في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
تحل هذا العام الذكرى الـ 250 لاستقلال الولايات المتحدة عن بريطانيا، وظهورها دولة مستقلة وكاملة السيادة على المسرح الدولي في عام 1776. لم يكن يتوقع أحد أن تؤول مؤسسات الدولة الأمريكية إلى وضعها الحالي، أو أن يصبح دونالد ترمب في البيت الأبيض. بيد أن صعود ترمب اليوم ليس حدثا غريبا لمن يقرأ تاريخ أمريكا بعناية، بل يمكن رؤية جذوره وهي تتشكل على مدار 50 عاما، بدأت برئاسة نيكسون ثم صعود الرأسمالية النيوليبرالية في الثمانينيات والتسعينيات، وأخيرا وصول جورج بوش الابن إلى السلطة مع الألفية الجديدة وإعلانه حربي أفغانستان والعراق، اللتين وصلتا إلى ذروتهما بين عامي 2007 و2011، بالتزامن مع الأزمة المالية العالمية آنذاك.
"كان ديك تشيني الجسر بين تحولات نيكسون وريغان من جهة، وعصر ترمب من جهة أخرى"
منذ 50 عاما، حين حلت الذكرى المئوية الثانية لاستقلال الولايات المتحدة، لم يكن المجتمع الأمريكي في وضع مختلف جذريا، بل وقف وجها لوجه مع حرب فيتنام التي شكلت صدعا كبيرا في الرأي العام الأمريكي، وفتحت الباب أمام جيل جديد من القيادات الطلابية والسياسية، كما فعلت حرب غزة في العامين الأخيرين. كما واجهت الدولة الأمريكية حينها رجلا من خارج النخبة مقارنة بسابقيه، وهو الرئيس ريتشارد نيكسون، الذي أثيرت معه الأسئلة حول حدود سلطة الرئاسة في مواجهة الكونغرس، وكيف يحكم المجتمع الأمريكي، ومن يملك السيادة المطلقة على المؤسسات الفيدرالية، وهي أسئلة تكررت بصورة أشد ليس إلا مع صعود ترمب قبل 10 سنوات، ثم مع عودته للرئاسة مطلع العام الماضي.
في القلب من كل تلك التحولات برز شخص كان بمثابة الجسر بين تحولات نيكسون وريغان من جهة، وعصر ترمب من جهة أخرى، وهو ديك تشيني، نائب الرئيس الأكثر نفوذا كما يرى كثيرون، والذي وصل إلى البيت الأبيض رفقة جورج بوش الابن عام 2000، حاملا إرثا طويلا من الفكر السياسي والقانوني الذي أرسى مبدأ ترسيخ سلطة الرئاسة الأمريكية، وفتح الطريق -دون أن يدري- أمام جيل جديد من الجمهوريين، وأمام حركة "ماغا"، الأشد ثورية منه في رؤيتهم للسلطة وممارستها، وللهوية الأمريكية، ولدور واشنطن في العالم.
"كان تشيني يجلس في الكونغرس ويشاهده وهو ينقض على سلطة الرئاسة، ويبدو أنها صدمة لم يتجاوزها أبدا"
بواسطة جون دين، محامي نيكسون، واصفا سنوات تشيني في الكونغرس بين عامي 1979-1989
الزمان هو 17 أكتوبر/تشرين الأول 1974. المكان هو الكابيتول كما يعرف؛ مقر الكونغرس الأمريكي. القاعة مكتظة بالصحفيين وصوت التقاط الصور لا يتوقف. في المقاعد الأمامية يجلس أعضاء اللجنة القضائية بالكونغرس متأهبين لجلسة الاستجواب. العالم على موعد مع مشهد لم يحدث منذ 112 عاما، حين حضر الرئيس الأمريكي أبراهام لينكولن بنفسه كي يستجوب أمام اللجنة ذاتها.
عند مدخل القاعة يظهر الرئيس الأمريكي جيرالد فورد حاملا قبعته، خاليا من أي هيبة توحي بأنه رئيس البلاد، وعلى مسافة ليست ببعيدة يقف ديك تشيني، الشاب ونائب مساعد الرئيس الذي سيصبح رئيس هيئة موظفي البيت الأبيض في غضون عام. موضوع الاستجواب هو العفو الذي منحه فورد للرئيس السابق ريتشارد نيكسون بعد شهر واحد فقط من استقالته على خلفية فضيحة ووترغيت، وهي الاستقالة التي جلبت فورد، نائب نيكسون، إلى الرئاسة في أغسطس/آب 1974.
كان فورد هو الرئيس الوحيد الذي وصل إلى السلطة دون أن ينتخب مباشرة من الشعب الأمريكي رئيسا أو نائبا للرئيس قبلها، إذ كان نيكسون قد رشحه بديلا لنائبه المنتخب سبيرو أغنيو بعد استقالة الأخير عام 1973، وكان الفضل للكونغرس في اعتماد تعيين فورد نائبا، الذي فتح له الباب للبيت الأبيض بعد سنة واحدة ليس إلا.
دون أن يكون الناخب الأمريكي قد رأى اسمه من قبل في بطاقة اقتراع رئاسية، ومدينا ببعض الفضل للكونغرس في طريقه القصير إلى الرئاسة، لربما استشعر فورد خللا في موازين العلاقة بينه وبين الكونغرس في تلك الفترة، على عكس رؤساء سابقين كثر، أضف إلى ذلك أن الرجل أتى بعد ووترغيت والرأي العام كله متحفز ضد البيت الأبيض وسلطاته، التي حاول نيكسون ممارستها بصورة شبه مطلقة، ما أفرز رغبة في تقليصها.
جلس فورد في المقاعد الأدنى المخصصة للمستجوبين أمام أعضاء اللجنة، وأخذ يعدد تسويغاته للعفو عن نيكسون، السياسية والقانونية على حد سواء. سرى العفو، لكن اللجنة أمرت فورد بألا يصدر أي مراسيم عفو أخرى، أما حجج فورد فلم تكن مقنعة للرأي العام الأمريكي، وساهمت في خسارته الانتخابات الرئاسية عام 1976 أمام الديمقراطي جيمي كارتر.
غير أن النتيجة الأبعد والأعمق لتلك الليلة لم تكن تراجع فرص انتخاب فورد، بل الأثر الذي تركته في نفس تشيني، المسؤول ذو الأعوام الـ 33، الذي جلس يراقب من بعيد، متململا من تضاؤل هيبة الرئاسة الأمريكية، وما اعتبره اختلالا في الموازين بينها وبين الكونغرس. ففي وقت التف فيه الرأي العام والكونغرس حول مهمة تهذيب السلطات التنفيذية للرئاسة، كان تشيني يسبح عكس التيار، ويرى أن السلطة التنفيذية حصرية للرئيس، ولا يحق لأحد أن ينازعه فيها، وهي معركة سيكرس لها مسيرته السياسية الطويلة من الآن فصاعدا.
"يمكننا أن نتناقش حيال مصدر السلطات، لكن أن نغل يدي الرئيس ترومان في مواجهة دولة شمولية أمر مختلف، إن ستالين بوسعه أن يوجه لنا ضربة قاضية في أي وقت"
بواسطة السيناتور هيوبرت همفري، الذي أصبح نائبا للرئيس ليندون جونسون في ذروة حرب فيتنام
في عام 1973، نشر المؤرخ الأمريكي آرثر شليسنيغر كتاب "الرئاسة الإمبراطورية"، كي يشرح ظاهرة تمدد السلطات التنفيذية التي يمارسها رؤساء الولايات المتحدة منذ استقلال البلاد قبل حوالي قرنين. وقال إن السياسة الخارجية كانت عادة مسوغا لتوسيع نطاق ممارسة السلطات الرئاسية، التي طالما وازنها الكونغرس بضوابط وتوازنات في عصور سابقة، إذ إن الانخراط في حروب وصراعات خارج حدود الولايات المتحدة، دفع البيت الأبيض لمنح نفسه صلاحيات إضافية باسم مواجهة الأعداء الخارجيين للبلاد.
بدأت تلك الطفرة التنفيذية مع الرئيس هاري ترومان في مستهل الحرب الباردة، حين تصدرت واشنطن لأول مرة صراعا على مستوى عالمي في مواجهة الاتحاد السوفيتي، وكانت سياسات ترومان فيما يتعلق بالأمن القومي مثيرة للجدل بالفعل في نهاية الأربعينيات وبداية الخمسينيات، لكن قال الديمقراطيون حينها بأنها ضرورية، ودعموا جهود ترومان في تدشين مؤسسات مركزية مختصة بالأمن القومي ولا تخضع إلا للرئيس، مثل وكالة الاستخبارات المركزية ووكالة الأمن القومي.
أخذت تظهر مؤسسات استخبارية وأمنية بصلاحيات ضخمة في تلك الفترة، دون أن تخضع لأطر قانونية ودستورية كافية، ومن ثم صار البيت الأبيض مظلة تمارس باسمها وباسم الحرب على الشيوعية قرارات مثل التجسس في الداخل والخارج، وإخفاء تقارير مجريات الحروب التي شاركت فيها واشنطن عن الرأي العام، حتى وصلت تلك "الرئاسة الإمبراطورية" إلى أقصى مدى ممكن مع حرب فيتنام ورئاسة نيكسون.
"بلغت سلطات الرئيس الأمريكي ذروتها مع حرب فيتنام ورئاسة نيكسون"
على خلفية الحرب الأكثر إثارة للجدل في تاريخ البلاد حتى حينه، انقسم المجتمع إلى موالين للحرب ومعارضين من الطلبة والشباب والنشطاء والصحفيين، الذين مثلوا جيلا جديدا رفض الرئاسة الإمبراطورية، وبدأ يتساءل عن حدود السلطة التي يمارسها البيت الأبيض، المؤسسة التي كانت تحتفي بتاريخها الدستوري في مواجهة الاستبداد السوفيتي كما يفترض، وكان سقوط نيكسون إعلان انتصار ولو جزئي حققه هذا الجيل.
على مدار السبعينيات، سجل الكونغرس عددا من النقاط في معركة تقليص صلاحيات الرئاسة، أهمها قانون صلاحيات الحرب لعام 1973، الذي منع الرئيس من الانفراد بقرار إرسال قوات أمريكية خارج البلاد من أجل مجهود حربي طويل الأمد دون موافقة الكونغرس أو دون هجوم صريح على الولايات المتحدة أو أراضيها أو جيشها. كان ذلك يعني أن سلطات الرئيس بوصفه القائد الأعلى للقوات المسلحة، التي مورست لإرسال مئات الآلاف إلى فيتنام على مدار سنوات، قد قيدت إلى حد كبير، وهو قرار تبناه الحزب الديمقراطي ودعمه المحاربون القدامى الذين رأوا ويلات الحرب بأنفسهم.
بعد 5 سنوات، مرر الكونغرس قانون الأخلاق في الحكومة (EIGA) لعام 1978، الذي منح السلطة التشريعية حق تعيين وكلاء لمراقبة السلطة التنفيذية لضمان عدم إساءة استغلالها من كبار مسؤولي البيت الأبيض بما في ذلك الرئيس نفسه، ومرر أيضا قانون مراقبة الاستخبارات الأجنبية (FISA) لعام 1978، واضعا القيود على إمكانية ممارسة أعمال التجسس داخل الولايات المتحدة.
"كل القيود التي فرضها الكونغرس على سلطة الرئيس كانت هراء من وجهة نظر تشيني"
كانت كل تلك القيود هراء في نظر تشيني، الذي انتخب نائبا بالكونغرس بين عامي 1979-1989، وعانى من هيمنة الديمقراطيين على الكونغرس طيلة رئاسة الجمهوري رونالد ريغان في الثمانينيات. للمفارقة، حين صعد بيل كلينتون الديمقراطي إلى الرئاسة، تحولت الأغلبية في الكونغرس إلى الحزب الجمهوري، ومن ثم استمرت رغبة كلينتون في الالتفاف على الكونغرس، وهو ما يعتبره جد شاغرمان، أستاذ القانون والمؤرخ بجامعة بوسطن، "استمرارا لمعركة الرئاسة مع أجهزة الدولة الإدارية" التي بدأت منذ الثمانينيات، إذ أصر التنفيذيون على أن أجهزة الدولة وتصرف الرئيس فيها لا يجب أن يخضع للرقابة التشريعية.
طبق قانون الأخلاق في الحكومة مرة أخيرة عام 1999، حين استدعي في مواجهة الرئيس بيل كلينتون، قبل أن تنتهي صلاحية القانون في العام نفسه دونما تجديد، وتآكلت قيود الرئاسة بالتدريج تحت إدارات ريغان وبوش الأب وكلينتون، الذين قالوا إن الكونغرس يستخدم صلاحياته لأغراض حزبية، فالكونغرس الجمهوري يضيق على الرئيس إن كان ديمقراطيا، والعكس صحيح.
كان هذا النقاش جاريا بالتزامن مع قرب صعود إدارة جورج بوش الابن ونائبه تشيني عام 2000، وكان جاريا أيضا داخل أروقة القضاء، التي ظهر فيها جيل جديد من القضاة وأساتذة القانون منذ الثمانينيات، يرون في مركزية الكونغرس لمراقبة أداء الدولة تناقضا مع روح الدستور الأمريكي.
"كان الدرس الذي تعلمه الناس من ووترغيت هو مدى خطورة السلطة الرئاسية، أما الدرس الذي تعلمه الجمهوريون فكان أن الضوابط والتوازنات تمثل خطرا عليهم"
بواسطة جد شاغرمان، أستاذ القانون والمؤرخ بجامعة بوسطن
في عام 1933، وبعد 4 أعوام من الكساد الكبير، الأزمة الاقتصادية الأكبر من نوعها في القرن الماضي، وصل فرانكلين روزفلت إلى الرئاسة ببرنامج ضخم لتوسيع الإنفاق الحكومي وتأسيس هيئات فيدرالية تعالج آثار الكساد وأسبابه. وفي تنفيذ برنامجه الذي عرف بـ"الصفقة الجديدة"، سعى روزفلت لامتلاك الصلاحيات الكاملة لتمرير سياساته، لكنه اصطدم برئيس لجنة التجارة الفيدرالية، ويليام همفري، صاحب الآراء اليمينية المتشددة في الاقتصاد، ومن ثم قرر إقالته.
توفي همفري بعد أشهر، لكن محاميه رفع قضية كي تحصل أسرته على راتب الأشهر التي عمل فيها بعد الإقالة، وتحولت القضية إلى نقطة فارقة في موقع السلطة التنفيذية داخل الدولة الأمريكية. هل يحق للرئيس إقالة أي موظف فيدرالي فقط لأنه يقع داخل نطاق سلطاته التنفيذية، أم أن الإقالة مقيدة بوقائع ارتكب فيها الموظف أخطاء أو فسادا؟ هل الهيئات الفيدرالية كلها تنفيذية حصرا، أم أن بعضها يتضمن مهاما قضائية وتشريعية، ومن ثم لا يحق للرئاسة التدخل فيها؟
هيمنت تلك الأسئلة على السجال الذي فتحته القضية، وفي النهاية حكمت المحكمة العليا لصالح همفري عام 1935، وأصبحت القضية حجة على كل من قالوا بأن الرئاسة الأمريكية لديها سلطات مطلقة تجاه أجهزة الدولة، وقد عزز من تلك الرؤية قضية شركة يانغزتاون المرفوعة على وزير التجارة أثناء رئاسة ترومان عام 1952، التي حكمت بأن قرار ترومان بوضع يد الدولة على مصانع الصلب التابعة للشركة أثناء الحرب الكورية، لا يمكن تسويغه بحالة الحرب، ومن ثم قيدت صلاحيات الرئاسة مرة أخرى.
"في الثمانينيات بزغت نخبة قضائية وقانونية محافظة رأت أن الكونغرس تمادى في تقويض سلطات الرئاسة بعد ووترغيت"
بدأت تلك القيود والتحفظات على السلطة الرئاسية تثير موجة مضادة في الثمانينيات، مع بروز نخبة قضائية وقانونية محافظة رأت أن الكونغرس تمادى في تقويض سلطات الرئاسة بعد ووترغيت، ومن ثم تبلور ما عرف بـ"الجمعية الفيدرالية" وهي شبكة ومنظمة مجتمع مدني بدأت تجتذب دارسي القانون أصحاب الرؤى المحافظة، لموازنة "الهيمنة الليبرالية" على دراسة القانون في الولايات المتحدة، ولاستعادة التأويل التقليدي للمادة الثانية من الدستور، التي تمنح الرئيس تصرفا حصريا في السلطة التنفيذية وفقا لرؤية أنصار الجمعية.
على رأس نخبة الجمعية الفيدرالية كان أستاذ القانون ستيفن كالابريسي والقاضي صامويل أليتو والقاضي أنتونين سكاليا، الذين طوروا "نظرية السلطة التنفيذية الموحدة" وقالت النظرية إن أجهزة الدولة بأسرها تقع في المقام الأول داخل نطاق السلطة التنفيذية، ولذا فإنها تخضع حصرا لرئيس البلاد. وقد انشغلت الجمعية وأنصارها بتثبيت أركان السلطة التنفيذية، واستعادة هيبتها، وتحقيق توازن بينها وبين الكونغرس، الذي رأوا إن رقابته على الدولة تجاوزت الحدود التي أرادها الآباء المؤسسون للولايات المتحدة، لكن النظرية اكتسبت أبعادا جديدة مع صعود بوش الابن ونائبه تشيني عام 2000.
مرة أخرى، كانت الحرب هنا هي الحجة الأساسية التي سوغت اللجوء لسلطات استثنائية، ربما لم تعرفها الولايات المتحدة في تاريخها، وكان ذلك لطبيعة العدو الذي واجهته الولايات المتحدة حينها، وهو ليس دولة مثل الاتحاد السوفياتي أو أيديولوجيا مثل الشيوعية، بل تهمة يمكن أن تلصق بأي شخص ومع أي شبهة. لقد كانت الحرب هذه المرة على الإرهاب، وهي كلمة تعذر تعريفها بالكامل قانونيا، ومن ثم ترك للبيت الأبيض سلطة تقرير من هو الإرهابي، وملاحقته بأي وسيلة رآها ملائمة.
"إنني أؤمن بأهمية وجود رئاسة قوية. وأعتقد أن الكونغرس تغول على سلطات الرئيس في السابق، ردا على أحداث مثل حرب فيتنام أو فضيحة ووترغيت"
بواسطة ديك تشيني - يونيو/حزيران 1996
لم تكن هناك لحظة مواتية لتشيني أكثر من الحرب على الإرهاب، كي يفعل ما أراد فعله منذ عام 1974، وهو تعديل طبيعة السلطة التنفيذية بشكل دائم كي يمنح البيت الأبيض سلطات، لا تتيح له فقط أن يكون مركز النظام السياسي الأمريكي في الداخل، بل وأن يمارس مهام "حماية الوطن" وما تتطلبه في أي مكان في العالم دون قيود، ورغم تحفظ الكونغرس على منح الرئاسة صلاحيات موسعة بعد 11 سبتمبر/أيلول، فإن تشيني عزم على المضي قدما بدون انتظار موافقة الكونغرس.
وجد تشيني حلفاء له من الجمعية الفيدرالية، مثل المحامي تيموثي فلانيغان وأستاذ القانون جون يو، الذي يعد واحدا من عرابي "وسائل الاستجواب المعزز" التي استخدمتها الأجهزة الأمريكية لتعذيب واستنطاق من تتهمهم بالإرهاب. وقد عمل الفريق القانوني على صياغة صلاحيات الرئاسة الاستثنائية الجديدة دون الالتفات للعراقيل القانونية، بما في ذلك التجسس والترحيل ومهاجمة أي بلد أو جهة يعتبرها الرئيس خطرا على البلاد، سواء في الداخل أو الخارج.
بالإضافة إلى هؤلاء، عمل المحامي ديفيد أدينغتون، زميل تشيني القديم من رئاسة بوش الأب، في الفريق القانوني الجديد. وكان أدينغتون قد صاغ مع تشيني عام 1987 "تقرير الأقلية" دفاعا عن الرئيس ريغان بوجه الكونغرس على خلفية قضية إيران-كونترا، معتبرين أن ريغان بوصفه القائد الأعلى يحق له رعاية أي صفقة يرى فيها مصالح البلاد.
جرى ما جرى على مدار سنوات الحرب على الإرهاب، وارتكبت السلطات الأمريكية جرائم لا حصر لها في العراق وأفغانستان وغوانتانامو وغيرها، وحصدت إثر ذلك كراهية في شتى أنحاء العالم، لكن تكريس السلطة الرئاسية الاستثنائية لم يتغير كثيرا، فرغم التراجع عن بعض السياسات في عهد أوباما، مثل إغلاق غوانتانامو، لكن بنية السلطة كانت قد تغيرت إلى غير رجعة، بل واستخدمها أوباما بنفسه من أجل سياساته وإن كانت مختلفة عن سلفه.
"غير تشيني وبوش وحربهما على الإرهاب بنية السلطة الأمريكية بلا رجعة"
حين وصل ترمب إلى السلطة عام 2016، لربما استشعر أنه وصل في الوقت المناسب لتلقف كل تلك الصلاحيات. ولكن ترمب مثل طورا ثالثا من نظرية السلطة التنفيذية الموحدة، تكاد تجعلها في تماس مع نظريات شمولية وفقا لتامسين شو، أستاذة النظرية السياسية بجامعة نيويورك، التي قارنت صراحة بين أستاذ القانون الألماني كارل شميت، الفقيه القانوني للنازية، ووليام بار الذي عينه ترمب نائبا عاما في رئاسته الأولى.
وبار عضو أيضا في الجمعية الفيدرالية، وقد تحدث عن سلطة اتخاذ القرار في الرئاسة باعتبارها تتجاوز أي إطار قانوني طالما أنها تلبي مصالح الأمن القومي للبلاد، وأن الرئيس يحق له التصرف بقرارات نافذة، بل وسرية إن أراد. يبدو ذلك مجرد امتداد لفلسفة تشيني وقت إدارة بوش، لكن الانقلاب الجذري هنا كان أن ترمب استخدم تلك الصلاحيات والتعريفات ضد أعداء في الداخل بالأساس، ومع أجهزة الدولة الفيدرالية، وليس من أجل السيطرة عليها مثل تشيني، بل من أجل هز أسسها بالكلية.
في مشروع ترمب، المعروف بمشروع 2025، ثمة صدى لمعركة قديمة من أجل نظرية السلطة التنفيذية الموحدة، حيث تعهد المشروع بطلب إلغاء الحكم في قضية همفري لعام 1935، لأنه لا يزال الأساس الذي تستند عليه حماية موظفي لجنة التجارة الفيدرالية والمؤسسات المشابهة، وهي قيود يراها فريق ترمب غير دستورية. في مشروع ترمب أيضا ما من حديث مستفيض عن حرب على الإرهاب عابرة للحدود، بل تعهدات بإعادة شباب الولايات المتحدة إلى الوطن، وعدم الانزلاق لحروب بلا طائل، وتركيز الأنظار كلها إلى الأعداء في الداخل من أجل إعادة صياغة الدولة الأمريكية.
لقد قطع تشيني نصف الطريق إلى مشروع ترمب بالفعل، رغم أنه مات وهو غير راض عنه. وتشيني في الواقع لم يقطع نصف الطريق لإدارة ترمب بالمعنى القانوني والمؤسسي فحسب، بل وساهم بدوره المركزي مع جورج بوش الابن في ظهور جيل اليمين الراديكالي، الذي أنتجته الحربان الأعلى كلفة اقتصاديا للبلاد منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.
"على مدار تاريخ أمتنا الطويل لم يكن هناك شخص هدد جمهوريتنا بقدر ما هددها دونالد ترمب"
بواسطة ديك تشيني، معلنا موقفه من الانتخابات الرئاسية الأمريكية قبل فوز ترمب
في السادس من يناير/كانون الثاني 2021، وبينما اقتحم متمردون موالون لترمب الكونغرس الأمريكي، جلس تشيني يشاهد مشهدا لم يره من قبل. المبنى الذي طالما حنق على سلطاته المبالغ فيها، ولطالما أراد تقليص رقابته على البيت الأبيض، يُنتهك على الهواء بصورة فوضوية من قبل أنصار ترمب. لعل تلك اللحظة، التي جاءت متأخرة في حياة الرجل، قد جعلته لأول مرة يتعاطف مع الكابيتول، ويقلق من العبث به، لا دفاعا عنه لذاته، لكن دفاعا عما يمثله كأحد دعائم الدولة الأمريكية التي أخلص لها للنهاية.
ما لم يدركه تشيني أن هذا المشهد لم يكن ممكنا لولا الحربين اللتين كان عرابا لهما من داخل البيت الأبيض قبل عقدين بالضبط، ففي اللحظة نفسها، كان العشرات من ضحاياه الذين زج بهم في حربي العراق وأفغانستان يتمردون على الدولة التي خدعتهم. وأبرز هؤلاء لاري بروك، الذي دخل بزيه العسكري وخوذته الخضراء الداكنة، ولم يجتهد لإخفاء هويته، حيث حملت خوذته ودروعه عددا من الملصقات، منها ملصق لشخصية المعاقب من سلسلة "مارفل" الشهيرة، التي أصبحت شعارا لحركة "كيو أينون" اليمينية المتطرفة، وملصق لشعار سرب المقاتلات 706 التابع لسلاح الجو الأمريكي.
كان بروك ضابطا في القوات الجوية، وخاض معارك بالطائرات في أفغانستان في مواجهة طالبان، قبل أن يصبح قائدا ومفتشا للعمليات، ويشرف على طيارين آخرين خدموا في العراق، ثم تقاعد عام 2014، بعد حصوله على ست ميداليات عسكرية. وفي تغريدة له على موقع إكس (تويتر آنذاك) أثناء التجهيز لتمرد الكابيتول، قال بروك إنه يتحرك ضد أي أعداء للولايات المتحدة، حتى لو كانوا في الداخل، وإنه ملتزم بمبادئ حركة "حراس القسم" اليمينية المتطرفة.
لطالما لفت الانتباه عدد من الحركات اليمينية الجديدة في الولايات المتحدة، بالتزامن مع صعود ترمب الأول إلى الرئاسة عام 2016، لكن الحدث الفارق في دراسة تلك الحركات كان تمرد الكابيتول، الذي رن جرس الإنذار، ودفع عشرات من الصحفيين والباحثين والمؤسسات للتعامل مع الظاهرة بوصفها خطرا على الدولة الأمريكية، لا مجرد حركة سياسية متطرفة محدودة الأثر. من بين تلك الحركات، برزت حركة حراس القسم بسبب شعبيتها بين ضباط الجيش والشرطة، السابقين والحاليين، والذين تركز عليهم الحركة في جهود تجنيد أعضائها.
ولذا، في يوليو/تموز 2021، ذهب مايك غيغليو، الصحفي الأمريكي بموقع "ذا إنترسبت" إلى أحد تجمعات الحركة، كي يغطي فاعلياتها وخطابها. لم تكن مفاجأة عقد التجمع في مبنى تابع لجمعية "المحاربون القدامى للحروب الخارجية"، وهي الجمعية الأعرق والأكبر من نوعها في الولايات المتحدة. وقد تكلم أحد الحاضرين ممن خدموا في العراق وأخذ يقص بطولاته، ثم حضر زعيم الحركة بعدئذ وتحدث عن سرقة الانتخابات لصالح بايدن، وكيف يتوجب على أعضاء الحركة أن يعدوا العدة لمواجهة قادمة مع حركات اليسار.
"حروب بوش الخارجية ترتد اليوم إلى الداخل الأمريكي"
في مقاله بعنوان "الارتداد العكسي"، يقول غيغليو إن حروب بوش قبل عشرين عاما، التي كان يفترض أن تأخذ المعركة إلى أعداء الولايات المتحدة للقضاء عليهم، قد عادت إلى الوطن فيما يشبه ردة الفعل العكسية، وأن قطاعا لا بأس به ممن خدموا في حربي العراق وأفغانستان، وتأثروا بمستويات العنف العالية التي مارسوها لسنوات، بالتزامن مع تململهم من الخطاب الرسمي الأمريكي وكفرهم بجدوى الحروب التي ألقوا إليها؛ صاروا في طليعة الحركات اليمينية الجديدة، التي يعيد الكثير منها تعريف الحزب الجمهوري.
يؤكد على تلك الظاهرة تقرير صدر عن مشروع دراسة التطرف بجامعة جورج واشنطن، تتبع المشاركين في تمرد الكابيتول يوم 6 يناير/كانون الثاني 2021، وتوصل إلى أن 118 شخصا من أصل 897 مشاركا كانت لهم خلفيات عسكرية، مشيرا إلى أن تلك الفئة رغم أنها ليست الغالبة على الحركات اليمينية، لكنها محورية في استخدام ثقافتها العسكرية، وتشكل قاعدة أساسية لما بات يعرف بـ"الإرهاب المحلي" في الولايات المتحدة.
حتى نهاية فترة أوباما الأولى، لم تكن تبعات حربي العراق وأفغانستان قد ظهرت للعيان بهذا الشكل، ولم يكن ببال أي من سياسيي الحزبين الديمقراطي والجمهوري أن تلك الحروب يمكن أن تكون لها انعكاسات تقلب الساحة السياسية بشكل جذري. وحين ظهر ترمب لأول مرة، بوصفه وجها جديدا في الحزب الجمهوري يواكب موجة اليمين العالمي، عزف ديك تشيني عن اتخاذ موقف صريح منه عام 2016، وإن أعلن التزامه بدعم المرشح الجمهوري.
بعد تمرد الكابيتول، استشعر تشيني خطر الحركة التي يمثلها ترمب، ومن ثم أخذ موقف المعارضة الصريحة من حملته عام 2024، ودعم كمالا هاريس الديمقراطية في موقف عد مفاجئا لكثيرين. ولكن تشيني لم يكن يناقض مبادئه في الحقيقة، بل يتمسك بكونه محافظا مؤسسيا مؤمنا بالدولة الأمريكية وتحالفاتها الدولية قبل أي شيء، بعد أن رأى مدى ازدراء ترمب وحلفائه لها، بل ورغبته في استغلال سلطاته الرئاسية لتقليص التزامات واشنطن بأمن حلفائها وتقويض المؤسسات الأمريكية.
"تشيني هو من خلق الأدوات التي يستخدمها ترمب لتقويض المؤسسات الأمريكية"
غير أن تشيني بنفسه، مع معارضته لترمب قبل رحيله، لا يزال هو الرجل الذي أسس فعليا للأدوات التي يستخدمها ترمب للالتفاف على البيروقراطية، كما أنه عراب الحرب التي أنتجت جيل الجمهوريين المعادين للمؤسسة والداعمين لترمب، دون إدراك لعواقب الانخراط في حربين بلا هدف واضح لفترة طويلة، على النظام السياسي الذي اتخذ القرار ابتداء، وذلك رغم وجود سابقة تاريخية هي حرب فيتنام الطويلة، التي تاهت أهدافها هي الأخرى في خضم المعارك، وكان لها تأثير هائل على النظام السياسي الأمريكي والمجتمع والجيل الذي حارب هناك لسنوات.
إن كان يقال باستمرار إن ترمب هو أول من أهان حلفاء الولايات المتحدة، فإن إدارة بوش، مجددا، هي التي أرست السابقة الأولى، حين مارست الأحادية في أقصى أشكالها تطرفا، وغزت العراق ضاربة عرض الحائط بالقواعد الدولية والاعتراضات الواضحة من روسيا والصين وفرنسا وألمانيا. في تلك اللحظة استشعر العالم بأسره قبضة البيت الأبيض اللامحدودة، وغير الخاضعة لأي قانون، وليس مواطني الولايات المتحدة فحسب. المفارقة هنا هي أن الجنود الذين حملوا على عاتقهم تنفيذ تلك الأوامر الإمبراطورية، كانوا أول من تمرد عليها.
في أول صفحة من كتاب "الرئاسة الإمبراطورية" لشليسنيغر، يتساءل الكاتب قبل أكثر من نصف قرن وبحروف كبيرة: "كيف وصلت الرئاسة الأمريكية إلى ذلك المستنقع؟ ومتى بدأ رؤساؤنا يفكرون أن لديهم سلطة الكذب والتجسس وشن الحروب السرية ومخالفة القانون والعبث بالعملية السياسية وتجاوز الكونغرس؟" على الأرجح أن الأسئلة ذاتها ما زالت قائمة، والفضل في ذلك بدرجة كبيرة يعود إلى ديك تشيني الذي أبى الرحيل دون أن يترك بصمة وإرثا لن ينساهما أحد، ليس في الولايات المتحدة فحسب، ولكن في العالم بأسره.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة