آخر الأخبار

"من السَّمْطة لَلْفُوق" .. ديوان زجل فدوى بلبداوي يوقظ الحواس من السبات

شارك

السَّمْطة… لغةٌ لا تحتاجُ مُترجمًا

ماذا لو كان لباس الإنسان هو أولُ سيرةٍ ذاتية يكتبها دون أن يدري؟ وماذا لو كانت “السَّمْطة” لغةً اجتماعية تُترجم الانتماء والطبقة والخوف والرغبة في القبول؟ لماذا نضحك على مظهر الآخر… ثم نرتب حياتنا كلها كي لا نكون “هُوَ”؟ من أين تأتي هذه السّلطة الغامضة للتفاصيل الصغيرة: لونٌ، قَصّةٌ، رائحةٌ، نبرةٌ، حركة عين، ثم كيف تتحول الحواس إلى محكمة متنقلة؟ وهل نحن فعلاً نحكم على الناس، أم نكشف عن هشاشتنا نحن؟ ثم لماذا يبدو الصعود في العنوان “منْ السّمْطة لَلْفُوقْ” صعودًا ساخرًا لا وعظيًا: كأنه يقول إن الإنسان يبدأ من شكله قبل أن يصل إلى فكرته؟ وأخيرًا: هل يمكن لزجلٍ ممتع، مكتوب بخط اليد، أن يصير مرآةً أكثر صدقًا من أي خطاب “رصين” عن المجتمع؟

ثلاثة أجيال… وديوانٌ واحد

“من السَّمْطة لَلْفُوق” ليس كتاب شعر بالمعنى المألوف، إنه كيانٌ حيّ يتشكل من ثلاثة أجيال كأنهم يشتغلون داخل ورشة واحدة: الأب الشاعر أحمد بلبداوي يضع نبضه على الورق بخطّ يده، لا ليزيّن المعنى وإنما ليُثبته، كأنه يوقّع على شهادته أمام القارئ: “أنا هنا… بصوتي وبأثري وبحبرٍ لا يختبئ وراء الطباعة”؛ ثم تأتي الشاعرة فدوى بلبداوي لتلتقط الحياة من أضيق شقوقها، من المزاح اليومي، من الأحكام السّريعة، من التفاعلات الاجتماعية التي تبدو تافهة وهي في الحقيقة بنيةٌ كاملة تتحكم في نظرتنا لأنفسنا ولغيرنا. وعلى الغلاف تقف “يارا”، الحفيدة، لا كزينة بصرية، وإنما حلقة تُكمل الدائرة: صورة الغلاف ترجمة صامتة لفكرة الديوان، إعلانٌ بأن هذه الحكاية ليست لحظة عابرة، بقدر ما هي سردٌ مستمرّ يورّث حسّه ويطوّر أدواته. عنوان الديوان وحده كافٍ ليكون بابًا واسعًا للتأويل: “من السّمْطة للْفُوق”؛ هو عنوان دالّ لأنه يشتغل على مستويين في آن واحد: مستوى لغوي قريب من الناس، ومستوًى فلسفي يفتح مسارب السخرية والتفكير. “السّمطة” ليست كلمة بريئة؛ إنها عتبةٌ يدخل منها القارئ إلى عالم الإنسان حين يُختزل في لباسه، وحين يتحول القماش إلى هوية، واللون إلى حكم، والتفصيل إلى معيار قاسٍ يسبق المعرفة ويستبق العدل. ثم تأتي “للْفُوقْ”، حركة صُعود لا تعني الارتقاء الأخلاقي فقط، وإنما تعني أيضًا صعود الأسئلة: كيف نرتدي أنفسنا؟ كيف نُخفي أجسادنا أو نعرضها؟ كيف نستعمل الحواس، النظر والسمع والشم واللمس بوصفها أدوات قراءة للآخر، وأحيانًا أدوات إدانة؟ هنا يصبح العنوان مصدر تفكير لأنه يضع القارئ أمام مفارقة مضحكة وموجعة: يبدو الإنسان كأنّه فوق التفاصيل، لكنّ خيوطه تُشدّ من تحت: عادات صغيرة، مخاوف دقيقة، وإيقاعات يوميّة لا يعترف بسلطتها.

فدوى بلبداوي: عقلُ المناجم يشيّد مفارقةً مُحكمة

ولأن الديوان زجلٌ مُمْتع، فهو لا يتعالى على القارئ ولا يطلب إذنًا للدخول إلى ذاكرته. الزجل هنا إيقاع وسلاسة؛ يلتقط المشهد بسرعة، يطلق المفارقة بحدّة، ثم يترك المعنى يعمل ببطء في ذهن القارئ. تفاعلات اجتماعية؟ نعم. ولكنها تفاعلات تُروى كأنها نظام: نظرة سريعة في الشارع، تعليق عابر في مجلس، ابتسامة تحمل احتقارًا، مجاملة تخفي ترتيبًا طبقيًا، سخرية تُقال وتُنسى… كل هذا يتحول في قصائد الديوان إلى مادة شعرية جميلة، وصادقة. وهنا يظهر التفوق المختلف لفدوى بلبداوي: ليست شاعرة تتغذى على الانفعال فقط، هي شاعرة تمتلك عقلًا مُدرّبًا على العلوم الدقيقة، الرياضيات والهندسة والإحصاء تحديدًا، بعقلية خريجة المدرسة الوطنية للمناجم بباريس، ومن تكوينٍ بحثي في الإحصاء بجامعة واشنطن، وبخبرة أستاذة باحثة بجامعة باريس- دوفين والمعهد العالي والتقني الفيدرالي بزيورخ بسويسرا. لا أذَكّرُ بهذا المعطى بوصفه زينة سيرية، إنه خيار يفسّر نَفَس الديوان: هناك “هندسة” خلف السّخرية. المفارقة ليست صدفة، واللقطة ليست عشوائية، والانتقال من الضحك إلى التفكير ليس مزاجًا، بقدر ما هو تصميم محكم البناء؛ كأن القصائد تُدار بمنطق: اختيار أمثلة يومية صغيرة، ثم رفعها تدريجيًا نحو سؤال أكبر، تمامًا كما يفعل العلم حين يبدأ من بيانات متناثرة ليصل إلى نمط، ثم إلى معنى.

الفرق أن الديوان لا يقدّم جداول، بيد أنه يقدّم في المقابل قلوبًا تتعرّى… وهي تضحك. و”الأب”، بخطّ اليد، يضيف طبقة دلالية نادرة على النصوص: طبقة الصدق المادي. في زمنٍ تُنعّم وتُصقل فيه الكلمات حتى تفقد خشونتها الأصلية، تأتي الكتابة بخط اليد كأنها مقاومة تترك للورق ارتجافه، وللحبر ترددُّه، وللسَّطر انحناءه الطبيعي. ولذلك، لا يقرأ القارئ نصًا فقط؛ يقرأ أثرًا إنسانيًا: سرعة اليد، وقفة النفس، ضغط القلم، وحتى المسافة بين الكلمات. أما “يارا”، فوُجودها ليس تفصيلاً لطيفًا؛ قبل أن يدخل القارئ إلى السخرية وإلى تأمل الإنسان ولباسه وجسمه وحواسه، يدخل من الصورة. والصورة حين تأتي من الحفيدة فهي تقول ضمنيًا إن هذا المشروع ليس لحْظة شاعرية عائلية، إنه استثمار رمزي طويل الأمد: الفنّ هنا يُورّث حساسية النظر، ويعيد تعريف “العائلة” بوصفها خلية إنتاج ثقافي. كأن الديوان يعلن، من دون خطابة: نحن لا نكتب لأننا نملك وقتًا… نحن نكتب لأننا نرى، ولأن الرؤية مسؤولية.

من التفاصيل التي تتحكم فينا إلى الأسئلة التي تحرّرنا

القيمة المضافة لهذا الديوان أنه يشتغل مثل سَهْمَين في اتجاهين مُتعاكسيْن: من جهة يهبط إلى التفاصيل التي يعتبرها الناس سطحية؛ ومن جهة يصعد بهذه التفاصيل نفسها لتصبح فلسفة يومية عن الإنسان. هذا الصعود هو قلْبُ العنوان: “من السَّمْطة للْفُوق”؛ ليس لأن “السّمطة” أقل شرفًا، وإنما لأنها نقطة البداية التي نتهرب منها. نحن نتظاهر أننا نعيش في المعنى، بينما نتحرك كثيرًا في الحكم السريع.

والديوان يفضح ذلك بضحكة ذكية: يُضحكك لكي تقترب، ثم يضعك أمام مرآة لا تُجاملك. هكذا نكون بحضرة نصّ يجذب القارئ لأنه يُحسن إدارة التجربة: يمنحك متعة الزجل، ثم يفتح في داخلك مساحة تفكير، ثم يترك أثرًا يلاحقك في الشارع وفي المرآة وفي طريقة نظرك للناس.

ستقرأه بسلاسة لأن لغته قريبة، وستعود إليه ببطء لأن دلالته لاذعة. ستبتسم لأن السخرية لذيذة، وستسكت لأنك ستلتقط نفسك في التفاصيل. وهذا هو ذكاء الديوان: أنه لا يرفع شعارات عن الإنسان… بقدر ما يمسكه من ثوبه، ثم يرفعه إلى وعيه. في هذا الديوان الزجلي، العناوين ليست لافتات تُعلّق على أبواب النصوص؛ إنها أبوابٌ بنفسها، تدخل منها إلى الإنسان في أكثر مواقفه حساسية: شكله، سمعته، عمره، حاجته للاعتراف، وطريقته في تبرير كل ذلك لنفسه. كل قصيدة تبدو كأنها “حالة وجدانية” مستقلة، لكن سرّ المتعة أنها تتضافر لتصنع خارطة طريق واحدة: من المشهد الاجتماعي الصغير إلى الفكرة الكبيرة التي تشتغل في العمق، ومن الضحكة السريعة إلى اللسعة التي تبقى بعد أن يُغلَق الديوان.

حين تصير اللغة أرضًا رخوة تحت أقدامنا

“فَ الحُفْرة” تُمسكك من أول كلمة كما تُمسكك الحياة حين تُسقطك فجأة: حفرة لا تحتاج معولًا كي تُحفر، يكفيها حكمٌ جاهز، تعليقٌ عابر، أو نظرةٌ تُقصيك من “الجماعة” في ثانية. الحفرة هنا ليست مكانًا تحت الأرض، إنها حالة تحت الكرامة. قصيدتها تشتغل مثل سُخرية مُرّة: المجتمع لا يكتفي بأن يرى سقوطك، وإنما يضيف إليه “تفسيرًا” و”قصة” و”حكمًا نهائيًا”، ثم يطلب منكَ أن تبتسم لأن هذا هو “الطبيعي”.

الدهشة أنها تجعل القارئ يفهم أن الحفرة قد تكون في اللغة قبل أن تكون في الطريق، وأن أقسى سقوط هو الذي يحدث حين تُسحب منك شرعية الوجود الطبيعي بين الناس. ثم تأتي “مَشْهور” كأنها الوجه الآخر للحفرة: هنا لا يتم طمر الإنسان، بل رفعه… لكن الرفع ذاته فخّ.

الشهرة في هذا المنطق ليست تتويجًا لقيمة، إنها تعاقدٌ غير مكتوب مع جمهور متقلّب: يصفّق لك اليوم ليأكلك غدًا. القصيدة تفتح أفقًا ساخرًا وعميقًا: قد تكون الشهرة حفرة مقلوبة، حفرة للأعلى، تسقط فيها وأنت تظن أنك تطير. وهنا تتضح براعة العنوان الدالّ للديوان كله: الصعود لا يعني النجاة دائمًا؛ أحيانًا يعني أنك صرت مكشوفًا أكثر، وعرضةً لأن تتحول إلى “مشروع” بدل أن تبقى إنسانًا. ومن هذه الواجهة اللامعة ينتقل الديوان إلى ما يطفئ اللّمعان بلا استئذان: “شيخوخة” ليست قصيدة عن العمر بقدر ما هي عن الحقيقة حين تتوقف عن المجاملة. الشيخوخة هنا لحظة صفاء قاسية: عندما يتعب الجسد من التمثيل، وتفقد الأقنعة قدرتها على الالتصاق، ويظهر السؤال الأبديّ: من كنتَ حين كان كل شيء يساعدك على الادّعاء؟ وما الذي يبقى منك حين لا يعود الوقت شريكًا في الإيهام؟ ثم يحدث التّحوّل الوجداني الكبير في “إلى روح رشا”؛ فجأة يتغير الهواء: من نقد اجتماعي سريع إلى خطابٍ داخليّ يتهدّج. هذه القصيدة ليست رثاءً تقليديًا، إنها رسالة إلى الغياب باعتباره شكلًا آخر من الحضور. “روح رشا” تصبح مرآة للحيّ: تذكّره بما لم يقل، بما أجّل، وبما ظنّ أنه سيقوله لاحقًا… قبل أن يُغلق الباب. هنا تتجلّى إنسانية الديوان بأعلى طاقتها حين تتحول إلى حكمة حزينة؛ واللغة لا تتهرب من الألم، لكنها تمنحه شكلاً يمكن احتماله. هكذا تُهدي القصيدة القارئ إحساسًا نادرًا: أن الحزن لا يقول الكلمة الأخيرة، وأن مخاطبة الروح إقرارٌ بأن الروابط أعمق من الجسد.

ماذا يريد هذا الديوانُ قوله فعلاً؟ هو يريد أن يوسّع إنسانيكَ، لا أن يكسركَ. أن يمنحكَ عدسة ترى بها الناس قبل تصنيفهم، وترى نفسك قبل تبريركَ. وهذا بالضبط سرّ “الحالات الوجدانية” في الديوان: مشاعر تَنتقلُ بك من الضّحك إلى الوَجع، ومن الوَجع إلى وعيٍ أعمق، ومن الوعي إلى قدرة جديدة على رؤية الحياة كما هي… دون أن تفقد خفة الرّوح.

السَّمْطَة: السيرة الذاتية التي نلبسها

بعد كل قصيدة، أيُّ شيء يتغير في عين القارئ: نظرته للآخر أم نظرته لنفسه؟ وهل يمكن أن نقرأ “التفاعلات الاجتماعية” باعتبارها نظامًا خفيًا يوزّع القيمة على الأجساد والأصوات ثم ندّعي أننا أحرار؟ وإذا كان الديوان قد بدأ من “السّمطة”، فهل انتهى فعلاً “للْفُوقْ”… أم تركنا معلقين في منتصف الطريق حيث الحقيقة موجعة والابتسامة لا تكفي؟ أيُّ “فوق” نقصده: فوق الوعي، أم فوق الادعاء، أم فوق أقنعتنا اليومية؟ وهل سنخرج من هذا النص أكثر رِقةً في أحكامنا، أم أكثر جرأةً في مواجهة أنفسنا؟ ثم السؤال الأخير الذي يظل يرنّ: إذا كان الإنسان يُقرأ من ثوبه… فمتى سنجرؤ أن نقرأه من إنسانيته؟

لنتأمّل؛ وإلى حديث آخر.

هسبريس المصدر: هسبريس
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا