كشفت استطلاعات الرأي الإسرائيلية التي تلت إعلان نفتالي بينيت ويائير لابيد خوض الانتخابات بقائمة مشتركة أن الحدث أحدث ضجة سياسية وإعلامية، لكنه لم ينتج انقلابا انتخابيا واضحا.
فالصورة العامة لا تقول إن نتنياهو سقط، ولا إن المعارضة حسمت البديل، بل تقول إن إسرائيل دخلت مرحلة إعادة اصطفاف واسعة، عنوانها: من يقود معسكر "ما بعد نتنياهو"؟
ولا يمكن قراءة الأرقام بمعزل عن القناة التي تنشرها وشركة الاستطلاع التي تنفذها، فالقناة 14، المحسوبة في المزاج الإعلامي الإسرائيلي على جمهور اليمين والليكود، نشرت استطلاعا أعده شلومو فيلبر، وهو اسم يُقرأ سياسيا داخل إسرائيل من خلال خلفيته السابقة القريبة من دوائر نتنياهو قبل تحوله إلى شاهد دولة في أحد ملفاته.
لذلك لا تبدو مفاجئة نتيجة تمنح الليكود 34 مقعدا وكتلة اليمين 64 مقعدا، مع تفوق نتنياهو في سؤال الملاءمة لرئاسة الحكومة بـ51% مقابل 32% لبينيت.
أما i24NEWS فتحتاج قراءة نتائجها ضمن خلفية مالكها باتريك دراهي، الملياردير الفرنسي الإسرائيلي ومالك شبكة HOT وi24NEWS.
لا يمكن قراءة الأرقام بمعزل عن القناة التي تنشرها وشركة الاستطلاع التي تنفذها
وتصف تقارير إسرائيلية i24NEWS، خصوصا نسختها العبرية، بأنها قناة محافظة تميل إلى خطاب اليمين، وتحاول ملء مساحة بين القناة 14 الأكثر اندفاعا في دعم نتنياهو، والقنوات التقليدية الأكثر نقدا للحكومة.
لذلك لا تبدو أرقام استطلاعها معزولة عن بيئة إعلامية تمنح الليكود وكتلة اليمين موقعا قويا؛ إذ منحت الليكود 33 مقعدا، وتحالف بينيت-لابيد 24، والائتلاف 62 مقعدا، وهي نتيجة أقرب إلى رواية "نتنياهو ما زال قادرا على تشكيل حكومة" منها إلى رواية "المعارضة حسمت البديل".
في المقابل، تقدم القناة 12 وكان 11 (هيئة البث الرسمية) وموقع "والا" وصحيفة "معاريف" صورة أقل راحة لنتنياهو، لكنها لا تمنح المعارضة حسما نهائيا.
هيئة البث "كان"، وهي مؤسسة عامة أكثر تحفظا في عرضها السياسي، منحت "حزب بينيت لابيد" 24 مقعدا والليكود 27، مع 52 مقعدا لكتلة نتنياهو مقابل 58 لمعارضيه و10 للعرب. أما "والا" و"معاريف"، عبر استطلاع لازار للأبحاث بالتعاون مع Panel4All، فيقدمان رقما وسطا: 27 مقعدا لتحالف بينيت ولابيد، و28 لليكود، و59 للمعارضة مقابل 51 للائتلاف و10 للأحزاب العربية.
تتراوح قوة قائمة "معا" (بيحاد) بين 20 مقعدا في استطلاع القناة 14، و24 في i24NEWS وكان 11، و26 في القناتين 12 و13، و27 في والا/معاريف.
هذه الفجوة ليست تفصيلا تقنيا، إذ تعكس اختلافا في عينة الجمهور، وطريقة القياس، والبيئة الإعلامية التي تُقدَّم فيها النتائج.
فكلما اقتربت منصة الاستطلاع من جمهور اليمين، ظهر نتنياهو أكثر ثباتا، وكلما اتسعت العينة نحو جمهور الوسط والمعارضة، ظهر تحالف بينيت ولابيد بوصفه تحديا جديا لا بديلا محسوما.
القاسم المشترك بين معظم الاستطلاعات أن الاتحاد أقل من مجموع قوتهما السابقة منفصلين. "كان 11″ أشارت إلى أن بينيت كان يحصل على 19 مقعدا ويش عتيد على 6، بينما حصل التحالف على 24 فقط.
و"والا" قالت إن القائمة الجديدة حصلت على 27 مقعدا، أي أقل بـ4 مقاعد من مجموع بينيت ولابيد في استطلاعات سابقة.
النتيجة الأبرز أن نتنياهو لا يظهر كزعيم منهار، في بعض الاستطلاعات يتراجع الليكود إلى 25 أو 27 مقعدا، لكنه يبقى لاعبا مركزيا، وفي استطلاعات أخرى يتصدر بوضوح، i24NEWS يمنحه 33 مقعدا مقابل 24 لتحالف بينيت ولابيد، والقناة 14 تمنحه 34 مقعدا،
وهذا يعني أن التحالف الجديد لم ينجح حتى الآن في سحب قاعدة يمينية صلبة من الليكود بالقدر الكافي.
والأهم من المقاعد هو سؤال الملاءمة لرئاسة الحكومة، ففي القناة 14 يتقدم نتنياهو بـ51% مقابل 32% لبينيت، وفي القناة 12 يتقدم أيضا على بينيت 41% مقابل 37%.
وتكشف هذه الأرقام أن صورة "الزعيم القادر" لا تزال تعمل لصالح نتنياهو، حتى عندما تتعرض حكومته لانتقادات أمنية واجتماعية واسعة.
كما تُظهر الاستطلاعات أن غادي آيزنكوت هو الرقم الحاسم في معسكر المعارضة، فهو لا يتفوق وحده، لكنه يمنح التحالف بعدا أمنيا ووسطيا قد يطمئن ناخبين مترددين.
وفي سيناريو انضمامه، تمنح "والا" و"معاريف" القائمة الموحدة 41 مقعدا، لكنها تبقي المعارضة عند 59 مقعدا، أي دون أغلبية 61. وهذا هو جوهر الأزمة إذ يمكن للمعارضة إنتاج حزب كبير، لكنها لا تملك حتى الآن معادلة حكم مضمونة.
لكن الخريطة الأهم ليست اسم الحزب الأكبر، بل خريطة الكتل، فالقناة 14 تمنح اليمين 64 مقعدا، وi24NEWS تمنحه 62، بينما كان 11 تمنح كتلة نتنياهو 52 فقط، ووالا/معاريف تضعها عند 51 مقعدا.
وهذا التباين يفرض حذرا تحريريا وهو أنه لا يجوز قراءة أي استطلاع كحقيقة نهائية، خصوصا مع وجود أحزاب على حافة العتبة مثل الصهيونية الدينية وأزرق أبيض وبلد، حيث يستطيع تغير صغير في نسب التصويت أن يقلب المشهد كله.
تُظهر الاستطلاعات أن غادي آيزنكوت هو الرقم الحاسم في معسكر المعارضة، فهو لا يتفوق وحده، لكنه يمنح التحالف بعدا أمنيا ووسطيا قد يطمئن ناخبين مترددين.
ويضيف استطلاع القناة 13 بُعدا نوعيا مهما وهو أن 70% من الجمهور يعتقدون أن الحكومة لا تفعل ما يكفي لحماية سكان الشمال، و76% يرون أنها لا تعالج موجة العنف بما يكفي، وهذه الأرقام تمنح المعارضة مادة هجومية قوية، لكنها لا تتحول تلقائيا إلى أغلبية انتخابية ما لم تجد عنوانا قياديا موحدا وبرنامجا مقنعا.
فاتحاد بينيت ولابيد أحدث حركة، لكنه لم يصنع حسما، وهو يمنح المعارضة مركز ثقل جديدا، ويضعف تشتتها، لكنه يحمل داخله تناقضا بين يمينية بينيت وليبرالية لابيد وحاجة آيزنكوت إلى موقع مستقل.
أما نتنياهو، فرغم الاستنزاف الأمني والسياسي، لا يزال يحتفظ بكتلة صلبة وبصورة الزعيم الأقدر لدى شريحة واسعة، لذلك، تبدو الانتخابات المقبلة، وفق هذه الاستطلاعات، معركة على هوية البديل أكثر مما هي استفتاء محسوم على نهاية نتنياهو.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة