمنية مشتركة يصعب التراجع عنها”.

في البعد الأوروبي، أشار معتضد، في تصريح لهسبريس، إلى أن “أولوية الرباط ستنصبّ على تثبيت منطق الشراكة المتقدمة الواقعية بدل العلاقات الظرفية؛ فالمغرب يسعى إلى تحصين مكتسبات الاعترافات الأوروبية بمغربية الصحراء عبر نقلها من مستوى المواقف السياسية إلى مستوى السياسات العمومية الأوروبية، خاصة في مجالات الهجرة والأمن الطاقي وسلاسل التوريد والدفاع الساحلي”.

وتابع الباحث في الشؤون الاستراتيجية: “أما على مستوى الموازنة بين الطموح الإقليمي والضغوط الجيوسياسية، فإن المقاربة المغربية تقوم على توسيع هامش الحركة دون استفزاز مراكز الثقل؛ فالرباط تدرك أن تعاظم نفوذها الإقليمي، خصوصا في غرب إفريقيا والساحل الأطلسي، يفرض عليها إدارة دقيقة لملفات حساسة مثل التنافس الدولي في إفريقيا والتحولات الأمنية في الساحل والتجاذبات حول الممرات البحرية. لذلك، تعتمد سياسة التقدم المحسوب عبر تعزيز الحضور الاقتصادي والأمني، مع تجنب الخطاب التصادمي أو الانخراط في محاور صلبة”.

وشدد المتحدث عينه على أن “الدبلوماسية الاقتصادية تمثل أداة توازن أساسية، إذ توظف المملكة الاستثمار والبنوك واللوجستيك والطاقات المتجددة كوسائل نفوذ ناعمة تقلّص كلفة الصراع وتُحوّل المنافسة إلى شراكات متقاطعة”، لافتا إلى أن “هذا الخيار يسمح للرباط بتعزيز دورها الإقليمي دون أن تُقرأ خطواتها كتهديد مباشر، سواء من قِبل قوى إقليمية منافسة أو فاعلين دوليين كبار”.

وذكر معتضد أن “المغرب يرسّخ نموذجا يقوم على تعدد الشراكات لا ازدواج الولاءات، إذ ينفتح على الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والصين وروسيا والقوى الصاعدة، من منطلق المصالح المتبادلة والملفات القطاعية لا من منطق التحالفات المغلقة”.

وأبرز الباحث في الشؤون الاستراتيجية أن “صانع القرار المغربي يدرك أن منطق الاصطفاف في السياق الدولي الراهن يحمل مخاطر استراتيجية طويلة الأمد؛ لذلك يحرص على الحفاظ على استقلالية القرار، مع إرسال إشارات طمأنة متوازنة لكل الشركاء”.

وخلص إلى أن “السياسة الخارجية المغربية في 2026 ستكون دون شك امتدادا لخط استراتيجي ناضج، يقوم على تحويل الجغرافيا إلى فرصة، والسيادة إلى رافعة دبلوماسية، والتوازن إلى أداة قوة؛ من خلال دبلوماسية لا تسعى إلى الهيمنة، بل إلى التموضع الذكي داخل نظام دولي مضطرب، حيث تُقاس القوة بقدرة الدولة على الصمود والمناورة، لا فقط بحجم النفوذ الظاهر”.

علاقات اقتصادية واستراتيجية هادئة

في سياق متصل، أوضح جواد القسمي، باحث في العلاقات الدولية والقانون الدولي، أنه “من خلال تتبع السياسة الخارجية المغربية والدينامية التي تعرفها، وكذا التحولات الجيوسياسية الكبرى المتسارعة، يمكن القول إن استراتيجية المغرب لعام 2026 لا يمكن إلا أن تكون استكمالا للأوراش والخطوات الكبيرة والناجحة التي حققتها المملكة؛ حيث ستكون قضية الصحراء المغربية على رأس الأولويات، وسيسعى المغرب سنة 2026 إلى توسيع دائرة الاعتراف بمغربية الصحراء واستهداف دول أخرى مؤثرة في مناطق معينة، مثل أمريكا اللاتينية وبعض الدول الإسكندنافية مثلا”.

وزاد القسمي في تصريح لهسبريس: “في المناطق الجنوبية للمملكة، سيعمق المغرب علاقاته الاقتصادية مع مجموعة من الشركاء، في خطوة تعكس تزكية الخطوات الدبلوماسية؛ كفتح القنصليات، بتشجيع الاستثمارات الكبرى في المنطقة، خاصة في مشاريع واعدة كالهيدروجين الأخضر والبنية التحتية، مثل الميناء الأطلسي بالداخلة، لتكريس الاعترافات وجعلها واقعا اقتصاديا معاشا”.

وسجل الباحث في العلاقات الدولية والقانون الدولي أن “سنة 2026 قد نشهد كذلك بداية أجرأة المبادرة الأطلسية لتمكين دول الساحل من الولوج إلى المحيط الأطلسي؛ من خلال التمويل والبنية التحتية واللوجستية. بالإضافة إلى أن هذه السنة قد نرى فيها تحولا في وتيرة مشروع أنبوب الغاز نيجيريا–المغرب، خاصة في ظل التنافس الدولي على موارد الطاقة والحاجة الأوروبية المتزايدة وعدم الثقة في مواقف بعض الأطراف المصدّرة. كما قد نشهد زيادة في استثمارات المكتب الشريف للفوسفاط في القارة الإفريقية، باعتباره ذراعا دبلوماسية ناعمة تقوي مكانة المملكة في القارة لضمان الأمن الغذائي الإفريقي”.

ورجح المتحدث ذاته أن “يسعى المغرب جاهدا إلى استثمار الزخم الإيجابي بينه وبين فرنسا وإسبانيا لتقوية شراكاته الاقتصادية والأمنية مع هاتين الدولتين، مع التأكيد على أن أية شراكة لا يمكن أن تكون انتقائية، بل عبارة عن حزمة واحدة (تجارة وأمن وهجرة)، وتشمل كل التراب المغربي بما فيه الأقاليم الجنوبية للمملكة”.

وعلى المستوى الإقليمي، أكد الباحث سالف الذكر أنه “بالرغم من التحديات التي يواجهها المغرب في محيطه، من توتر مع الجزائر وعدم استقرار منطقة الساحل؛ فإن المغرب سيبقي على نهج الموازنة بين طموحه على المستوى الإقليمي والضغوط الجيوسياسية، عبر استراتيجية هادئة وحازمة في الآن ذاته؛ إذ سيبقي على سياسة اليد الممدودة مع الجار الشرقي، مقابل الحفاظ على الجاهزية الدفاعية والتنسيق الأمني والاستخباراتي ومحاربة التطرف في الساحل، والاهتمام بالتنمية الداخلية بدل السقوط في فخ مجاراة الاستفزازات”.

وذكر القسمي أن “المغرب سيحافظ، على المستوى الدولي، على سياسته الناجحة عبر تعدد الشركاء؛ شراكة استراتيجية مع الغرب وأمريكا، وشراكة براغماتية مع الصين عبر دعم وتشجيع الاستثمارات الصينية في قطاع السيارات والبنية التحتية، بالإضافة إلى شراكة متنامية مع روسيا في الفلاحة والصيد البحري وقطاعات أخرى، ومواقف متوازنة في قضايا حساسة لموسكو، كالحرب الأوكرانية، تضمن حياد روسيا في قضية الصحراء”.

هسبريس المصدر: هسبريس
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا