آخر الأخبار

سندات أمريكا تحت الضغط.. لماذا ترتفع العوائد وكيف تتدخل الخزانة؟

شارك

في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي

تخيل أن الحكومة الأمريكية تحتاج إلى اقتراض 100 دولار لمدة 30 عاما، فتطرح سندا وتطلب من المستثمرين تمويلها. قبل فترة كان المستثمر مستعدا لإقراضها بعائد يقل عن 5%، لكنه أصبح اليوم يقول "إذا أردت أموالي لمدة 3 عقود، أريد أكثر من 5%"، وهو ما يعني أن تكلفة استدانة الإدارة الأمريكية ارتفعت.

هذا باختصار ما يحدث في سوق السندات الأمريكية، إذ ارتفع العائد على سندات الخزانة لأجل 30 عاما إلى أكثر من 5%، في ظل مخاوف من تضخم الدين العام وعجز الموازنة وارتفاع معدل التضخم و أسعار الفائدة.

اقرأ أيضا

list of 3 items
* list 1 of 3 أمريكا تعلن زيادة شراء سنداتها والمخاوف بشأن ديونها تهبط بالأسواق
* list 2 of 3 تدخل الخزانة الأمريكية يفشل في تهدئة ضغوط سوق السندات
* list 3 of 3 كيف تؤثر سندات تصدر في أمريكا على بلدك وجيبك؟ end of list

ففي أحدث مزاد، باعت وزارة الخزانة سندات لأجل 30 عاما بقيمة 25 مليار دولار بعائد بلغ 5.22%، وهو الأعلى في مزاد لهذه الفئة منذ عام 2001، مقارنة بـ5.06% في المزاد السابق في يوليو/تموز الماضي، و4.91% قبيل بدء الولاية الثانية للرئيس دونالد ترمب في يناير/كانون الثاني 2025.

وفي محاولة لتخفيف الضغوط على سوق السندات، أعلنت الخزانة مضاعفة عمليات إعادة شراء بعض السندات طويلة الأجل من ملياري دولار إلى 4 مليارات دولار على الأقل للعملية الواحدة، وبعد هذا القرار بيوم واحد قال وزير الخزانة سكوت بيسنت إن حجم برنامج عمليات إعادة شراء السندات سيكون أكبر من 4 مليارات دولار.

فلماذا ارتفعت العوائد على السندات الأمريكية؟ ولماذا تشتري واشنطن ديونا أصدرتها بنفسها؟ وكيف تتم هذه العملية؟ وهل تستطيع فعلا خفض تكلفة الاقتراض؟

1- لماذا ارتفعت عوائد سندات الـ30 عاما؟

تخيل أنك ستقرض شخصا أموالك لمدة عام، ثم جاء شخص آخر وطلب منك المبلغ نفسه لمدة 30 عاما، من الطبيعي -وفق النظام الاقتصادي التقليدي- أن تطلب من الشخص الثاني عائدا أكبر، لأنك لا تعرف كيف ستكون الأسعار والتضخم ومعدلات الفائدة وقيمة أموالك بعد 3 عقود.

لكن المشكلة الحالية تتجاوز مسألة طول المدة، ويمكن تلخيصها في معادلة بسيطة: الحكومة الأمريكية تحتاج إلى بيع كميات ضخمة من السندات للاستدانة، في حين أصبح المستثمرون أكثر حساسية للسعر الذي سيشترون به هذه الديون السيادية.

إعلان

وقبل أيام فاق حجم الدين الأمريكي 40 تريليون دولار لأول مرة في التاريخ، بينما تستمر الحكومة في تسجيل عجز مالي كبير، وهو ما يعني حاجتها إلى إصدار مزيد من السندات لتمويل الإنفاق، وسداد الديون التي يحين أجلها.

وكلما زاد المعروض من السندات، احتاجت الحكومة إلى عدد أكبر من المشترين. وإذا لم يكن الطلب كافيا استنادا إلى الأسعار الحالية، تنخفض أسعار السندات وترتفع عوائدها حتى تصبح مغرية لكي يحوزها المستثمرون.

ويشير الخبير الاقتصادي محمد النويلة -خلال حديثه للجزيرة نت- إلى أن المحرك الأساسي لسوق السندات الأمريكية لا يتعلق بالتضخم وحده، وإنما بـ"العرض والطلب على الدين"، فالحكومة تصدر ديونا بوتيرة مرتفعة، بينما يطلب المستثمرون عائدا أعلى لاستيعاب هذا المعروض.

ويضيف النويلة إلى ذلك التضخم، إذ بلغ 4.2% في مايو/أيار الماضي قبل أن يتراجع إلى 3.4% في يوليو/تموز الماضي، لكنه ظل أعلى من هدف مجلس الاحتياطي الفدرالي ( البنك المركزي الأمريكي) البالغ 2%.

فالمستثمر الذي يشتري سندا لمدة 30 عاما يخشى أن يؤدي ارتفاع الأسعار مستقبلا إلى تآكل القوة الشرائية للفوائد التي سيحصل عليها، ولذلك يطلب عائدا أكبر لتعويض هذه المخاطرة.

مصدر الصورة التضخم في أمريكا يتراجع إلى 3.4% في يوليو/تموز الماضي (رويترز)

وهناك عامل آخر هو ارتفاع أسعار الفائدة نفسها. فإذا كان المستثمر يستطيع الحصول على عائد مرتفع من أدوات قصيرة الأجل، فلماذا يربط أمواله لمدة 30 عاما بعائد قريب منها؟ وبالتالي يجب أن تقدم السندات طويلة الأجل عائدا أكبر حتى تجذب أموال المستثمرين.

تغييرات في بنية حائزي السندات

كما تغير نوع المستثمرين الذين يمولون الحكومة الأمريكية، فقد كان الاحتياطي الفدرالي والبنوك المركزية الأجنبية يمثلون تاريخيا جزءا كبيرا من حائزي سندات الخزانة، ولكن القطاع الخاص أصبح أكثر أهمية في هذا المجال.

ووفقا لتحليل بنك باركليز البريطاني، ارتفعت حصة المستثمرين من القطاع الخاص من قرابة نصف سوق سندات الخزانة في عام 2016 إلى 73% في عام 2026، مقابل تراجع حصة القطاع الرسمي (البنوك المركزية وغيرها) إلى 27%.

وهؤلاء المستثمرون الخواص أكثر حساسية للأسعار، لأن مدير صندوق مثلا يقارن سند الخزانة بسندات الشركات والأسهم والأسواق الأخرى، ولن يشتري إلا إذا كان العائد جذابا بما يكفي مقارنة بباقي الأصول.

وتواجه وزارة الخزانة كذلك منافسة متزايدة على أموال المستثمرين، مع إصدار كبريات شركات التكنولوجيا الأمريكية كميات كبيرة من الديون لتمويل مراكز البيانات والذكاء الاصطناعي، وارتفاع عوائد السندات الحكومية في أوروبا واليابان، مما يمنح المستثمر بدائل أخرى.

2- لماذا يعني بيع السندات ارتفاع العائد؟

هناك قاعدة أساسية لفهم سوق السندات، فالسعر والعائد يتحركان في اتجاهين متعاكسين.

لنفترض أن المستثمر لديه سند قيمته 100 دولار ويحصل سنويا على عائد بقيمة 5 دولارات، وبالتالي فإن ما تحقق من دخل يعادل 5% من هذا السعر.

ولكن إذا كثرت عمليات البيع وهبط سعر السند إلى 90 دولارا، يستطيع المستثمر الجديد الحصول على الدخل نفسه البالغ 5 دولارات مقابل دفع 90 دولارا فقط، وبالتالي يصبح العائد الفعلي أعلى.

إعلان

والعكس صحيح، فكلما زاد الطلب على السند وارتفع سعره، انخفض عائده.

ولهذا فإن موجة بيع السندات الطويلة الأجل التي شهدتها الأسواق تعني انخفاض أسعارها، ومن ثم ارتفاع العوائد التي تطلبها السوق لتمويل الحكومة الأمريكية.

3- لماذا تشتري الخزانة الأمريكية سنداتها؟

الحكومة تقترض بإصدار السندات، ثم تعود لتشتري بعض السندات التي أصدرتها، والهدف الأساسي من عملية إعادة الشراء هو تحسين سيولة سوق الدين وإدارة هيكل التمويل.

فليست جميع سندات الخزانة متساوية في سهولة التداول. عندما تصدر الحكومة سندا جديدا لأجل 30 عاما يكون عادة أكثر نشاطا في السوق من سند صدر قبل عدة سنوات وأصبح متبقيا على استحقاقه مثلا 26 عاما.

وقد يصبح بيع الإصدارات القديمة بكميات كبيرة أصعب، مما يجعل المستثمرين يطلبون سعرا أعلى مقابل الاحتفاظ بها، وهنا تتدخل وزارة الخزانة بصفتها مشتريا إضافيا وتقوم بشراء جزء من هذه السندات.

وتتم العملية بطريقتين:


* الأولى مباشرة: زيادة الطلب على السندات يمكن أن ترفع أسعارها، وبالتالي تنخفض عوائدها.
* الثانية غير مباشرة: عندما يعرف المستثمر أن هناك مشتريا منتظما للسندات القديمة، يصبح الاحتفاظ بها أقل خطرا من ناحية القدرة على بيعها لاحقا.

ولهذا أعلنت الخزانة مضاعفة مشترياتها لبعض السندات التي يتراوح أجلها بين 10 و30 عاما، من ملياري دولار إلى 4 مليارات دولار على الأقل للعملية، ثم قالت الوزارة إن قيمة برنامج المشتريات ستفوق المبلغ المذكور.

لكن الخبير الاقتصادي النويلة يرى أن هذه الخطوة أقرب إلى "مُسكن" من كونها علاجا، لأنها تتعامل مع سيولة السوق، بينما لا تلغي حاجة الحكومة إلى الاقتراض لتمويل العجز.

مصدر الصورة الخزانة تستهدف شراء سنداتها بهدف تحسين السيولة وتخفيف الضغوط على العوائد مؤقتا (رويترز)

4- كيف تشتري الخزانة السندات؟

يمكن تصور العملية باعتبارها مزادا معكوسا، ففي المزادات الاعتيادية تكون الخزانة هي البائع: تعرض سندات جديدة، ويتنافس المستثمرون على شرائها.

وأما في عملية إعادة الشراء، فتنقلب الأدوار، إذ تصبح الخزانة هي المشتري، بينما تعرض المؤسسات المالية السندات التي تريد بيعها.

وتحدد الخزانة أولا نوع السندات وآجالها والمبلغ الذي ترغب في شرائه، ثم تقدم البنوك والمؤسسات المؤهلة عروضها، بحيث يحدد كل طرف السند الذي يريد بيعه والكمية والسعر.

وتقارن وزارة الخزانة هذه العروض بأسعار السوق وتختار العروض المناسبة حتى تصل إلى المبلغ الذي تريد شراءه.

وتتم العمليات عبر بنك الاحتياطي الفدرالي في نيويورك بصفته الوكيل المالي لوزارة الخزانة.

ولنفترض مثلا أن عدة بنوك تمتلك سندات قديمة لأجل 30 عاما وتريد بيعها، فيقول البنك الأول "سأبيع لكم سندات بقيمة 500 مليون دولار بهذا السعر"، ويقدم الثاني والثالث عروضهما، ثم تختار الخزانة العروض التي تناسبها.

وبمجرد إتمام العملية، تحصل المؤسسات على الأموال مقابل السندات التي اشترتها الخزانة.

5- من أين تأتي الخزانة بأموال الشراء؟

إعادة شراء السندات لا تعني أن الحكومة الأمريكية تسدد ديونها ببساطة أو تطبع أموالا جديدة.

فالخزانة لا تزال تحتاج إلى الاقتراض لتمويل عجز الموازنة، ويمكنها إصدار أدوات دين أخرى مقابل السندات التي أعادت شراءها.

وقد تتجه مثلا إلى زيادة الاعتماد على أذونات الخزانة قصيرة الأجل، بدلا من زيادة إصدار السندات طويلة الأجل.

ورغم أن كلا من الأذونات والسندات هي أدوات دين حكومية تصدرها وزارة الخزانة، فإن الفرق الجوهري بين الأداتين يكمن في أن مدة استحقاق الأذونات قصيرة جدا (بين بضعة أسابيع وسنة واحدة فقط)، في حين أن مدة استحقاق السندات تكون بالسنوات (بين عامين و30 عاما).

كما أن الخزانة لا تدفع فائدة دورية لحائزي أذوناتها كما يحدث مع حائزي السندات، بل إن الأذونات تباع بخصم من قيمتها الاسمية.

إعلان

وبالتالي يمكن تبسيط العملية على النحو التالي:

الخزانة تشتري جزءا من الدين طويل الأجل الموجود في السوق، وفي المقابل تمول احتياجاتها بإصدار ديون أخرى، قد تكون أقصر أجلا مثل الأذونات، أي أنها تعيد ترتيب الدين أكثر مما تخفضه.

وهنا يكمن الفرق أيضا بين تدخل الخزانة وعمليات "التيسير الكمي" التي ينفذها الاحتياطي الفدرالي.

فالبنك المركزي الأمريكي يشتري السندات لتحقيق أهداف السياسة النقدية والتأثير في الأوضاع المالية، بينما تقوم الخزانة بعمليات إعادة الشراء ضمن إدارة الدين والسيولة في السوق.

6- كيف تؤثر مشتريات الخزانة على العوائد؟

وهنا تحضر مرة أخرى العلاقة العكسية بين السعر والعائد، فعندما تدخل الخزانة بوصفها مشتريا جديدا، يرتفع الطلب على السندات.

وتدفع زيادة الطلب السعر إلى الارتفاع، ويؤدي هذا الارتفاع إلى خفض العائد على السندات، ولهذا انخفضت عوائد السندات الطويلة مباشرة بعد إعلان توسيع عمليات إعادة الشراء.

لكن التأثير لم يستمر طويلا، إذ عادت عمليات البيع وارتفع عائد سندات الـ30 عاما إلى نحو 5.24%.

والسبب أن شراء بضعة مليارات من الدولارات لا يزيل العوامل التي دفعت العوائد إلى الارتفاع أساسا.

فإذا ظل العجز مرتفعا والدين يتزايد والتضخم أعلى مما يستهدف الاحتياطي الفدرالي وأسعار الفائدة مرتفعة، فإن المستثمر يستمر في المطالبة بعائد أكبر مقابل إقراض الحكومة لمدة 30 عاما.

وهذا ما يشير إليه الخبير الاقتصادي النويلة بأن انخفاض العوائد بصورة مستدامة يحتاج إلى أحد عاملين أساسيين:


* تقليص حقيقي للعجز المالي
* تراجع مستدام في مخاطر التضخم

7- لماذا تهم عوائد سندات الـ30 عاما المواطن والشركات؟

تمثل سندات الخزانة الأمريكية سعرا مرجعيا لكثير من عمليات الاقتراض.

فإذا كانت الحكومة الأمريكية، التي تعد من أكثر المقترضين أمانا في العالم، تدفع أكثر من 5% للحصول على الأموال لمدة طويلة، فإن الشركات والأسر التي تحمل مخاطر أكبر ستضطر غالبا إلى دفع فائدة أعلى.

وهكذا يمتد ارتفاع العوائد إلى الرهون العقارية وقروض الشركات وإصدارات سندات القطاع الخاص، كما يضغط على أسعار العقارات وتقييمات الأسهم.

وتواجه الحكومة الفدرالية نفسها المشكلة ذاتها، إذ يؤدي ارتفاع العوائد إلى زيادة تكلفة إعادة تمويل الدين وفاتورة الفوائد.

وتنشأ بذلك دائرة حساسة: ارتفاع العوائد يزيد مصروفات الفائدة، وزيادة المصروفات قد توسع عجز الموازنة، والعجز يحتاج إلى مزيد من الاقتراض، والمزيد من السندات يحتاج بدوره إلى مشترين جدد، لتظهر هنا حدود عمليات إعادة الشراء.

فالخزانة تستطيع أن تدخل السوق وتقول للمستثمرين "سأشتري منكم بعض السندات القديمة"، فتزيد الطلب وترفع الأسعار وتخفض العوائد مؤقتا.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

إقرأ أيضا


حمل تطبيق آخر خبر

آخر الأخبار