مرة أخرى تعود حاملات الطائرات إلى الواجهة مع سحب الولايات المتحدة الحاملة أبراهام لينكولن من الشرق الأوسط؛ بعد انتقادات لطول مدة بقائها في عرض البحر، وإعادة الحاملة جورج واشنطن إلى المنطقة المشتعلة.
ومع تبديل المواقع بين الحاملتين اللتين تنتميان إلى فئة نيميتز، تتطلع الأنظار إلى حاملة الطائرات جون إف كينيدي التي يتوقع أن تدخل الخدمة العام المقبل لتصبح الثانية ضمن الجيل الجديد فائق التقنية والذي يعمل بالطاقة النووية (جيرالد آر فورد).
فما هي حاملة الطائرات؟ وما الفرق بين الفئتين؟ وما مواصفات حاملة الطائرات المنتظرة؟ ومتى ستدخل الخدمة؟
تسعة أشهر كاملة من الانتشار في البحر منها سبعة أشهر من العمليات في منطقة الشرق الأوسط، كانت مدة طويلة أثارت انتقادات عديدة في الداخل الأمريكي.
وأكد خبراء أن مدة مهمات حاملة الطائرات لا تتجاوز في المعتاد ستة أشهر، وهو ما فتح الباب لانتقادات قادها مشرّعون ديمقراطيون في الكونغرس ودعمتها شكاوى من أسر العسكريين العاملين على متن الحاملة.
واشتعل الجدل بعد تقارير إعلامية عن محاولة اثنين من أفراد طاقم "أبراهام لينكولن" الانتحار بالقفز في البحر، لينتقل الأمر من القادة العسكريين إلى أعلى المستويات السياسية، ويعلن الرئيس دونالد ترمب بنفسه عن قرب استبدالها رغم محاولته الدفاع عن طول مهمتها.
وانتهى الأمر بوصول حاملة الطائرات جورج واشنطن إلى المنطقة، بينما بدأت أبراهام لينكولن رحلة العودة إلى الأراضي الأمريكية التي كانت قد غادرتها في 21 نوفمبر/تشرين الثاني الماضي.
عندما نبدأ الحديث عن حاملات الطائرات، يمكننا تبسيط الأمر بالقول إنها ليست مجرد سفينة ضخمة تحمل طائرات ومروحيات، وإنما هي قاعدة جوية متنقلة يمكنها التنقل إلى مناطق الأزمات دون الحاجة لاستخدام مطاراتها، فهي ببساطة مطارات متنقلة لا تحتاج إذنا من أحد.
وتُعَد الحاملات محور القوات البحرية الأمريكية، إذ توفر مع المجموعة القتالية المصاحبة لها القدرة على تنفيذ الضربات الجوية، والاستطلاع والإنذار المبكر، والحرب الإلكترونية، ومواجهة الغواصات، وحماية طرق الملاحة، فضلا عن مهام الإغاثة الإنسانية.
من جانب آخر، تمتلك حاملات الطائرات قوة سياسية بالنظر إلى تحريكها إلى مكان ما يمكن أن يكون رسالة ردع، لكن أزمة "أبراهام لينكولن" الأخيرة تظهر وجها آخر لهذه القوة، هو أن الحاملة تحتاج إلى آلاف البحارة والطائرات والسفن المرافقة وشبكة هائلة من الإمدادات والصيانة، وبالتالي لا يمكن إبقاؤها في البحر بلا نهاية.
ومن هنا تبرز أهمية "جون إف كينيدي"، فالهدف من الجيل الجديد ليس زيادة القوة فقط، بل إنتاج القوة بكلفة بشرية وتشغيلية أقل.
بالعودة إلى تاريخ حاملات الطائرات في العالم، تأتينا مفاجأة أولى تتمثل في أن أولاها لم تكن أمريكية، حيث كان لبريطانيا السبق في هذا الشأن، بينما كانت الحرب العالمية الأولى توشك أن تضع أوزارها.
واختبر البريطانيون في سبتمبر/أيلول 1918 عمليات لإقلاع الطائرات من على متن الحاملة إتش إم إس أرغوس، التي كان يمكنها نقل ما بين 15 و18 طائرة خفيفة، ثم بنت اليابان السفينة هوشو في عام 1922، وهو العام الذي شهد أيضا دخول الولايات المتحدة للمجال عبر تطوير السفينة جوبيتر التي كانت مخصصة في الأساس لنقل الفحم.
وفي أكتوبر/تشرين الأول جرت أول عملية إقلاع ناجحة من على متن جوبيتر التي تغير اسمها إلى لانغلي وظلت تعمل حتى دمرتها الطائرات اليابانية أوائل عام 1942 خلال الحرب العالمية الثانية.
في أربعينيات القرن الماضي دخل تطور حاملات الطائرات مرحلة مهمة بالتوازي مع الحرب العالمية الثانية ودخول الطائرات المقاتلة النفاثة إلى الخدمة، لتصبح منذ ذلك الوقت سلاحا مميزا لا تملكه إلا الدول العظمى.
وبعد الحرب العالمية الثانية دخلت حاملة الطائرات الأمريكية فورستال الخدمة، تلتها كيتي هوك، قبل أن يأتي الدور على فئة إنتربرايز التي كانت أول حاملة نووية في التاريخ وخدمت لعدة عقود قبل أن تخرج من الخدمة في عام 2012.
وابتداء من النصف الثاني لسبعينيات القرن الماضي، برزت حاملات الطائرات من فئة نيميتز، وأصبحت العمود الفقري للبحرية الأمريكية، حيث مثلت جيلا من الحاملات الضخمة متعددة القدرات والتي تعمل بالطاقة النووية، وكان من أهم هذه السفن:
ودخلت هذه الحاملات الخدمة بين عامي 1977 و1992، وأسهمت في تعزيز التفوق البحري الأمريكي من خلال قدرتها على الانتشار السريع، ودعم العمليات البرمائية، وفرض التفوق الجوي بعيد المدى، لتظل جزءا أساسيا من الأسطول الأمريكي قبل ظهور فئة "جيرالد آر فورد".
في عام 2017، دخلت الحاملة الجديدة إلى الخدمة لتجسد تحوّلا نوعيا في مفاهيم التصميم والتشغيل، استهدف تخطي عيوب الفئة السابقة، خاصة ما يتعلق بالقدرة على تنفيذ عدد أكبر من الطلعات الجوية خلال فترات زمنية قصيرة، فضلا عن خفض تكلفة التشغيل وتطوير عمليات الأتمتة.
وحملت باكورة الفئة الجديدة اسم جيرالد آر فورد (سي في إن 78)، في حين ستكون جون إف كينيدي هي الثانية ويتوقع أن تدخل الخدمة العام المقبل، فيما يتواصل العمل على سفينتين أخريين هما إنتربرايز ودوريس ميلر.
إذا أردنا أن نقارن بين فئتي نيميتز وجيرالد آر فورد، سنجد إزاحة كل منهما في حدود 100 ألف طن، والسرعة نحو 30 عقدة، مع فارق بسيط في الطول يقدر بنحو 333 مترا للأولى مقابل 337 للثانية، كما أن كلا منهما يمكنها حمل ما بين 70 و90 طائرة.
لكن الفارق الأساسي الذي يميز جيرالد آر فورد هو كفاءة إطلاق الطائرات بفضل نظام المقلاع الكهرومغناطيسي، والذي يمكنه تنفيذ الطلعات الجوية بوتيرة أسرع تصل إلى 160 طلعة يوميا يمكن زيادتها إلى 220 عند الضرورة، مقارنة بمعدل 120-140 طلعة لدى فئة نيميتز ذات المقلاع البخاري.
كما أن هناك فارقا مهما آخر، فرغم أن كلا الفئتين تعمل بالطاقة النووية، والمفاعلان في كل منهما ينتجان تقريبا نفس الطاقة الحرارية (نحو 190 ميغاواطا) إلا أن مفاعلات جيرالد آر فورد يمكنها توليد ما يقرب من ثلاثة أضعاف القدرة الكهربائية لنظيرتها في نيميتز.
وبينما توشك "سي في إن 78" على إكمال عامها العاشر في الخدمة، تتطلع الأنظار إلى السفينة الثانية من فئة جيرالد آر فورد، وهي "يو إس إس جون إف كينيدي" (سي في إن 79)، التي تشير التوقعات إلى أن دخولها الخدمة سيكون في النصف الأول من العام المقبل.
ويمكن إيجاز أبرز التحسينات التي يتمتع بها الطراز الجديد فيما يلي:
حسب تقارير إعلامية أمريكية، فقد تأخر موعد دخول جون إف كينيدي للخدمة أكثر من مرة، حيث كانت الخطة الأولية تتحدث عن عام 2022 قبل أن يتم التأجيل بسبب تأخيرات في أعمال البناء إلى عام 2025 ثم 2027.
في عام 2009 تم التعاقد على بناء السفينة، وفي عام 2011 تم الإعلان رسميا عن اسمها، وفي عام 2015 تم وضع العارضة الأولى للسفينة.
المحلل الأمريكي البارز في شؤون الدفاع والأمن القومي هاريسون كاس، أجاب على هذا السؤال في تقرير بمجلة ناشونال إنتريست (National Interest) الأمريكية، مشيرا إلى وجود بعض المشكلات منها:
وحسب كاس، فمن المفترض أن تخضع السفينة الجديدة قبل التسليم لاختبارات القبول من هيئة التفتيش والمسح التابعة للبحرية الأمريكية، والتي تشمل مراجعة دقيقة لأنظمة الدفع وأنظمة القتال وعمليات الطيران، إضافة إلى أنظمة الدفاع الذاتي ومكافحة الأضرار.
وتُعَد اختبارات هيئة التفتيش والمسح التابعة للبحرية الأمريكية بمثابة اختبار نهائي، ولكن وفقا للمعايير المتوقعة من سفينة حربية تبلغ تكلفتها 13 مليار دولار. وإذا اكتشفت البحرية أي مشاكل خلال هذه الاختبارات، وهو أمر يحدث بشكل متكرر، فسوف يتأخر التسليم.
وحسب كاس، فإن هناك أسبابا للثقة في مقدمتها أن المفاعلات تعمل وأن السفينة موجودة بالفعل في البحر، لكنه يشير إلى أهمية الحذر إزاء التوقيتات المتعلقة بالسفن من فئة فورد، بالنظر إلى "تاريخ حافل بالتأخيرات المتكررة ومشكلات تكامل البرمجيات وصعوبات الاعتماد".
في الختام، تبرز المفارقة التي تقول إن الأنظمة التكنولوجية التي تجعل كينيدي أكثر تطورا هي نفسها التي ساهمت في تأخيرها من عام 2022 إلى 2027، بتأخير يقترب من أربع سنوات ونصف.
فما الذي تستطيع هذه "المدينة النووية العائمة" فعله؟ هذا ما سنراه في قادم السنوات.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة