يبدو أن طبيعة التنافس الانتخابي في “دائرة الموت” بحي المحيط بالرباط، تجعل من هذه الدائرة واحدة من أكثر الدوائر الانتخابية التي تستقطب الاهتمام، في ظل احتدام الصراع بين مختلف القوى والمرشحين الطامحين إلى الظفر بالمقاعد الأربعة المخصصة لها في مجلس النواب. وتكتسب الدائرة أهميتها من موقعها داخل العاصمة ومن ثقلها الانتخابي، فضلا عن كونها تضم أحياء ذات رمزية سياسية واجتماعية.
ووفق ما عاينته هسبريس خلال فحص النتائج المترتبة على العملية الانتخابية في محطتي 2016 و2021 (وهما المحطتان البارزتان بعد دستور 2011 وانتخابات السنة ذاتها)، يظهر أن هذه الدائرة ظلت، خلال هذه السنوات، مسرحا لتغير موازين القوى من استحقاق انتخابي إلى آخر، ما يجعل نتائجها مفتوحة على أكثر من احتمال، ويمنح المنافسة فيها طابعا خاصا.
في اقتراع 8 شتنبر 2021، تصدر حزب التجمع الوطني للأحرار النتائج بـ15888 صوتا، متبوعا بحزب الأصالة والمعاصرة بـ7076 صوتا، ثم حزب الاستقلال بـ4545 صوتا، والحركة الشعبية بـ4299 صوتا، وهي الأحزاب الأربعة التي حصدت المقاعد. وجاء حزب العدالة والتنمية خامسا بـ4028 صوتا، ثم تحالف فدرالية اليسار بـ2650 صوتا، والاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية بـ2446 صوتا، والتقدم والاشتراكية بـ2210 أصوات، ثم الاتحاد الدستوري بـ1170 صوتا، والحزب الاشتراكي الموحد بـ1160 صوتا.
وفاز بالمقاعد الأربعة عبد الرحيم واسلم عن “الأحرار”، ومحمد المهدي بنسعيد عن “البام”، وعبد الإله الإدريسي البوزيدي عن “الاستقلال”، ونبيل الدخش عن “الحركة الشعبية”، فيما فقد محمد نبيل بنعبد الله، الأمين العام لحزب التقدم والاشتراكية، كل حظوظه في نيل مقعد نيابي عن الدائرة ذاتها، كما فقد حزب تحالف فدرالية اليسار مقعده بعد اعتزال عمر بلافريج العمل السياسي وترشيح الحزب مريم بنخويا.
أما في انتخابات 7 أكتوبر 2016، فقد تصدر حزب العدالة والتنمية دائرة الرباط ــ المحيط بـ29531 صوتا، وحصل بذلك على مقعدين، فيما جاء حزب الأصالة والمعاصرة ثانيا بـ15358 صوتا، وفازت لائحته بمقعد واحد، ثم تحالف أحزاب فدرالية اليسار الديمقراطي بـ8048 صوتا ومقعد واحد. وحل التجمع الوطني للأحرار رابعا بـ3762 صوتا، متبوعا بالحركة الشعبية بـ2722 صوتا، ثم الاستقلال بـ2629 صوتا، والاتحاد الدستوري بـ1941 صوتا، والاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية بـ1109 أصوات، والتقدم والاشتراكية بـ776 صوتا.
وكان الفائزون بالمقاعد الأربعة هم: محمد الصديقي وعبد اللطيف بن يعقوب عن العدالة والتنمية، وعبد الفتاح العوني عن الأصالة والمعاصرة، وعمر بلافريج عن تحالف فدرالية اليسار الديمقراطي.
بين الاستحقاقين السابقين، سواء في محطة 2016 أو محطة 2021، تكشف الأرقام عن تحول واضح في الخريطة الانتخابية للدائرة. فقد فقَد العدالة والتنمية 25503 أصوات، منتقلا من 29531 إلى 4028 صوتا، وهو أكبر تراجع مسجل بين الأحزاب التي شاركت في الاستحقاقين، وترجم ذلك إلى فقدان الحزب مقعدين والخروج من دائرة الفائزين، لتنضاف إلى مستويات تراجع أخرى أنهت حظوظ “المصباح” في تشكيل فريق نيابي في الولاية التشريعية (2021-2026).
وتراجع “البام” بـ8282 صوتا، من 15358 إلى 7076 صوتا، لكنه حافظ على مقعده. وفقدت فدرالية اليسار 5398 صوتا، من 8048 إلى 2650 صوتا، وخسرت بذلك المقعد الذي حصلت عليه سنة 2016. في المقابل، حقق حزب التجمع الوطني للأحرار زيادة بـ12126 صوتا، من 3762 إلى 15888 صوتا، وانتقل من خارج المقاعد إلى المقعد الأول.
وارتفعت أصوات الحركة الشعبية بـ1577 صوتا، من 2722 إلى 4299 صوتا، ما مكنها من انتزاع المقعد الرابع، فيما زاد رصيد الاستقلال بـ1916 صوتا، من 2629 إلى 4545 صوتا، ليحصل بدوره على مقعد.
كما سجل الاتحاد الاشتراكي زيادة بـ1337 صوتا، والتقدم والاشتراكية بـ1434 صوتا، رغم عدم ترجمة الزيادة في الحالتين إلى مقعد. وعلى مستوى المقاعد، انتقلت الدائرة من توزيع في 2016 بلغ مقعدين للعدالة والتنمية ومقعدا للأصالة والمعاصرة ومقعدا لفدرالية اليسار، إلى توزيع في 2021 بين أحزاب “الحمامة” و”الجرار” و”الميزان” و”السنبلة”، بمقعد واحد لكل حزب.
وتبرز الانتخابات الجزئية التي جرت في 12 شتنبر 2024 كحلقة إضافية في هذا المسار. فقد شغر مقعد التجمع الوطني للأحرار الذي كان يشغله عبد الرحيم واسلم، بعد قرار المحكمة الدستورية تجريده من عضويته، لتجرى انتخابات جزئية انتهت بفوز سعد بنمبارك عن الحزب نفسه بنسبة 46.42 في المائة من الأصوات، متقدما على مرشح الاتحاد الاشتراكي بـ29.67 في المائة، والعدالة والتنمية بـ15.49 في المائة، وفدرالية اليسار الديمقراطي بـ8.42 في المائة. وبذلك حافظ “الأحرار” على المقعد الذي كان قد انتزعه في اقتراع 2021، لكن عبر مرشح جديد.
في أفق اقتراع 2026، أصبحت صورة الترشيحات المعلنة أكثر وضوحا. فالأصالة والمعاصرة أعلن ترشيح عضو قيادته الجماعية محمد المهدي بنسعيد وكيلا للائحته، وهو الذي سبق أن فاز بمقعد بالدائرة سنة 2021. والعدالة والتنمية زكّى القيادي والناطق الرسمي باسم الحكومة السابق مصطفى الخلفي وكيلا للائحة الرباط ــ المحيط ضمن لائحته الرسمية لوكلاء الدوائر المحلية.
أما الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية فاختار عبد الكريم بنعتيق، الوزير المكلف بالمغاربة المقيمين بالخارج سابقا، وكيلا للائحته بالدائرة، بعد أن زكى في الاستحقاقات السابقة بدر طنشري الوزاني، وهو ما يرفع حدة المنافسة في هذه الدائرة ذات الطابع الاستراتيجي التي تعتبر أيضا من “دوائر الموت”.
وفي انتظار الأوراق التي سيشهرها كل حزب عبر مرشحه في هذه الدائرة البارزة لتكون بمثابة مفاصل الحسم في النتائج العامة، فقد حسم حزب التجمع الوطني للأحرار صفوف الترشيح لصالح طه الجماني وكيلا للائحة الحزب بدائرة الرباط ــ المحيط. كما جدد حزب الاستقلال ثقته في عبد الإله البوزيدي وكيلا للائحته بالدائرة، واختار حزب التقدم والاشتراكية رشيد ساسي وكيلا للائحته.
أما الحركة الشعبية فاختارت نبيل الدخش لتمثيلها بالدائرة، وهو النائب الحالي عن الدائرة في الولاية التشريعية المنتهية. وبالنسبة إلى فدرالية اليسار الديمقراطي، فقد استقر الاختيار، بعد مسار داخلي وتطورات لاحقة، على عمر محمود بنجلون وكيلا للائحة، بعدما كان اسم فاروق المهداوي قد طُرح في مرحلة سابقة، وسط توترات ما زالت رائجة داخليا بعد طعن المهداوي رسميا في هذا الترشيح.
وبذلك، فإن قائمة وكلاء اللوائح المعلنة التي أمكن توثيقها إلى حدود اللحظة تضم، دون ترتيب تفضيلي: طه الجماني عن التجمع الوطني للأحرار، ومحمد المهدي بنسعيد عن الأصالة والمعاصرة، وعبد الإله البوزيدي عن حزب الاستقلال، وعبد الكريم بنعتيق عن الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، ومصطفى الخلفي عن العدالة والتنمية، ونبيل الدخش عن الحركة الشعبية، وعبد المجيد بركاش، وكيل لائحة حزب الاتحاد الدستوري، فضلا عن رشيد ساسي عن التقدم والاشتراكية، وعمر محمود بنجلون عن فدرالية اليسار الديمقراطي.
وتظل هذه الخريطة مرتبطة بما أعلنته الأحزاب من تزكيات إلى حين إغلاق باب إيداع الترشيحات والإعلان عن اللوائح المقبولة رسميا.
حسابيا، تدخل دائرة الرباط ــ المحيط انتخابات 2026 بأربعة مقاعد فقط، مقابل تعدد أكبر في اللوائح والأسماء. وتُظهر نتائج 2016 و2021 أن المقاعد الأربعة يمكن أن تنتقل بين أحزاب مختلفة من استحقاق إلى آخر: فالعدالة والتنمية انتقل من مقعدين إلى صفر، وفدرالية اليسار من مقعد إلى صفر، بينما انتقل الأحرار من خارج المقاعد إلى مقعد، ودخل الاستقلال والحركة الشعبية إلى تركيبة الفائزين.
كما أن انتخابات 2024 (الجزئية) أظهرت أن المقعد الواحد يمكن أن يُعاد التنافس عليه داخل الدائرة نفسها خارج موعد الانتخابات العامة. لذلك، فإن الحساب الانتخابي المفتوح في 2026 لا يتعلق فقط بالمقاعد الأربعة في حد ذاتها، وإنما أيضا بقدرة كل لائحة على تحويل رصيدها من الأصوات إلى تمثيلية برلمانية وفق نتيجة الاقتراع والقاسم الانتخابي، دون أن تسمح نتائج 2016 أو 2021 وحدها بحسم شكل التوزيع المقبل للمقاعد.
المصدر:
هسبريس