في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
لم تكن عملية اغتيال المرشد الأعلى الإيراني الراحل علي خامنئي وليدة صدفة استخبارية، بل جاءت بعد سنوات من الاختراقات السيبرانية العميقة، وتحليلات الخوارزميات الرياضية، في حملة تجسس هادئة انتهت بضربة خاطفة قلبت موازين القوى في قلب طهران.
وكشف تحقيق استقصائي لصحيفة فايننشال تايمز البريطانية، استنادا إلى مقابلات مع مسؤولين إسرائيليين، أن إسرائيل قضت سنوات في بناء شبكة استخبارية متكاملة مهدت الطريق لاغتيال المرشد، لكن قرار الاغتيال تم بناء على اعتبارات سياسية بالتنسيق مع واشنطن.
وأوضحت الصحيفة أن إسرائيل نجحت، على مدى أعوام، في اختراق معظم كاميرات المراقبة المرورية في العاصمة الإيرانية. و كانت زاوية كاميرا قرب شارع "باستور" -حيث اغتيل المرشد الراحل- ذات قيمة استثنائية، إذ مكنت الضباط من رصد تحركات الحراس والسائقين المحيطين بالمرشد الراحل والقيادات العليا، وفهم روتين عملهم في الأيام العادية.
بنت إسرائيل "خريطة حياة" دقيقة للحراس والسائقين، تضمنت هوية المسؤول الذي يحميه كل واحد منهم، وعناوين منازلهم، وطرق تنقلهم، والمهام الموكلة إلى كل منهم، وحتى الدقيقة التي يصلون فيها إلى عملهم
وجرى تشفير هذه الصور وإرسالها إلى خوادم في إسرائيل، حيث تم تحليل آلاف البيانات باستخدام خوارزميات معقدة وأساليب مثل "تحليل الشبكات الاجتماعية"، وهو منهج رياضي لدراسة الروابط والعلاقات بين الأفراد والكيانات لاستخلاص الأنماط والسلوكيات.
ومكّن ذلك الاستخبارات الإسرائيلية من بناء "خريطة حياة" دقيقة للحراس والسائقين، تضمنت هوية المسؤول الذي يحميه كل واحد منهم، وعناوين منازلهم، وطرق تنقلهم، والمهام الموكلة إلى كل منهم، وحتى الدقيقة التي يصلون فيها إلى عملهم، بحسب مصدر مطلع.
كما مكنت هذه المعرفة العميقة المخابرات من تمييز صناع القرار في "الشبكة"، بما في ذلك "الأهداف" التي يجب قتلها، بجانب أي تغيير بسيط في الروتين اليومي يمكن أن يشير إلى وجود حدث استثنائي (مثل اجتماع خاص)، أو تأكيد وجود هدف مهم في مكان معين.
ومن شدة وضوح تفاصيل النموذج الرقمي الذي رسمته الاستخبارات الإسرائيلية للعاصمة الإيرانية، قال أحد المسؤولين الاستخباريين الإسرائيليين الحاليين: "كنا نعرف طهران كما نعرف شوارع القدس".
وقال التقرير إن المهمة هي نتاج التنسيق بين " الوحدة 8200" الإسرائيلية، وجواسيس للاستخبارات الخارجية الإسرائيلية ( الموساد).
وعلى الرغم من دور التكنولوجيا المهم في عملية الاغتيال، كان قتل خامنئي قرارا سياسيا بامتياز، وفق مسؤولين حاليين وسابقين في المخابرات الإسرائيلية تحدثت معهم الصحيفة.
ولفتت الصحيفة إلى أن أول عامل ساهم في اتخاذ القرار كان وجود خامنئي مع "الكثير من القيادة العليا الإيرانية" في مكان واحد وزمان واحد، إذ قدرت إسرائيل ووكالة المخابرات المركزية الأمريكية (سي آي إيه) أن مطاردة القادة بعد بدء الحرب رسميا ستكون "أصعب بكثير".
وأخبر مسؤولٌ الصحيفة أن خامنئي لم يكن كثير الاختباء تحت الأرض، وكان يبدو أنه مستعد "للشهادة"، لكنه أصبح أكثر حذرا في الفترة الأخيرة. وقال: "كان من غير المعتاد ألا يكون في مخبئه -وكان لديه مخبآن- ولو كان هناك، لما تمكنت إسرائيل من الوصول إليه بالقنابل التي تمتلكها".
أما العامل الثاني -وفق التقرير- فهو تأكيد جاسوس للسي آي إيه موعد الاجتماع السبت، إذ كشف التقرير أن خطة الهجوم كانت جاهزة منذ أشهر، لكن تل أبيب وواشنطن كانتا في انتظار فرصة سانحة لشن الضربة، على الرغم من أن المفاوضات كان من المفترض أن تستمر خلال الأسبوع نفسه الذي نُفذت فيه العملية.
"في العبرية لدينا مثل يقول "مع الطعام يأتي الشهية"، وبمعنى آخر: كلما امتلكت أكثر، ازدادت رغبتك في المزيد".
بواسطة سيما شاين، مسؤولة سابقة في الموساد
وأكد التقرير أن التحقق من موعد الاجتماع وموقعه كان ضروريا، فوفق العقيدة الإسرائيلية، يجب أن يؤكد "ضابطان رفيعان" يعمل كل منهما مستقلا عن الآخر أن المعلومات الموجودة كافية لضمان نجاح عملية اغتيال شخصية رفيعة المستوى.
والعامل الثالث، هو أن عملية الاغتيال جاءت في وقت لم يعد فيه قتل القادة الأجانب خطا أحمرا بالنسبة لإسرائيل، إذ قالت سيما شاين (وهي مسؤولة سابقة في الموساد)، إنه بعد هجوم 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، والعمليات الإسرائيلية التي تلته، أصبحت إسرائيل أكثر جرأة.
وأضافت: "في العبرية لدينا مثل يقول "مع الطعام تأتي الشهية"، وبمعنى آخر: كلما امتلكت أكثر، ازدادت رغبتك في المزيد".
وقبيل الغارة، عطلت إسرائيل 12 برجا للاتصالات الخلوية بالقرب من شارع "باستور"، مما جعل بعض الهواتف تبدو مشغولة عند الاتصال بها، ومنع وصول تحذيرات محتملة إلى طاقم الحماية. ووصف التقرير هذه الخطوة بأنها جزء من عملية أوسع لشل قدرة الخصم على الاستجابة السريعة.
ووفق التقرير، أدت الولايات المتحدة دورا مباشرا في تمهيد الطريق أمام الطائرات الإسرائيلية، عبر هجمات سيبرانية عطلت قدرات إيران على الرصد والاتصال. وأُطلقت العملية بأمر مباشر من الرئيس الأمريكي دونالد ترمب.
وأفادت الصحيفة بأن المقاتلات الإسرائيلية، التي حلّقت لساعات لضمان الوصول في التوقيت المحدد، أطلقت نحو 30 ذخيرة من طراز "سبارو" على مجمع خامنئي، لتتم بذلك عملية اغتيال قلبت الاعتبارات السياسية في المنطقة ولا تزال مآلاتها غامضة.
ختاما ما هو مؤكد الآن أنه بين كاميرا في زاوية شارع، وخوارزمية ترسم الروتين ودائرة قرار سياسي اكتملت حلقات الضربة التي هزّت طهران، وأثرت في مستقبل المنطقة والإقليم، لكن ما جرى لا ينتهي عند لحظة الاغتيال بل سيكون له تأثير كبير مترابط ومتسارع.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة