أكد وزير الداخلية، عبد الوافي لفتيت، أن مشروع تعديل القانون المنظم للجهات يشكل منعطف نوعي في مسار تنزيل الجهوية المتقدمة، عبر إرساء نموذج جديد يقوم على النجاعة، وضوح الاختصاصات، وربط المسؤولية بالنتائج، بهدف تحويل الجهات إلى محركات حقيقية للتنمية الاقتصادية والاجتماعية.
وأوضح لفتيت، خلال تقديمه لمشروع القانون التنظيمي رقم 031.26 القاضي بتغيير وتتميم القانون التنظيمي رقم 111.14 المتعلق بالجهات، أمام لجنة الداخلية والجماعات الترابية بمجلس النواب، أن هذا النص يندرج في سياق وطني يتسم بتسارع التحولات الاقتصادية والاجتماعية والرقمية، وبحاجة متزايدة إلى تجديد أدوات الفعل العمومي لمواكبة هذه التحولات واستباق تحدياتها، في انسجام مع التوجيهات الملكية السامية لـمحمد السادس الداعية إلى بناء نموذج تنموي أكثر نجاعة وعدالة واستدامة.
وأشار الوزير إلى أن المشروع يندرج في إطار مواصلة تنزيل ورش الجهوية المتقدمة كخيار استراتيجي يروم إعادة بناء علاقة الدولة بالمجال الترابي، والانتقال من مركزية القرار إلى حكامة ترابية قائمة على القرب والفعالية والتكامل، بما يجعل من الجهة فضاء حقيقي لصياغة وتنفيذ السياسات العمومية.
وسجل لفتيت أن القانون التنظيمي رقم 111.14، رغم كونه لبنة تأسيسية مهمة منح الجهات اختصاصات واسعة وأقر استقلاليتها الإدارية والمالية، إلا أن الممارسة أفرزت تحديات عدة، من أبرزها تداخل الاختصاصات وغموض بعضها، وتعدد المتدخلين، وضعف آليات الالتقائية، إلى جانب بطء مساطر التنفيذ، وهو ما أثر على وتيرة إنجاز المشاريع والأثر التنموي المنتظر.
وأضاف أن هذه الإكراهات كانت موضوع نقاش وطني واسع، توج بتوصيات دعت إلى الانتقال نحو جيل جديد من الجهوية يقوم على ترشيد الاختصاصات وتدقيقها وربطها بالنجاعة، بدل الاكتفاء بتوسيعها، في إطار مقاربة واقعية وتدرجية.
ويرتكز المشروع الجديد، وفقا للمسؤول الحكومي، على إعادة هيكلة عميقة لاختصاصات الجهات، من خلال اعتماد مقاربة تقوم على الواقعية والنجاعة، عبر تقليص التداخل مع باقي المتدخلين، وتجميع الاختصاصات ضمن مجالات متجانسة، مع حذف تلك التي أثبتت محدودية أثرها، وتوجيه تدخلات الجهة نحو مجالات ذات قيمة مضافة، خاصة دعم الاستثمار المنتج وتحفيز المبادرة المقاولاتية.
وفي هذا السياق، تم إحداث اختصاصات جديدة، أبرزها المساهمة في تطوير مناطق الأنشطة الاقتصادية، وإدراج التنمية الرقمية كرافعة استراتيجية، في مقابل إعادة النظر في مجالات مثل التكوين والتشغيل، التي أُسندت لمؤسسات وطنية متخصصة.
وشمل التعديل أيضا مجالات حيوية كالتنمية القروية، والبيئة، والثقافة، والسياحة، عبر اعتماد منطق الاختصاصات المشتركة، بما يعزز التكامل بين الدولة والجهات ويحد من تداخل الأدوار.
وأبرز وزير الداخلية أن أحد أعطاب التجربة السابقة لم يكن في التخطيط، بل في ضعف آليات التنفيذ، وهو ما دفع إلى إقرار تحول مؤسساتي لافت يتمثل في تحويل الوكالات الجهوية لتنفيذ المشاريع إلى شركات مساهمة، مع الحفاظ على طابعها العمومي.
ويروم هذا التحول تمكين هذه الهيئات من مرونة أكبر في التدبير، وتسريع وتيرة إنجاز المشاريع، واستقطاب كفاءات متخصصة، إلى جانب تعبئة تمويلات مبتكرة، مع إخضاعها لمنظومة صارمة من الحكامة والرقابة المالية لضمان الشفافية.
كما تم تعزيز منطق التعاقد بين الدولة والجهات، عبر إطار قانوني يحدد الالتزامات المتبادلة وآليات التتبع والتقييم، بما يضمن انسجام السياسات العمومية وتحقيق نجاعة أكبر في التنفيذ.
وفي محور التمويل، كشف لفتيت عن توجه حكومي لتقوية القدرات المالية للجهات، عبر تخصيص موارد لا تقل عن 12 مليار درهم سنوي ابتداء من سنة 2024، بما يمكنها من تمويل مشاريع مهيكلة وتحقيق تنمية مجالية متوازنة، مع ربط الإنفاق العمومي بمنطق النتائج وتنويع مصادر التمويل.
وشدد الوزير على أن هذا المشروع يؤسس لـتحول نوعي في فلسفة تدبير الشأن الجهوي، قوامه الانتقال من منطق التأسيس القانوني إلى منطق النجاعة العملية، ومن تعدد الاختصاصات إلى وضوحها، ومن تشتت التدخلات إلى تكاملها، بما يعزز موقع الجهة كفاعل ترابي استراتيجي داخل منظومة وطنية متناسقة.
ويراهن هذا الإصلاح، وفق لفتيت، على إرساء نموذج جهوي ناضج قادر على مواكبة التحولات الاقتصادية والاستجابة لتطلعات المواطنين، في إطار تنمية عادلة ومتوازنة، وترسيخ فعلي لمبادئ الجهوية المتقدمة على أرض الواقع.
المصدر:
العمق