تكشف وثيقة رسمية صادرة عن وزارة الانتقال الرقمي وإصلاح الإدارة، تتضمن الأجوبة الحكومية على توصيات لجنة مراقبة المالية العامة والحكامة بمجلس النواب، عن صورة مركبة ومليئة بالتناقضات لورش التحول الرقمي بالمغرب؛ فمن جهة تستعرض الحكومة عشرات المشاريع والاستراتيجيات والاستثمارات المعلنة في مجالات الإدارة الرقمية والذكاء الاصطناعي والبنيات التحتية والجيل الخامس، ومن جهة أخرى يبرز التقرير البرلماني بشكل واضح أن المغرب ما يزال يعاني من “مجهودات قطاعية تفتقد للالتقائية ولقيادات التغيير”، وهي العبارة التي اختيرت عنوانا رسميا للوثيقة ذاتها.
الوثيقة، التي جاءت في 32 صفحة، لا تقدم فقط حصيلة حكومية، بل تكشف بشكل غير مباشر حجم التعثرات البنيوية التي تعيق الانتقال الرقمي بالمغرب، سواء على مستوى التنسيق المؤسساتي أو الحكامة أو الإطار القانوني أو الموارد البشرية أو جاهزية الإدارات لتبني التحول الرقمي الشامل، وهو ما يعكس بشكل جلي وجود قلق مؤسساتي من بطء وتيرة التحول الرقمي، وتشتت المبادرات بين القطاعات الحكومية، إلى جانب ضعف التنسيق بين المتدخلين.
ومن بين أبرز الخلاصات التي تضمنتها توصيات لجنة مراقبة المالية والحكامة، تأكيدها أن ورش الرقمنة بالمغرب ما يزال يدار بمنطق قطاعي متفرق، حيث تعمل كل إدارة أو مؤسسة بمنظومتها الخاصة، دون وجود قيادة مركزية قوية تضمن الالتقائية بين البرامج والمنصات الرقمية المختلفة.
وفي ردها، أقرت الحكومة ضمنيا بوجود هذا الإشكال، معلنة إطلاق استراتيجية “المغرب الرقمي 2030″، التي تم إعدادها وفق “مقاربة تشاركية موسعة” تضم القطاعين العام والخاص والمجتمع المدني، بهدف توحيد الجهود وتجاوز تشتت المشاريع الرقمية، ملعنة عن إحداث “اللجنة الوطنية للتنمية الرقمية” بموجب مرسوم حكومي سنة 2023، باعتبارها آلية لتتبع الأوراش الرقمية وضمان التنسيق بين مختلف المتدخلين.
غير أن الوثيقة نفسها تكشف أن الحكومة ما تزال بصدد إعداد مشاريع مراسيم وقوانين أساسية مرتبطة بحكامة الرقمنة والتشغيل البيني وتبادل المعطيات، وهو ما يعكس أن جزءا مهما من الإطار التنظيمي للتحول الرقمي لم يكتمل بعد، رغم مرور سنوات على إطلاق عدة أوراش رقمية.
ومن بين أكثر النقاط التي ركزت عليها اللجنة البرلمانية، الاختلالات المرتبطة ببوابة “إدارتي”، التي يفترض أن تشكل واجهة موحدة للخدمات الإدارية الرقمية بالمغرب، حيث أقرت الوزارة بوجود إكراهات تقنية وتنظيمية تعيق الأداء الكامل للبوابة، مؤكدة أنها تعمل على تطوير نسخة جديدة وإطلاق خدمات أكثر تكاملا، من بينها الحساب الرقمي الموحد وتتبع المسارات الإدارية وتبادل المعطيات بين الإدارات بشكل آمن.
كما كشفت الوثيقة أن البوابة تضم حاليا أكثر من 600 خدمة رقمية، لكن نسبة الخدمات المطابقة لقوانين حماية المعطيات الشخصية لا تتجاوز حوالي 50 بالمائة، أي ما يعادل 120 خدمة فقط خضعت للمطابقة القانونية والتنظيمية الكاملة.
وتسعى الحكومة، وفق الوثيقة، إلى تطوير مشروع جديد يحمل اسم “IDARATI X.0″، يقوم على ولوج موحد للخدمات الرقمية عبر محفظة رقمية مرتبطة بالهوية الوطنية السيادية، في خطوة تروم الانتقال نحو إدارة رقمية شاملة ومترابطة.
ومن بين أبرز المستجدات التي كشفتها الوثيقة، شروع الحكومة في إعداد إطار قانوني خاص باستخدامات الذكاء الاصطناعي داخل الخدمات العمومية، في ظل المخاوف المتزايدة المرتبطة بحماية المعطيات الشخصية والشفافية الرقمية.
وأكدت الوزارة أن مشروع قانون رقمنة الخدمات الإدارية يتضمن لأول مرة بابا خاصا بالذكاء الاصطناعي، يقوم على تصنيف الأنظمة حسب درجة المخاطر، مع إلزام الإدارات بإخبار المرتفقين عند استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي وضمان عدم التمييز والرقابة البشرية المستمرة. كما كشفت أنها بصدد إحداث مديرية خاصة بالذكاء الاصطناعي ضمن الهيكلة الجديدة للوزارة.
ويأتي هذا التوجه في وقت يشهد فيه العالم سباقا متسارعا نحو اعتماد الذكاء الاصطناعي في الخدمات الحكومية، وسط تحذيرات دولية من مخاطر الاستعمال غير المؤطر لهذه التقنيات.
80 مليار درهم للجيل الخامس
وفي ما يتعلق بالبنيات التحتية، استعرضت الوثيقة أرقاما ضخمة حول مشاريع توسيع شبكات الاتصال والأنترنت عالي الصبيب. فبحسب المعطيات الحكومية، تمكن الشطر الأول من المخطط الوطني لتنمية الصبيب العالي والعالي جدا من تغطية أكثر من 10.660 منطقة قروية بشبكات الاتصال من الجيلين الثالث والرابع، فيما تستهدف المرحلة الثانية حوالي 2000 منطقة إضافية تعاني ضعفا أو انعداما في التغطية.
كما أعلنت الحكومة عن إطلاق المرحلة الأولى من شبكات الجيل الخامس “5G” في أكثر من 50 مدينة مغربية منذ نونبر 2025، مع هدف بلوغ تغطية 75 بالمائة من الساكنة في أفق 2030، باستثمارات إجمالية تقدر بحوالي 80 مليار درهم إلى حدود 2035.
وفي موازاة ذلك، يجري تنفيذ مخطط لتعميم الألياف البصرية بهدف ربط 5.6 ملايين أسرة مغربية بحلول سنة 2030، إلى جانب اعتماد قرارات تلزم تجهيز البنايات الجديدة بشبكات الألياف البصرية.
ومن أهم الرسائل التي تحملها الوثيقة هي سعي المغرب إلى بناء ما تصفه الحكومة بـ”السيادة الرقمية”، حيث كشفت الوزارة، في هذا السياق، عن إعداد خارطة طريق وطنية للخدمات السحابية للفترة 2025-2030، تعتمد سياسة “Cloud First”، أي إعطاء الأولوية للحوسبة السحابية في تدبير الخدمات العمومية، معلنة مشاريع ضخمة لتخزين ومعالجة البيانات، من بينها مشروع “إيغودار” بالداخلة بقدرة 500 ميغاواط، ومشروع “مصنع الذكاء الاصطناعي” بالدار البيضاء، بالإضافة إلى مركز بيانات “جزري روت” بالرباط.
الوثيقة تكشف أيضا رهانات اقتصادية كبرى مرتبطة بالتحول الرقمي، خصوصا في مجال ترحيل الخدمات والمقاولات الناشئة. فبحسب الوزارة، وقع المغرب 35 مذكرة تفاهم و5 اتفاقيات مع شركات دولية كبرى، في مشاريع يرتقب أن توفر 24.620 منصب شغل مباشر باستثمارات تصل إلى 2.96 مليار درهم. كما تم تخصيص 1.3 مليار درهم لدعم المقاولات الناشئة الرقمية، مع مواكبة أكثر من 700 شركة ناشئة للولوج إلى الأسواق الوطنية والدولية. وتشير الوثيقة إلى أن المغرب ارتقى إلى المرتبة الثالثة إفريقيا والـ83 عالميا في مجال ريادة الأعمال الرقمية خلال سنة 2025.
تكوين 22 ألف متخصص رقمي سنويا
وفي محور تنمية الكفاءات، تكشف الوثيقة أن الحكومة تراهن بشكل كبير على تكوين جيل جديد من المتخصصين في التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، حيث تم رفع عدد المسالك الجامعية الرقمية إلى 549 مسلكا، منها 416 مسلكا جديدا، مع تسجيل أكثر من 22 ألف طالب بالتخصصات الرقمية خلال الموسم الجامعي 2025-2024.
كما أعلنت الحكومة عن إطلاق مؤسسات متخصصة، من بينها المدرسة الوطنية للذكاء الاصطناعي والرقمنة ببركان، والمدرسة العليا للمهندسين في الانتقال الرقمي بالمحمدية. وتحدثت الوثيقة كذلك عن برامج لإعادة التأهيل الرقمي للشباب، مثل برنامج “JobInTech”، الذي يهم آلاف المستفيدين عبر مختلف جهات المملكة، إلى جانب مدارس البرمجة “YouCode” بالناظور وفاس وبني ملال.
ورغم هذا الزخم من المشاريع، تعترف الوثيقة بشكل غير مباشر بأن المغرب ما يزال يواجه تحديات كبيرة مرتبطة بالفجوة الرقمية، سواء بين المدن والقرى أو بين الفئات الاجتماعية. وفي هذا الإطار، تتحدث الوزارة عن برامج لتكوين الأطفال والشباب في المجال الرقمي والذكاء الاصطناعي، بشراكة مع وزارة الشباب والجامعة الملكية المغربية لكرة القدم، تستهدف مئات الآلاف من المستفيدين.
المصدر:
العمق