في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
على وقع دقات الساعة التي تعد الثواني الأخيرة قبل انقضاء مهلة وقف إطلاق النار التي أعلنها الرئيس الأميركي دونالد ترامب، تتجه أنظار العالم إلى إسلام آباد، حيث يفترض أن تنطلق جولة جديدة من المفاوضات الحاسمة بين واشنطن وطهران.
وبين تحذيرات ترامب المتجددة من "عواقب غير مسبوقة" إذا امتنعت إيران عن التفاوض، وتأكيدات إعلام رسمي إيراني بنفي مغادرة أي وفد إلى باكستان حتى اللحظة الأخيرة، ثم تسريبات "وول ستريت جورنال" و"نيويورك تايمز" عن نية طهران إرسال فريق بقيادة رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف، يقف المشهد على حافة الهاوية.
في هذا التوقيت الملتهب، يفتح حديث نخبة من المحللين مع سكاي نيوز عربية نافذة على دهاليز صنع القرار في طهران، ويكشف عن صراع خفي بين أجنحة السلطة قد يكون الفيصل في كسر مسار التفاوض أو إنجازه، وسط تساؤل مركزي: هل نحن أمام سلام دائم يُكتب أم مجرد هدنة هشة لإدارة أزمة متفاقمة؟
فن المراوغة.. التلكؤ الإيراني استراتيجية لا صبيانية
رفض الإعلامي والكاتب الصحفي عبد اللطيف المناوي توصيف الموقف بـ"الصبيانية"، مقدما تأطيرا أدق للمشهد؛ إذ رأى أن ما يجري هو "أسلوب في إدارة التفاوض، هو اللعب حتى اللحظة الأخيرة والضغط حتى اللحظة الأخيرة"، مضيفا أن الطرفين لا يريدان الحرب، ويسعيان إلى إيجاد مخرج، ويحرصان على ألا يقعا في خطأ قد يكون ثمنه معركة تخسر فيها جميع الأطراف.
وأوضح المناوي أن الحالة القائمة هي "شكل من أشكال المراوحة بين سنبدأ ولن نبدأ، سنذهب ولن نذهب"، وأن هذا التذبذب يقوم على تحقيق أقصى قدر من المكاسب وانتزاع تنازلات من الطرف الآخر.
وأشار إلى أن الرئيس ترامب نفسه أطلق تصريحا لافتا يجمع بين التناقض والتحدي، إذ قال إنه "سيكون هناك سلام رضيت إيران أم لم ترض"، وهو ما وصفه المناوي بأنه "تعبير متناقض في حد ذاته، إذ إن السلام بالقوة مسألة فيها قدر عال من التحدي المنطقي".
إيران أمام مأزق حقيقي
وصف المناوي الوضع الإيراني بأنه مأزق حقيقي، قائلا إن إيران "نظام يواجه أزمة حقيقية، صحيح أنه مر من الضربة الأولى واستطاع أن يستمر وأن يكون متواجدا على الأرض، ولكنه نظام يعاني بشدة من حالة ضعف شديدة ومن مخاطر شديدة ومن حالة الانقسام التي قد يواجهها في الداخل في حالة ما لم تتوقف الحرب بشكل كامل".
ولذا، فإن السعي الإيراني ـ وفق المناوي ـ يرمي إما إلى بلوغ الحد الأقصى من المكاسب لتقديمها لجمهورها على أنها انتصار، أو الحد الأدنى الذي يمكن القيادة من القول "لم ننكسر".
ودلل على ذلك بتصريح قاليباف الذي أقر صراحة بأن "القوة العسكرية الأميركية أكبر منا كثيرا"، معتبرا أن هذا الإقرار هو "شكل من أشكال التهيئة لما هو قادم" إذا ما توقفوا وقبلوا بشروط ما، مؤكداً للداخل أن ذلك ليس انكسارا.
اتفاق ناقص ومرحلي
خلص المناوي إلى أن المفاوضات قادمة والتنازلات قادمة، غير أن الاتفاق المرتقب لن يكون اتفاقا شاملا لإنهاء الأزمة بل "اتفاق على أن نستمر في محاولة الاتفاق"، مشيرا إلى أن الهدف الرئيسي لهذه المفاوضات ليس إيجاد حل شامل ومستقر، بل هو "شكل من أشكال إدارة الأزمة دون الوصول إلى حل".
وقدم المناوي تشريحا دقيقا لبنية السلطة في إيران، واصفا إياها بـ"الهرمية"، ومؤكدا أن هذا النظام أصيب بضربات قوية وبانهيار تقريبي نتيجة مقتل قيادات الصف الأول، غير أن طابعه الهرمي منحه قدرة على الاستمرار.
وحدد المناوي ثلاثة تيارات رئيسية داخل منظومة السلطة الإيرانية: الحرس الثوري الذي وصفه بـ"القوة الأكبر والأكثر تأثيرا" في المرحلة الراهنة باعتباره اللاعب الرئيسي في المعارك.
والجدير بالملاحظة أن هذا الحرس ينقسم داخليا بين عنصر نفعي مصلحي يدفع نحو وقف الحرب، وعنصر أيديولوجي عقدي يرى في الاستمرار واجبا دينيا حتى وإن أفضى إلى ما أسماه المناوي "كربلاء جديدة".
ولفت إلى أن هؤلاء الأيديولوجيين "ينظرون إلى الأمر بشكل عقيدة ثابتة" ولا يأبهون بالحفاظ على الدولة بقدر ما يهمهم الحفاظ على التفكير والعقيدة، مما يجعلهم "الخطر الرئيسي".
أما التيار الثاني فيتمثل في المفاوضين السياسيين من أمثال عباس عراقجي وقاليباف، وهم ـ وفق المناوي ـ "مجموعة قادرة على المناورة، تفهم العالم وتحاول الوصول"، ويرون أن مصلحة البلد تكمن في استمرار النظام بأي شكل.
في حين يمثل التيار الثالث المرجعية الدينية التي أصيبت بضربة موجعة بوفاة خامنئي، في حين يبقى المرشد الجديد "مجهول الملامح"، مما يفتح الباب أمام استغلال الصورة الرمزية للمرشد السابق عبر تصدير نجله للمشهد وكأن خامنئي لا يزال حاضراً.
خلافات بلا صراع... لكنها تخدم لعبة التفاوض
أكد المناوي أن هذه الاختلافات الداخلية لا ترقى إلى مستوى الصراع المفتوح، لكنها توظَف في خدمة "لعبة التفاوض" ليبدو الموقف الإيراني متشعبا ومعقدا أمام الطرف الأميركي، مستشهدا على ذلك بمثال فتح مضيق هرمز ثم إغلاقه في غضون يومين، وهو ما فسره الخبير في الشؤون الإيرانية نبيل الحيدري بأنه "مسرحية"، قائلا: "لاحظوا فتحوا مضيق هرمز وبعد يومين أغلقوه... هذا اتفاق قاليباف و أحمد وحيدي حتى يضغطا على ترامب، لكن الحرس الثوري لا يسمعهم وأغلقوه".
وقدم الحيدري قراءة نابعة من دراسته للداخل الإيراني، مشيرا إلى أن المشكلة الجوهرية تكمن في غياب القيادة المركزية الجامعة التي كان يمثلها المرشد السابق، إذ كان خامنئي يوازن بين الحوزات والإصلاحيين والمتشددين وحتى الخارج، مؤكدا أن اتفاق 2015 "لم يحصل دون موافقة المرشد".
أما اليوم، فإن غياب تلك القيادة يفضي إلى تخبّط واضح، من مظاهره ضرب دول الجوار العربي التي كانت تسعى لوقف الحرب.
ضعف هيكلي مقابل قوة خطابية
أكد الباحث السياسي عايد المناع، أن إيران "تعرف تماما أنها في وضع ضعيف وأنها ستواجه مساءلات جماهيرية" حول سبب عجزها عن الوقوف بمستوى المواجهة بعد كل ذلك التسليح والإنفاق الخارجي.
ولذا، فهي تحاول أن تظهر أنها "ليست على عجلة من أمرها" للانتقال إلى إسلام آباد، وتستثمر الوساطة الباكستانية لكسب سمعة طيبة كوسيط للسلام بين أكبر قوة في العالم وأكبر قوة في الإقليم.
وميز المناع بين جناحين داخل المنظومة الإيرانية: المتشددون ولا سيما الجناح الذي يمثله أحمد وحيدي الذي قد يكون المرشد الجديد إلى جانبه، ثم المتشددون العقلانيون من أمثال قاليباف وعراقجي الذين يتبنون خطاباً صارماً في المطالبة لكنهم يفتحون فسحة للوسيط كي يطلب منهم المرونة ليكسبوا "جميلة ومعروفة".
خطأ ترامب الاستراتيجي وأثر الحرب العكسي
وأبدى المناع موقفا نقديا صريحا من المقاربة الأميركية، إذ رأى أن ترامب ارتكب خطأ حين شن الحرب وكانت مفاوضات جنيف تجري في سفارة سلطنة عمان، وأن الأطراف كانت على وشك بلوغ اتفاق يشمل نسبة تخصيب اليورانيوم والصواريخ والدرع النووي، مشيرا إلى أن ضغط نتنياهو دفع ترامب نحو التسرع.
ولفت المناع إلى أثر الحرب المعكوس على المجتمع الإيراني، قائلا إن الحرب "أنقذت النظام وأعطته نفسا جديدا" رغم حصد قياداته الكبيرة، مشيرا إلى أن المعارضة الجماهيرية تتراجع في أوقات الحرب لأن الناس "تخجل وتخاف من التظاهر والاحتجاج في الوقت الذي تشن فيه الحرب". وهذا الواقع دفع ترامب ـ وفق المناع ـ إلى التراجع عن خطاب الحث على الخروج الشعبي.
مطالب التفاوض ومعادلة الأمن الخليجي
عدد المناع أبرز الملفات التي يفترض أن يطرحها المفاوض الأميركي: تخصيب اليورانيوم ومدى قبول نقله إلى طرف ثالث، وقطع دعم الميليشيات والتحريض الطائفي والسياسي على دول المنطقة، مستشهدا بتمويل حزب الله بما يقارب المليار دولار سنويا من الخزينة الإيرانية.
وأضاف إلى ذلك ملف الصواريخ ومداها، وهنا تكمن إشكالية قائلا إن الضغط الإسرائيلي يطالب بألا يتجاوز مداها 300 كيلومتر، مما يعني عمليا أنها "لا تصل إلى إسرائيل".
من جهته، قرأ الخبير نبيل الحيدري المشهد من داخل الطبيعة البنيوية للنظام الإيراني، مشيرا إلى ما أسماه "الخصال العشر" للنظام، وفي مقدمتها التقية والتورية.
وأكد أن النظام يظهر ثم يتراجع في آخر لحظة، وأنه منذ البداية توقع أن يأتي الإيرانيون "زحفا" إلى المفاوضات رغم إعلانهم الرفض. واستشهد بالتصريح الإيراني السابق القائل "نحن نمحي إسرائيل في 7 دقائق" وما آلت إليه الأمور من سقوط كبار القيادة الإيرانية.
وأشار الحيدري إلى أن الوضع الداخلي الإيراني بالغ الهشاشة؛ فالمرشد الأول مات، والمرشد الثاني "بين الحياة والموت، لا صوت ولا صورة"، فيما يبرز 3 أسماء تحتل المشهد: قاليباف رئيساً للبرلمان، وأحمد وحيدي قائداً للحرس الثوري، ومحسني إيجئي رئيسا للسلطة القضائية الذي "يحارب في الداخل لمنع انطلاق التظاهرات".
ولفت إلى أن الإنترنت لا يزال مقطوعا، لأن فتحه يعني أولا انكشاف كذب السلطة وظهور الأرقام الحقيقية، وثانيا تحرك الشعب نحو التظاهر ضد ما وصفه بـ"الطغيان".
انتفاضة مرتقبة وأركان صارت ضد النظام
توقع الحيدري انتفاضة داخلية قادرة على اقتلاع النظام من أساسه، مستندا إلى أن "الأركان التي كان يعتمد عليها النظام كلها صارت ضده": فالبازار الذي أسقط الشاه يتحرك الآن لإسقاط النظام، والشباب الذين كانوا عماده باتوا رأس حربة الانتفاضة الأخيرة، ورجال الدين في قم ومشهد أطلقوا على خامنئي لقب "الديكتاتور"، فضلا عن سقوط الميليشيات الوكيلة كحزب الله وخسارة كبار قياداتها.
وعلى الرغم من ذلك، أشار الحيدري إلى أن إيران لا تزال تستغل الجغرافيا السياسية عبر مضيق هرمز و باب المندب، غير أنه شكك في قدرتها على الصمود طويلا أمام قوة أميركية وأوروبية محتملة تضم فرنسا وبريطانيا.
ورصد الحيدري أزمة ترامب الداخلية، إذ ترتفع ضده الأصوات في ضوء ارتفاع أسعار البنزين، وإمكانية خسارته مزيدا من مقاعد الكونغرس في الانتخابات النصفية، بل إن تيار "ماغا" نفسه بدأ يتكلم ضده، فضلا عن طلب 200 مليار دولار من الكونغرس الذي قد يرفض.
لذا، فقد كلف نائب الرئيس جي دي فانس والمستشارين بإيجاد "نهاية دبلوماسية للحروب". وإيران ـ وفق الحيدري ـ أكثر حاجة لهذا الاتفاق بعد سقوط قياداتها وتضرر قواها.
ملامح الصفقة المرتقبة
وقدم المناوي رؤية لما يمكن أن يسفر عنه اتفاق محتمل، مؤكدا أن ترامب يبحث عن "صفقة سريعة ولا يهم إن كانت دائمة أو مؤقتة"، وهي في الغالب مؤقتة زمنيا.
وأشار إلى أن ملامح هذا الاتفاق قد تشمل: تقييد البرنامج النووي زمنيا في حدود 5 أو 10 أو 20 سنة، والتوصل إلى اتفاق حول حرية الملاحة في مضيق هرمز، إلى جانب تحرير جزئي للأصول الإيرانية المجمدة بين 55 مليار دولار أو أكثر، وثمة إشارات سابقة إلى إمكانية استثمار إيراني في أميركا بتريليونَي دولار.
الخطر الأعمق.. ما لا يناقَش
حذر المناوي من مخاطر جوهرية تغيب عن أجندة التفاوض، لافتا إلى أن النقاش الدائر ينصب على ملفات اليورانيوم وهرمز والأصول المالية، في حين يهمل ملفي الصواريخ والميليشيات والوكلاء الإيرانيين، وهي ملفات لو بقيت دون معالجة فإنها ستبقي "القنبلة موجودة ويمكن أن تنفجر في أي لحظة".
وأضاف أن ثمة ملفا آخر يكاد ينسى وهو مخاوف دول الجوار التي تعرضت لضربات إيرانية، مؤكدا ضرورة وضع "قواعد ثابتة ومستمرة للاشتباك والاتفاق وضمانات" تكفل أمنها، وإلا فإن أي اتفاق سيبقى منقوصا ومؤقتا.
وخلص إلى أن الخطر الأكبر لا يأتي من قرارات محسوبة بل من "أخطاء غير محسوبة في ظل حالة الراقص على حافة الهاوية".
المصدر:
سكاي نيوز