لم تعد وحدة اليمن “تحصيل حاصل”. المشترك الذي صنعه التاريخ في أكثر من ثلاثة عقود من الوحدة، لم يضمن حتمية بقاء الجغرافيا على حالها، بل ربما وفّر من الأسباب ما يكفي لاحتمال تغيير خرائطها.
الخطوة الأهم في هذه المعادلة جاءت من ناحية المجلس الانتقالي الجنوبي في اليمن، وتمثّلت في كشفه، اليوم الجمعة، عن الإعلان الدستوري لـ”دولة الجنوب العربي”.
المجلس، الذي يقوده عيدروس الزبيدي، ويخوض حاليّاً مواجهات مع القوات الحكومية اليمنية، أعلن عن فترة انتقالية مدتها عامان، يتبعها استفتاء شعبي لاستقلال الجنوب.
وشكّل هذا الإعلان خروجاً للمجلس من المنطقة الرمادية، التي استقر فيها لسنوات طويلة، لكنه، وإن قدّم أجوبة حول نوايا المجلس من الناحية الفعلية، إلا أنه وضع البلاد أمام مفترق طرق جديد، وطرح العديد من الأسئلة حول مستقبل الجنوب، وزاد من تعقيدات مشهد يتصادم فيه حملة “بنادق الداخل” مع “أجندات الإقليم”.
شكل الإعلان الدستوري المرتبط بمرحلة انتقالية، خارطة طريق لقيام “دولة الجنوب العربي”. وتضمن بنوداً تتعلّق بهوية الدولة المفترضة ونظامها السياسي.
تحدث الإعلان عن أن “دولة الجنوب العربي” دولة مستقلة ذات سيادة، عاصمتها عدن، وحدودها هي الحدود الدولية لجمهورية اليمن الديموقراطية الشعبية سابقاً، وأن لغتها العربية ودينها الإسلام، حيث الشريعة مصدر رئيس للتشريع.
ونص الإعلان على أن النظام السياسي يقوم على مبدأ الفصل بين السلطات، في إطار دولة مدنية ديموقراطية، على أن يحدد الشعب شكل النظام النهائي عبر استفتاء عام بعد المرحلة الانتقالية، وأن رئيس الدولة هو الرئيس المفوّض بشأن استعادتها، وهو القائد الأعلى للقوات المسلحة ورئيس الحكومة الانتقالية.
وأشار إلى أن مدة المرحلة الانتقالية سنتان (قابلة للتمديد مرة واحدة)، بهدف بناء الدولة، وإعداد الدستور الدائم، وتنظيم استفتاء يحدد شكل النظام السياسي.
ينقل الإعلان الدستوري التوجّهات الانفصالية للمجلس الانتقالي الجنوبي من الحيز النظري إلى التطبيق العملي، ويؤسس لخطوات على الأرض تكرّس الانفصال عبر استحدث آلياته ومؤسساته.
ويوضح رئيس مركز “سوث 24” للأخبار والدراسات أياد قاسم أن الإعلان تأسيسي “يندرج ضمن ما يعرف بالشرعية الثورية الانتقالية. أهميته الحقيقية تأتي من كونه سياسي بامتياز، وأنه ينقل القضية الجنوبية من مربع المطالبة إلى مربع إعلان الإطار الدستوري الحاكم. هو فرض أمر واقع منظّم”.
لكن على الأرض تبدو الصورة أكثر ضبابية. فقد جاء الكشف عن الإعلان في لحظة احتدم فيها القتال بين المجلس، المدعوم من الإمارات، وقوات الحكومة المعترف بها دولياً، والمدعومة من السعودية.
ويفتح هذا الواقع الباب على مزيد من الشكوك حيال ما ستؤول إليه الأمور على الأرض، ما سيترك أثراً كبيراً على مصير الإعلان الدستوري و”مشروع دولة الجنوب”.
لكن ممثل رئيس المجلس الانتقالي الجنوبي للشؤون الخارجية عمرو البيض، يتعهد، في حديث لموقع “الحرة”، بالعمل على تنفيذ الإعلان الدستوري “بكل تأكيد”، ملوّحاً بـ”إعلان الدولة في حال استمر العدوان”.
وكانت القوات الحكومة قد شنت، الجمعة، عملية لاستعادة مواقع عسكرية سيطرت عليها، أخيراً، قوات المجلس في جنوب وشرق البلاد.
وأفاد سالم الخنبشي محافظ حضرموت أن قواته سيطرت على معسكر للجيش في الخشعة، وهي أكبر وأهم قاعدة عسكرية في محافظة حضرموت.
سبق كلّ ذلك سيطرة قوات المجلس، في ديسمبر الماضي، على مساحات واسعة من جنوب البلاد، في خطوة أشعلت فتيل نزاع حاد في اليمن والمنطقة.
وتسبب ذلك في توتر كبير في العلاقات بين السعودية – والإمارات. شنت الأولى غارات على ميناء المكلا اليمني وأخرى استهدفت “قوات الانتقالي” في حضرموت، فيما أعلنت الثانية سحب ما تبقى من قواتها في اليمن، بعد أن طالبها رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي بـ”الخروج من جميع الأراضي اليمنية خلال 24 ساعة”.
بطبيعة الحال، سيترك الإعلان الدستوري للمجلس الانتقالي أثراً كبيراً على مواقف الأطراف الداخلية اليمنية ومسار الصراع بينها، لكنه سيختبر ويتفاعل أيضاً مع النفوذ الإقليمي في هذا البلد.
يشدد البيض على وجود “تصعيد فعلي ضدنا. كان هناك تصعيد اليوم (الجمعة). استخدموا كلّ أنواع الأسلحة في العملية العسكرية”، لكنه يضيف: “سنستمر. سندافع عن أرضنا حتى النهاية”.
على أن تمسّك المجلس الانتقالي بالإعلان الدستوري وإبداء الاستعداد للقتال لا يضمنان المستقبل الذي يريده المجلس للجنوب. ثمة لاعبون آخرون يمنيون وإقليميون ودوليون لا بد وأن يكون لمواقفهم تأثير كبير.
يتحدث سالم عن “ثلاثة سيناريوهات للإعلان الدستوري. الأول أن توقف جميع القوات، بما فيها السعودية، التصعيد وتذهب نحو التهدئة، ما قد يعني تثبيت الواقع الراهن”.
السيناريو الثاني، كما يقول سالم، هو ممارسة ضغوط اقتصادية وأمنية من خلال إجراءات عدة، بينها نقل البنك المركزي من عدن.
أما السيناريو الثالث فيتمثّل في “الدخول في حرب شرسة مع الجنوبيين. هذا من شأنه أن يدفع المجلس الانتقالي إلى تقصير مدة الإعلان الدستوري وإعلان قيام دولة الجنوب العربي بشكل كامل”، يضيف سالم.
وإذا ما قُدّر لأيّ من هذه السيناريوهات أن يرى النور على الأرض، فإن ذلك سيضع اليمنيين أمام لحظة فارقة جديدة في تاريخهم، وهم الذين اختبروا مثل هذه اللحظات جيداً، من التقسيم إلى الحرب الأهلية والوحدة في القرن الماضي، وصولاً إلى سقوط نظام الرئيس السابق علي عبد الله صالح في 2012.
المصدر:
الحرة