في ظاهرة لم تشهدها الأسواق العالمية منذ نحو نصف قرن، تجاوز سعر أونصة الفضة سعر برميل النفط، ما يعكس تحوّلًا دراماتيكيًا في موازين العرض والطلب على المواد الخام في عام 2025. فقد قفزت أسعار الفضة إلى 76.48 دولارًا لـ”الأونصة الترويسية”، متفوقة على سعر خام غرب تكساس الوسيط، الذي أغلق الأسبوع عند 56.74 دولارًا للبرميل.
ورغم أن هذا التغير غير المسبوق في ترتيب القيم بين سلعتين استراتيجيتين قد يبدو حدثًا عابرًا، إلا أن سياقاته وأسبابه تكشف عن تحولات أعمق في الاقتصاد العالمي، ترتبط بتراجع الطلب على الوقود الأحفوري من جهة، وازدهار الصناعات المرتبطة بالتكنولوجيا والطاقة المتجددة من جهة أخرى.
فعلى غرار الذهب، تشهد الفضة إقبالًا واسعًا من المستثمرين الراغبين في التحوّط من تقلبات العملات، وعلى رأسها الدولار الأميركي. غير أن ما يميز الفضة عن الذهب هو استخدامها الكثيف في القطاعات الصناعية، وعلى وجه الخصوص في صناعة السيارات الكهربائية، والأجهزة الطبية، والمجوهرات، والمراكز التقنية، والطاقة الشمسية.
وبحسب تقديرات محللي “سيتي غروب”، فإن الصناعة الشمسية وحدها تستهلك ما يقرب من 30% من الإنتاج السنوي للفضة، وسط ازدهار مشاريع الطاقة النظيفة في الصين وأوروبا، رغم التباطؤ الملحوظ في هذا القطاع داخل الولايات المتحدة.
ويقول جون تشيامباليا، الرئيس التنفيذي لشركة “سبروت أسيت مانجمنت”، التي تدير صناديق استثمارية تحتفظ بمعدن الفضة فعليًا: «رغم التراجع النسبي في الإنفاق على الطاقة الشمسية داخل أمريكا، فإن الصين والدول الأوروبية ماضية بقوة في خططها، وهو ما يعزز الطلب المستدام على الفضة».
وتواجه سوق الفضة تحديات كبيرة على مستوى الإمداد. فمعظم المناجم التي كانت تُنتج الفضة بشكل أساسي قد نضبت أو لم تعد مجدية اقتصاديًا. اليوم، يُستخرج المعدن بشكل رئيسي كمنتج ثانوي خلال عمليات استخراج النحاس والزنك والذهب، مما يعني أن زيادة العرض لا ترتبط مباشرة بارتفاع الطلب على الفضة نفسها.
ونتيجة لذلك، يُتوقع أن تعتمد السوق بشكل أكبر على الفضة «فوق الأرض»، أي تلك المخزّنة في الخزائن، والمجوهرات، والعملات، والأجهزة الإلكترونية القديمة، لتلبية الزيادة في الطلب. والسؤال المفتوح في الأسواق اليوم هو: ما السعر الذي سيدفع حاملي هذه الفضة إلى بيعها؟
ومع ارتفاع أسعار الذهب إلى ما فوق 4500 دولار للأونصة، بدأت العديد من شرائح المستثمرين في التوجه نحو الفضة كخيار أرخص. فعلى سبيل المثال، يُتداول سهم صندوق «iShares Silver Trust»، وهو أكبر صندوق متداول في العالم يحتفظ بالفضة، بسعر 71.12 دولارًا فقط، مقارنة بـ416.74 دولارًا لسهم صندوق «SPDR Gold Shares»، الذي يحتفظ بالذهب.
وفي الهند، التي تُعد من أكبر أسواق المعادن الثمينة، تضاعفت واردات الفضة خلال الأشهر الأخيرة نتيجة صعود الذهب إلى مستويات غير مسبوقة، ما جعل الفضة في متناول شرائح أوسع من المدخرين.
ورغم هذا الزخم التاريخي، شهدت أسواق المعادن في الأيام الأخيرة تقلبًا حادًا أوقف سلسلة المكاسب. ففي جلسة الاثنين الماضي، سجلت الفضة أكبر انخفاض يومي لها منذ خمس سنوات، حيث هبطت بنسبة 8.7%، بعد أن رفعت بورصة العقود الآجلة “CME” هامش الضمان المطلوب للمضاربة على العقود، ما أجبر المضاربين على التصفية السريعة. كما تراجعت أسعار الذهب بنسبة 4.5%، والنحاس بنسبة 4.8%، في ظل جني أرباح واسع النطاق مع اقتراب نهاية العام.
ويقول دانييل غالي، استراتيجي الأسواق في “TD Securities”: “إذا كان هذا هو قمة الدورة الصاعدة للفضة، فإن ذلك قد يؤدي إلى تراجع أوسع في أسعار المعادن الثمينة الأخرى، خاصة إذا تراجع الحماس بين المتداولين الأفراد”.
وقد تباينت التوقعات بشأن مستقبل الفضة. ففي حين يرى محللو «كابيتال إيكونوميكس» أن الأسعار مبالغ فيها، ويتوقعون تراجعها إلى حدود 42 دولارًا للأونصة بحلول نهاية عام 2026، يرى آخرون أن الفضة لا تزال أمامها فرصة كبيرة للارتفاع.
ويستشهد المتفائلون بأن السعر الحالي لا يزال بعيدًا عن الذروة التاريخية المعدلة للتضخم، التي وصلت إلى ما يعادل 200 دولار للأونصة في عام 1980.
على الجانب الآخر، يعيش النفط فترة من التراجع الواضح في الأسعار، مع وفرة في الإنتاج الأميركي الذي وصل إلى 13.5 مليون برميل يوميًا، وتباطؤ في الطلب العالمي، فضلًا عن فشل الجهود الدبلوماسية بين الولايات المتحدة وروسيا وأوكرانيا في تهدئة الأسواق.
وتتوقع “غولدمان ساكس” أن يبلغ متوسط سعر خام غرب تكساس الوسيط 52 دولارًا للبرميل خلال عام 2026، أي أقل من السعر اللازم لتحقيق الربحية لمعظم المنتجين.
ويرى محللون أنه، سواء استمرت الفضة في الصعود أو عادت إلى مستويات أكثر واقعية، فإن تجاوزها لسعر النفط يعكس تحولًا رمزيًا عميقًا: من اقتصاد يقوم على الوقود الأحفوري، إلى اقتصاد تقوده الطاقة النظيفة، والتكنولوجيا، والمعادن النادرة، إذ يبدو أن الفضة وجدت مكانها كأحد مفاتيح المستقبل، في وقت يترنح فيه النفط تحت وطأة التغيرات الجيوسياسية والتحول المناخي.
المصدر:
هسبريس