أعادت التقارير الإعلامية التي كشفت عن استخدام الجيش الأمريكي لنموذج الذكاء الاصطناعي “كلود” في العملية العسكرية التي أودت بحياة المرشد الإيراني علي خامنئي، النقاش العالمي حول مستقبل الحروب وتشكل عقيدة عسكرية جديدة إلى الواجهة، وهو ما دفع الخبير في الذكاء الاصطناعي رشيد أشنين، في تصريح لجريدة “العمق”، إلى التحذير من خطورة تحول الخوارزميات إلى صانع للقرار العسكري وسط احتمالات تصعيد غير محسوب.
وأفادت صحيفة “وول ستريت جورنال” وموقع “أكسيوس” أن نظام “كلود” التابع لشركة “أنثروبيك” استُخدم بشكل مكثف خلال القصف الأمريكي–الإسرائيلي المشترك على إيران الذي بدأ السبت، حيث استعانت القيادة المركزية الأمريكية بالنظام لأغراض استخباراتية دقيقة، اعتمدت عليه لتحليل المسح الجغرافي لمجمع “باستور” في طهران، الذي يضم المقر الرسمي للمرشد الأعلى ويعتبر المربع الأكثر تحصينا، إذ ساعد النموذج في تحويل البيانات المعقدة إلى مسارات أهداف دقيقة وقام بمحاكاة آلاف السيناريوهات للضربة لضمان نسبة خطأ 0% أثناء التنفيذ.
وكشفت المصادر ذاتها عن توتر سياسي رافق العملية، إذ أمر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، قبل ساعات من الهجوم، جميع الوكالات الفيدرالية بالتوقف فورا عن استخدام برنامج “كلود”، مهاجما الشركة المالكة عبر منصته الاجتماعية ووصفها بأنها “يسارية متطرفة”، وذلك على خلفية نزاع سابق يتعلق باعتراض الشركة على استخدام النظام في غارة لاعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، ومع ذلك أقر وزير الدفاع بيت هيغسيث بصعوبة فصل الأنظمة العسكرية سريعا عن الأداة التقنية، مشيرا إلى مهلة انتقالية مدتها ستة أشهر.
وفي سياق التعليق على هذه التطورات المتسارعة، أوضح الخبير في الذكاء الاصطناعي رشيد أشنين لجريدة “العمق”، أن الحرب الدائرة حاليا في منطقة الشرق الأوسط تشهد تحولا جذريا في فلسفة القتال التقليدية، حيث لم تعد المعارك تقاس فقط بعدد الجنود أو قوة العتاد، بل أصبحت تعتمد بشكل متزايد على سرعة الخوارزميات ودقة البيانات، مشيرا إلى أن ما يجري ليس مجرد استخدام متقدم للتكنولوجيا، بل هو انتقال من حروب تدار بالعقل البشري إلى نزاعات تتوسطها وتقودها أحيانا أنظمة ذكية قادرة على التحليل والتوقع واتخاذ القرار.
وأكد أشنين أن هذا التحول التقني أدخل مفهوما جديدا إلى العقيدة العسكرية يتمثل في “تسريع الزمن الحربي”، حيث لم يعد القادة العسكريون ينتظرون التقارير الميدانية الكلاسيكية، بل باتوا يتلقون توصيات فورية مبنية على تحليل كميات ضخمة من البيانات في الوقت الفعلي، لافتا إلى أن هذا التسارع رغم منحه ميزة تكتيكية للجيوش، إلا أنه يضغط المساحة الزمنية المتاحة للتفكير السياسي والدبلوماسي، ويحول الإنسان داخل منظومة الحرب من صانع للقرار إلى مجرد “مصادق” على خيارات تنتجها الخوارزميات.
وحذر المتحدث ذاته من خطورة ما وصفه بـ “وهم الدقة”، موضحا أن الأنظمة الذكية تعطي انطباعا بالموضوعية المطلقة بينما تعتمد في الواقع على بيانات قد تكون ناقصة أو منحازة، مما يعني أن الأخطاء المرتكبة في هذا السياق لن تكون بطيئة وقابلة للتدارك، بل ستكون أخطاء سريعة تتضخم آثارها في زمن قياسي، وقد تؤدي إلى استهدافات خاطئة وتصعيد غير مرغوب فيه نتيجة تفسيرات خوارزمية مبالغ فيها تفتقر للحسابات البشرية المعقدة كالخوف والحذر.
وخلص الخبير في تصريحه للجريدة إلى أن العالم يقف أمام مفترق طرق تاريخي، حيث يمكن للذكاء الاصطناعي أن يكون أداة لتعزيز الدقة، لكنه قد يتحول إلى عامل لتسريع الفوضى الاستراتيجية في حال غياب الضوابط الصارمة، معتبرا أن انخفاض الكلفة البشرية المباشرة للحروب بفضل هذه الأنظمة قد يغري الدول باتخاذ قرارات عسكرية أكثر جرأة، مما يفرض تحديا حقيقيا لضمان بقاء الإنسان في قلب القرار العسكري.
المصدر:
العمق