آخر الأخبار

أغلبية المستشارين: تقارير المحاكم المالية رافعة لتصحيح الأداء العمومي بعيدا عن “التبخيس”

شارك

اعتبرت مكونات الأغلبية بمجلس المستشارين أن مناقشة تقرير المجلس الأعلى للحسابات برسم 2024-2025، تشكل محطة مؤسساتية مهمة لتثمين المنجزات التي تحققت في عدد من الأوراش الإصلاحية الكبرى، وفي مقدمتها ورش الدولة الاجتماعية والحماية الاجتماعية، إلى جانب كونها فرصة لتشخيص مكامن الخلل وتحديد الاختلالات التي تستوجب المعالجة في إطار مقاربة بناءة ومسؤولة، بعيدا عن أي مقاربات تبخيسية أو خطابية من شأنها التقليل من الجهود المبذولة في تدبير الشأن العام.

وأبرزت مكونات الأغلبية، خلال مناقشة تقرير المجلس الأعلى للحسابات بمجلس المستشارين، صباح الأربعاء، أن هذه التقارير الرقابية تشكل آلية دستورية أساسية لترسيخ ثقافة التقييم وربط المسؤولية بالمحاسبة، وتعزيز نجاعة السياسات العمومية وتحسين أداء المرافق العمومية، بما ينسجم مع التحولات التي تعرفها المملكة على مستوى الحكامة وتحديث التدبير العمومي.

مواجهة دعوات التيئيس والتبخيس

اعتبر فريق التجمع الوطني للأحرار بمجلس المستشارين أن هذه المناقشة تمثل فرصة لتكريس الأمل لدى المواطنين ومواجهة دعوات “التيئيس والتبخيس”، مع الاعتراف للمدبرين العموميين والمسؤولين السياسيين بالمجهودات المبذولة لتحسين جودة الخدمات العمومية، داعياً إلى التعامل مع تقارير المجلس الأعلى للحسابات باعتبارها “رافعة للتصحيح والتقويم المستمر للأداء العمومي”، بعيداً عن توظيفها في تصفية الحسابات أو تحقير المجهودات، بما ينسجم مع المكانة الدولية التي بلغها المغرب اليوم.

وأضاف أن هذه الآلية الدستورية المستحدثة في إطار التعاون بين السلط الدستورية وهيئات الحكامة، وفي إطار أداء البرلمان لمسؤولياته الرقابية بمساعدة المجلس الأعلى للحسابات، تشكل مناسبة لتأكيد أهمية العمل المشترك والمسؤول بين المؤسسات من أجل ترسيخ ثقة المجتمع في المؤسسات السياسية والاستجابة لتطلعات المواطنين وخدمة الصالح العام.

وأوضح رئيس الفريق محمد البكوري، أن ورش تعميم الحماية الاجتماعية حقق نتائج “غير مسبوقة”، مبرزاً أن الدولة تحملت أزيد من 27 مليار درهم لفائدة الفئات الهشة في إطار نظام “أمو تضامن”، إلى جانب تخصيص حوالي 52 مليار درهم للدعم الاجتماعي المباشر، في مقابل التشديد على مواصلة إصلاح المالية العمومية وتقوية العدالة الضريبية وتوسيع الوعاء الجبائي.

وأشار إلى أن الحكومة نجحت في تعزيز الدولة الاجتماعية عبر توسيع الاستفادة من التأمين الإجباري عن المرض والدعم الاجتماعي المباشر، بالتوازي مع مواصلة ورش الإصلاح الجبائي وربط الميزانية بالأثر وتحسين نجاعة الأداء، معتبراً أن هذه الإصلاحات تعكس التزام الحكومة بترسيخ الحكامة الجيدة وتقوية الثقة في المؤسسات.

ودعا البكوري إلى إطلاق جيل جديد من الإصلاحات المعززة للحكامة، من خلال الإصلاح التشريعي للمحاكم المالية وتعزيز قدراتها لمواكبة التحولات التي تعرفها المملكة، مع استحضار ورش الإصلاح الشامل لتدبير المالية العمومية عبر مواصلة إصلاح القانون التنظيمي للمالية، وتنزيل الاستراتيجية الجديدة لتدبير المالية العمومية، ومراجعة نظام مسؤولية المدبرين العموميين، وتسريع الانتقال من محاسبة الوسائل إلى محاسبة الأثر.

وفي هذا الإطار، أبرز المتحدث ما وصفه بـ”التقدم الملحوظ وغير المسبوق” الذي حققه ورش تعميم التأمين الإجباري عن المرض، مذكراً بأن الدولة تحملت اشتراكات تجاوزت 27 مليار درهم لفائدة الفئات الهشة في إطار نظام “أمو تضامن”، داعياً إلى مواصلة ضمان استدامة المنظومة وتوازناتها المالية، عبر ضبط نفقات أنظمة التأمين واستحداث آليات للمحافظة على التوازن بين النفقات والموارد والتحكم في المخاطر المرتبطة بتأخر أو عدم أداء المشغلين للاشتراكات وضمان صدقية المعطيات المصرح بها.

كما ذكر بالإصلاح الذي عرفه الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي عبر دمج القطاعين العام والخاص في صندوق واحد بهدف تطوير منظومة الحكامة، مشيراً إلى “النجاح الكبير” الذي حققه السجل الاجتماعي الموحد وبرنامج الدعم الاجتماعي المباشر، والذي مكن حوالي 4 ملايين أسرة من الاستفادة، وفق مقاربة تقوم على تعزيز دقة الاستهداف وتحسين الحكامة والنجاعة في توجيه الدعم إلى الفئات المستحقة.

وأوضح أن الدولة تحملت إلى غاية متم يناير 2026 حوالي 52 مليار درهم، منها 33 مليار درهم خصصت للإعانات الموجهة لحماية الطفولة و19 مليار درهم للإعانات الجزافية، وهو ما سمح باستفادة 5.5 ملايين طفل، وأكثر من 966 ألف أرملة، من بينهن حوالي 380 ألف أرملة مع أطفالهن، إضافة إلى أكثر من مليون و600 ألف شخص تفوق أعمارهم 60 سنة.

عراقيل تنزيل الحماية الاجتماعية

شدد كريم الهمس، رئيس فريق الأصالة والمعاصرة، على أن فريق الأصالة والمعاصرة لا ينظر إلى تقرير المجلس الأعلى للحسابات باعتباره تقريراً للمحاسبة أو للتضييق على المنتخبين والمدبرين، بل يعتبره شراكة لتحسين تدبير الشأن العام ووثيقة غنية ومخططاً تنموياً مستقلاً يسهم في تعزيز البرامج العمومية، معتبراً إياه ركيزة تنموية أساسية مكملة وبناءة.

وأكد الهمس أن تنزيل ورش الحماية الاجتماعية ما تزال تعترضه عراقيل أشار إليها تقرير المجلس الأعلى للحسابات، من قبيل استمرار ارتفاع الأعباء المالية وطول آجال التعويض عن مصاريف المرض والتأخر في منح المستحقات وتكاليف العلاج وغيرها من الملاحظات المرتبطة بهذا المجال.

ودعا الحكومة إلى اعتماد الإصلاحات التي اقترحها التقرير في المخططات المقبلة، من خلال تفعيل الهيئات الجهوية للصحة وتخفيف تكلفة الانخراط في الحماية الاجتماعية والرفع من النجاعة والحكامة في سوق الأدوية وتعزيز الرقابة على القطاع الخاص، كما ثمن جهود الدولة في مجال الدعم الاجتماعي المباشر الذي عرف توسعاً في عدد الأسر المستفيدة، داعياً إلى تعبئة الموارد المالية الكفيلة بتمويل هذا المشروع المجتمعي مع نجاعة أكبر في دراسة شروط التسجيل في السجل الاجتماعي وحل الإشكالات التي تعترض استفادة الأسر الفقيرة والهشة.

وبخصوص برنامج تقليص الفوارق المجالية والاجتماعية الممتد من 2017 إلى 2023، أكد كريم الهمس أنه يشكل قيمة مضافة للتنمية المحلية من خلال أهدافه المتعلقة ببناء الطرق وتقوية البنيات التحتية للتعليم والصحة وتزويد الساكنة بالماء الصالح للشرب والكهرباء، مثمناً العمل الذي قامت به الإدارة الترابية والمنتخبون في هذا المجال، ومبرزاً أن نسبة الإنجاز بلغت 98 في المائة بفضل التعاون بين القطاعات الحكومية والجماعات الترابية وصندوق تنمية العالم القروي والمناطق الجبلية والمكتب الوطني للماء والكهرباء.

وسجل أن المجلس الأعلى للحسابات وقف عند عدد من الاختلالات، أبرزها تخصيص حوالي 71 في المائة من ميزانية البرنامج لبناء المسالك والطرق مقابل 29 في المائة فقط لباقي المشاريع التنموية المتعلقة بالماء والكهرباء والصحة والتعليم، رغم أهمية هذه القطاعات في تقليص الفوارق المجالية، إضافة إلى ضعف القدرات التدبيرية والتقنية لدى بعض الهيئات المكلفة بالتنفيذ، مما أدى إلى تعثر بعض المشاريع وضعف التنسيق والتباين في حصيلة التنفيذ بين الجهات.

واعتبر أن هذه الملاحظات تشكل نبراساً للإصلاحات الجارية المرتبطة بتطوير الإدارة الترابية وتقوية العدالة المجالية، مثمناً التدخلات التي أشار إليها التقرير، خاصة إسناد تدبير صندوق تنمية العالم القروي والمناطق الجبلية لقطاع الفلاحة، معتبراً أن المجلس ذهب مباشرة إلى تشخيص مكامن الخلل واقتراح الحلول، خاصة من خلال توصياته الموجهة لرئاسة الحكومة ووزارة الاقتصاد والمالية بشأن توثيق المنهج المعتمد في تحديد الغلاف المالي وإرساء آلية لضبط التقديرات المالية والتأكد من واقعية الجدولة الزمنية للمشاريع.

ربط المسؤولية بالمحاسبة ومحورية العدالة المجالية

وأكد رئيس الفريق الاستقلالي للوحدة والتعادلية، عبد السلام اللبار، أن مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة يشكل ركيزة أساسية لترسيخ الحكامة الجيدة وضمان نجاعة التدبير العمومي، مشددا على أن تحقيق العدالة المجالية يظل مدخلا محوريا لإنجاح النموذج التنموي وتقليص الفوارق بين مختلف المجالات الترابية.

وأبرز اللبار أن المملكة انخرطت بشكل إرادي في ورش مهيكل لإعادة هندسة القرار العمومي في إطار الجهوية الموسعة واللاتمركز الإداري والمرفقي، باعتباره خيارا استراتيجيا يروم ترسيخ نموذج تنموي مستدام يقوم على عدالة مجالية شاملة ومتوازنة تشمل مختلف ربوع المملكة.

وأوضح اللبار أن هذا الورش يتطلب إرساء حكامة ترابية قائمة على أسس حديثة، وتعزيز المشروعية الديمقراطية للمؤسسات الترابية، مع توسيع دائرة إشراك مختلف الفاعلين في صياغة القرار التنموي وتنفيذه وتقييمه، بما يضمن فعالية أكبر للسياسات العمومية على المستوى المحلي والجهوي.

وأضاف أن المغرب راكم تقدما مهما في مجال التنمية الترابية من خلال مجموعة من الإصلاحات والتدابير، غير أن المعطيات الواردة في تقرير المجلس الأعلى للحسابات تكشف استمرار تحديات بنيوية تتطلب نفسا إصلاحيا جديدا، لاسيما في ما يتعلق بتقليص الفوارق المجالية وتحسين نجاعة تدبير الجماعات الترابية وتطوير المقاربة الترابية للاستثمار.

وشدد رئيس الفريق الاستقلالي على أن نموذج الدولة الاجتماعية الترابية يقوم على الربط بين العدالة الاجتماعية والعدالة المجالية، ويستند إلى دعامتين أساسيتين هما الجهوية الموسعة واللاتمركز الإداري، مبرزا أن هذا التوجه تدعمه إصلاحات قانونية ومؤسساتية مهمة، من بينها القوانين التنظيمية للجماعات الترابية، والقانون الإطار للحماية الاجتماعية، وميثاق اللاتمركز الإداري.

وأكد أن نجاح هذا النموذج يظل رهينا بتجاوز الإكراهات القائمة، وتعزيز التنسيق بين مختلف المتدخلين، وتكريس ثقافة المسؤولية والمحاسبة، بما يسمح بتحويل الدولة الاجتماعية من مجرد آلية للدعم إلى إطار للإدماج السوسيو-اقتصادي الفعلي للفئات الهشة.

إنصاف الطبقة الشغيلة ومواكبة الإصلاحات الاجتماعية

وأكد عبد الإله السيبة، عضو فريق الاتحاد العام للشغالين بالمغرب، أن إنصاف الطبقة الشغيلة يعتبر مدخلاً أساسياً لأي مشروع إصلاحي، مشيرا بالمقابل إلى أن المعطيات والإحصائيات الواردة في تقرير المجلس الأعلى للحسابات بخصوص تنفيذ برنامج تقليص الفوارق الاجتماعية والمجالية تعكس حجم المجهودات المبذولة لفك العزلة عن العالم القروي وتحسين شروط العيش، غير أن هذه الحصيلة، وفق تعبيره، تظل غير كافية ما لم تنعكس بشكل مباشر على وضعية الشغيلة وعلى قدرتها الشرائية وعلى العدالة الاجتماعية في توزيع ثمار النمو، خاصة في ظل استمرار التفاوتات المجالية والاجتماعية.

وفي هذا السياق، شدد المتدخل على أن الانتقال نحو مرحلة البرامج المندمجة للتنمية الترابية يفرض الاستفادة من خلاصات التجربة السابقة لتفادي الاختلالات التي برزت، وفي مقدمتها إشكاليات الحكامة، معتبراً أن أي سياسة ترابية لا تضع إنصاف الشغيلة في قلب أولوياتها ستظل محدودة الأثر على المستوى الاجتماعي، رغم حجم الاعتمادات والبرامج.

وأكد عبد الإله السيبة أن المؤشرات المرتبطة بالتفاوتات المجالية والاجتماعية ما تزال دون مستوى الطموح الجماعي، مبرزاً أن الإشكال لا يتعلق فقط بوفرة البرامج أو حجم الاعتمادات، بل بمدى قدرتها على إحداث أثر ملموس لدى الفئات الشغيلة التي تتحمل العبء الأكبر للتحولات الاقتصادية والاجتماعية، مضيفاً أن البطالة تظل أحد أبرز التحديات التي تعكس محدودية نجاعة السياسات العمومية في خلق فرص الشغل، وأن النقاش حول تعريف البطالة أو طرق قياسها لا يمكن أن يحجب واقعاً اجتماعياً ضاغطاً يعيشه الشباب.

واعتبر أن الحصيلة في مجال التشغيل تظل متواضعة، رغم الإقرار بالسياق الصعب الذي يتسم بتداعيات الجفاف وجائحة كورونا والتقلبات الدولية، مؤكداً أن الحكومات تُقاس بقدرتها على ابتكار الحلول في مواجهة الأزمات، وأن جعل التشغيل في صلب أولويات الجيل الجديد من البرامج الترابية المندمجة يكتسي أهمية خاصة، خصوصاً في العالم القروي الذي ما يزال يعاني من محدودية الفرص الاقتصادية.

وأضاف أن برنامج تقليص الفوارق المجالية والاجتماعية، رغم ما حققه من تقدم في مشاريع فك العزلة منذ إطلاقه سنة 2017، يفرض اليوم توجيه الجهود بشكل أكبر نحو تحسين الخدمات الاجتماعية الأساسية، وفي مقدمتها التعليم والصحة، مبرزاً أنه رغم الاعتمادات المرصودة لهذين القطاعين والتي بلغت حوالي 140 مليار درهم خلال الولاية الحكومية الحالية، فإن الخصاص ما يزال قائماً، خاصة في الوسط القروي، وهو ما ينعكس بشكل مباشر على أوضاع الأسر وعلى الطبقة الشغيلة التي تتحمل كلفة هذا النقص في الخدمات.

وربط المتحدث بين تقليص الفوارق المجالية والاجتماعية وإنصاف الطبقة الشغيلة، مؤكداً أن أي سياسة عمومية لا تضمن حماية القدرة الشرائية وتحسين الدخل الحقيقي للأجراء تبقى ناقصة، خاصة في ظل الارتفاع المستمر لمعدل التضخم الذي حدّ من أثر الإجراءات الاجتماعية المتخذة، إلى جانب استمرار المضاربات والجشع الذي زاد من الضغط على الأسر المغربية، في سياق اقتصادي دولي متقلب.

العمق المصدر: العمق
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا