في الحرب تعرف الأطراف مواقعها، وتعرف الشعوب ما الذي يجري، وتبقى الخطوط السياسية مكشوفة مهما كثرت الخسائر.
أما الهدنة الطويلة والمرتبكة فتفتح مساحة واسعة للغموض، وتحول الصراع من مواجهة مباشرة إلى تفاوض مفتوح على المعاني، والسيادة، والسقف النهائي للتنازلات.
ولهذا تبدو بعض الهدن أخطر من الحرب نفسها؛ لأنها لا تنهي النزاع فعليا، وإنما تعيد صياغته بطريقة أكثر هدوءا وأعمق أثرا.
هدنة كوريا مثال واضح على ذلك. الحرب الكورية توقفت عمليا سنة 1953، لكن السلام لم يوقع حتى اليوم. المنطقة تعيش منذ سبعين عاما داخل هدنة تحولت مع الوقت إلى نظام سياسي كامل.
الحدود بقيت مشتعلة نفسيا وعسكريا، والتحالفات الدولية بنيت على أساس هذا التجميد الطويل، وكوريا الشمالية استخدمت الهدنة لبناء خطابها النووي والعسكري، فيما تعاملت واشنطن مع الوضع باعتباره ملفا قابلا للإدارة أكثر من كونه أزمة تحتاج إلى حل جذري.
هنا لم تعد الهدنة خطوة نحو السلام، وإنما صارت صيغة دائمة لإبقاء التوتر تحت السيطرة.
تبدو بعض الحروب أكثر صدقا من الهدن التي تليها. الحرب تكشف موازين القوى بسرعة مهما كانت قاسية، أما الهدنة الملتبسة فتبقي الجميع داخل انتظار طويل، وتحول السياسة إلى مساحة مفتوحة للتأويل والمساومة
وفي فيتنام ظهر شكل آخر من الهدن السياسية. اتفاق باريس سنة 1973 قُدم يومها باعتباره مدخلا لإنهاء الحرب، لكنه كان في جوهره ترتيبا لخروج الولايات المتحدة من مأزق مكلف عسكريا وشعبيا.
الأمريكيون كانوا يريدون الانسحاب مع الاحتفاظ بصورة القوة الكبرى التي لم تهزم، والفيتناميون الشماليون كانوا يدركون أن الوقت صار يعمل لمصلحتهم.
لذلك جاءت الهدنة أقرب إلى إعادة توزيع للخسارة منها إلى تسوية مستقرة. وبعد أقل من عامين سقطت "سايغون" وانتهت الحرب فعليا بانتصار الطرف الذي كان يعرف أن الهدنة مجرد محطة مؤقتة.
أما في البوسنة فقد تحولت بعض الهدن إلى مساحة إضافية لإعادة ترتيب الوقائع على الأرض. المدنيون في سراييفو كانوا يسمعون عن اتفاقات وقف إطلاق النار، بينما الحصار مستمر، والقتل مستمر، والوقت يستهلك في المفاوضات الدولية.
القوى الكبرى احتاجت وقتا طويلا حتى تتدخل بصورة حاسمة، وخلال ذلك كانت الهدن تمنح الجميع فرصة للمناورة السياسية، فيما يدفع السكان الثمن يوميا.
ولهذا تتعامل بعض الشعوب بحذر شديد مع كلمة "هدنة"، لأنها تعرف أن وقف النار لا يعني بالضرورة وقف المشروع السياسي الذي يقف خلفها.
هذا النوع من الهدن يعود اليوم بصورة مختلفة في المنطقة. ما يجري حاليا لا يشبه اتفاقا واضحا بقدر ما يشبه حالة معلقة مفتوحة على الاحتمالات.
لا يوجد جدول زمني حاسم، ولا تعريف نهائي لماهية التفاهمات، ولا ضمانات مستقرة يمكن البناء عليها. التصريحات تتغير بسرعة، والمواقف الأمريكية ترتبط إلى حد كبير بإيقاع السياسة الداخلية وبشخصية الرئيس نفسه.
يتعامل ترمب مع الملفات الدولية بعقلية رجل الصفقات، وهذا يجعل السياسة الخارجية الأمريكية مرتبطة أحيانا بمزاج اللحظة أكثر من ارتباطها بإستراتيجية طويلة المدى. لذلك تبدو المنطقة وكأنها تعيش داخل هدنة قابلة للتعديل اليومي.
وفي المقابل يخرج الخطاب الإيراني بنبرة تحد مستمرة. المسؤولون يكررون أنهم لا يخضعون للضغوط، وأن القرار السيادي غير قابل للمساومة، وأن البرنامج النووي والصاروخي جزء من حق وطني ثابت.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه هنا: إذا كانت هذه الملفات سيادية إلى هذا الحد، فلماذا تصبح قابلة للنقاش أصلا؟ ولماذا تدخل ضمن طاولات التفاوض إذا كانت خارج أي احتمال للتنازل؟
المشكلة هنا ليست في مبدأ التفاوض نفسه، فكل الدول تفاوض وتتراجع وتقدم تنازلات حين تحتاج إلى ذلك. السياسة أصلا قائمة على إدارة الضغوط، وعلى معرفة اللحظة التي يجب فيها التصلب أو المرونة.
الدولة التي لا تتنازل أبدا تدخل غالبا في عزلة خانقة، والدولة التي تتنازل دائما تفقد قدرتها على الردع. المعادلة السياسية تقوم على التوازن بين الأمرين.
لكن بعض الأنظمة تقع في مأزق مختلف، إذ تحاول أن تقنع جمهورها الداخلي بأنها لم تتراجع إطلاقا، حتى وهي تغير مواقفها تدريجيا تحت ضغط العقوبات، أو التهديد العسكري، أو الاختناق الاقتصادي.
ومن هنا يصبح الخطاب السياسي جزءا من المعركة. فبدل الاعتراف بأن الضغوط أثرت في القرار، يجري تقديم التراجع بوصفه تضحية أخلاقية أو خطوة حكيمة من أجل "مصلحة الأمة" أو "حقن الدماء" أو "تفويت الفرصة على الأعداء".
وهذه اللغة ليست جديدة في السياسة، لكنها تصبح أكثر حساسية عندما يكون الخطاب السابق قائما أصلا على فكرة الصمود المطلق، وعدم تقديم أي تنازل.
لهذا يبدو التناقض واضحا حين يقال يوميا إن الضغوط فشلت، بينما تتحرك المفاوضات أصلا بسبب هذه الضغوط. العقوبات الاقتصادية ليست تفصيلا، والتهديد العسكري ليس مجرد استعراض إعلامي، والتوازنات الإقليمية تغيرت فعلا خلال السنوات الأخيرة. وحتى الحلفاء الذين كانوا يرفعون سقف المواجهة صاروا أكثر ميلا إلى إدارة الأزمة بدل الانفجار الكامل.
ولهذا فإن أي قراءة واقعية للمشهد يجب أن تنطلق من فهم بسيط: لا توجد دولة تفاوض من موقع الفراغ، وكل هدنة تعكس ميزان القوى الحقيقي مهما حاولت البيانات السياسية تجميل الصورة.
الهدن الطويلة تحمل خطرا آخر أيضا، لأنها تدرب الشعوب على التكيف التدريجي مع التحولات الكبيرة. ما كان يعتبر تنازلا مرفوضا قبل سنوات يصبح لاحقا جزءا من النقاش العادي، ثم يتحول بعد فترة إلى أمر واقع.
وهكذا تنتقل المجتمعات من حالة الرفض الحاد إلى مرحلة الاعتياد البطيء. وهذه إحدى أخطر نتائج الهدن غير الواضحة؛ لأنها لا تغير الخرائط العسكرية فقط، وإنما تغير أيضا سقف التوقعات السياسية عند الناس.
لهذا تبدو بعض الحروب أكثر صدقا من الهدن التي تليها. الحرب تكشف موازين القوى بسرعة مهما كانت قاسية، أما الهدنة الملتبسة فتبقي الجميع داخل انتظار طويل، وتحول السياسة إلى مساحة مفتوحة للتأويل والمساومة وإعادة تعريف الثوابت القديمة.
وحين تطول هذه الحالة يصبح السؤال الحقيقي: هل نحن أمام تسوية مؤقتة فعلا، أم أمام بداية تنازلات سيجري تسويقها لاحقا باعتبارها انتصارا عقلانيا فرضته "مصلحة الدولة"؟
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.
المصدر:
الجزيرة