دخل القانون رقم 66.23 المتعلق بمهنة المحاماة حيز التنفيذ، عقب نشره في الجريدة الرسمية، في وقت لا يزال فيه الجدل القانوني والدستوري والمهني قائماً حول عدد من مقتضياته، خاصة في أعقاب قرار المحكمة الدستورية رقم 277/26.
واعتبر محامون، في تصريحات لجريدة “العمق” أن نشر القانون رقم 66.23 المتعلق بمهنة المحاماة في الجريدة الرسمية ودخوله حيز التنفيذ لا يعنيان نهاية الجدل القانوني والدستوري والمهني الذي رافق مساره التشريعي، مؤكدين أن قرار المحكمة الدستورية لم يحسم بشكل موضوعي في مدى دستورية مقتضيات القانون، وأن المرحلة المقبلة تقتضي مواصلة النقاش حول عدد من مضامينه، خاصة ما يرتبط باستقلال مهنة المحاماة وحصانة الدفاع والتنظيم الذاتي للمهنة وضمانات المحاكمة العادلة.
وأجمع المحامون على أن المعركة التي خاضها الجسم المهني خلال الأشهر الماضية تجاوزت الخلاف حول مقتضيات قانونية بعينها، لتشمل الدفاع عن مكانة المحاماة داخل منظومة العدالة واستقلالها وأدوارها في حماية الحقوق والحريات، معتبرين أن دخول القانون حيز التنفيذ يفتح مرحلة جديدة من العمل والنضال المهني والمؤسساتي، مع التشديد على ضرورة احترام المؤسسات المهنية ومواصلة الترافع من أجل إدخال التعديلات التي يرونها ضرورية ومستعجلة.
إعادة إحالة القانون على المحكمة الدستورية
وفي هذا السياق، اعتبر محمد بنساسي، المحامي بهيئة الرباط، أن نشر القانون ودخوله حيز التنفيذ شكّل مفاجأة بالنسبة إلى المحامين، بالنظر إلى السياق الذي انتهى إليه مساره التشريعي، مؤكداً أن قرار المحكمة الدستورية لم يحسم في دستورية مقتضيات القانون بشكل موضوعي.
وأوضح بنساسي أن ما كان ينبغي القيام به، بعد صدور قرار المحكمة الدستورية، هو العمل على تصحيح مسطرة الإحالة من طرف رئيس مجلس النواب وإعادة إحالة القانون عليها من جديد، حتى تتمكن المحكمة الدستورية من ممارسة اختصاصها الدستوري في بسط رقابتها على مقتضياته وفحص مدى مطابقتها لأحكام الدستور.
وأضاف أن الانتقال مباشرة إلى نشر القانون في الجريدة الرسمية، دون أخذ مطالب السادة المحامين العادلة والمشروعة بعين الاعتبار، ورغم ما قد ينطوي عليه هذا القانون من مقتضيات قد تكون غير مطابقة لأحكام الدستور، حال دون إجراء فحص دستوري كان من شأنه أن يساهم في تهيئة الأرضية لتسوية هذا الملف نهائياً.
وشدد المتحدث على أن المحكمة الدستورية لم تقل إن القانون مطابق لأحكام الدستور في قرارها الأخير، كما أنها لم تفصل في دستورية مقتضياته موضوعياً، وإنما تعذر عليها البت في الإحالة على حالتها.
ثلاثة أشهر من التوقف عن أداء مهام الدفاع
وربط بنساسي هذا التطور بالمسار النضالي الطويل الذي خاضه السادة المحامون، والذي استمر لما يقارب ثلاثة أشهر من التوقف عن أداء مهام الدفاع.
وقال إن هذه المدة الطويلة حمل خلالها المحامون، ولا سيما الشباب منهم، كلفة مهنية ومادية كبيرة، انطلاقاً من قناعة راسخة بأن استقلال مهنة المحاماة وحصانة الدفاع ليستا امتيازاً مهنياً، وإنما ضمانتان أساسيتان لصيانة الحق في الدفاع وتحصيناً لقواعد وشروط المحاكمة العادلة.
رفض قانون خارج المنهجية التشاركية
وفي هذا السياق، استحضر بنساسي موقف مكتب جمعية هيئات المحامين بالمغرب، الذي عبّر بوضوح، في بلاغه الصادر بتاريخ 2 يوليوز 2026، عن موقفه من المسار التشريعي الخاص بهذا القانون.
وأشار إلى أن الجمعية أكدت أن المحاماة بالمغرب، ممارسين ومهنيين ومؤسسات، لن تكون معنية بأي قانون يصدر خارج المنهجية التشاركية وضد الدستور، وفي تناقض مع المبادئ الكونية للمحاماة.
وبالموازاة مع ذلك، ذكر المتحدث أن المكتب أعلن، في البلاغ ذاته، عن إحداث لجنة متفرعة عن مكتب الجمعية للترافع الدولي أمام المؤسسات والمنظمات الأممية والمهنية، من أجل شرح قضية المحاماة والتعريف بما تتعرض له مهنة المحاماة من هجمة تشريعية ممنهجة وغير مسبوقة، وما قد يترتب عنها من إضعاف لدور الدفاع وجعله على هامش منظومة العدالة.
خياران أمام الجسم المهني
وبخصوص المرحلة المقبلة، يرى بنساسي أن الخيارات المطروحة أمام الجسم المهني اليوم ليست كثيرة، وهي خيارات صعبة في كل الأحوال.
وأوضح أن الخيار الأول يتمثل في الاستمرار في التوقف الشامل عن أداء مهام الدفاع، مع تفعيل الخطوات النضالية التي سبق الإعلان عنها، بما فيها استقالة السادة النقباء وعدم الدعوة إلى إجراء الانتخابات المهنية.
وحذر من أن هذا الخيار، إذا تم المضي فيه، قد يقود إلى فراغ مهني غير مسبوق في تاريخ مهنة المحاماة بالمغرب، الأمر الذي ستكون له، دون شك، تداعيات كبيرة على منظومة العدالة برمتها.
أما الخيار الثاني، فيتمثل، وفق بنساسي، في عودة السادة المحامين إلى مزاولة مهامهم داخل المحاكم، مع الاستمرار في خوض المعركة النضالية بأشكال أخرى، إلى حين إخضاع القانون المعني للتعديلات الضرورية، ولا سيما المستعجلة منها، خاصة تلك التي تمس استقلال الدفاع وحصانته وتنظيمه الذاتي.
دخول القانون حيز التنفيذ لا يعني نهاية النقاش
وفي ختام تصريحه، اعتبر بنساسي أن نشر القانون ودخوله حيز التنفيذ لا يعني، على كل حال، انتهاء النقاش القانوني والدستوري والمهني والمؤسساتي حول مقتضياته وأحكامه، وإنما يعتبر بداية مرحلة جديدة تنتظر فيها قرارات وخطوات المؤسسات المهنية.
وأكد أن الهدف الأسمى من نضالات المحامين هو ضمان أن تظل مهنة المحاماة مستقلة وقادرة على أداء رسالتها والاضطلاع بأدوارها الكاملة في حماية الحقوق والحريات وضمان شروط المحاكمة العادلة.
اختتام لمسار تشريعي وأسئلة لم تنته
وفي سياق آخر، اعتبر الأستاذ أشرف بومسيس، المحامي بهيئة الرباط، أن نشر القانون المتعلق بمهنة المحاماة في الجريدة الرسمية يشكل اختتاماً لمسار تشريعي، غير أن صدور النص لا يعني، من وجهة نظره، نهاية الأسئلة والانتقادات التي رافقت مساره، ولا النقاش المرتبط بمكانة المهنة واستقلالها وضمانات المحاكمة العادلة.
وأوضح بومسيس، في تصريح لجريدة «العمق المغربي»، أن المعركة التي خاضها المحامون تجاوزت الخلاف حول مقتضيات قانونية، لتشمل الدفاع عن مكانة المحاماة داخل منظومة العدالة، وعن استقلالها وأدوارها في حماية الحقوق والحريات.
وأكد بومسيس أن نشر القانون المتعلق بمهنة المحاماة في الجريدة الرسمية لا يعدو أن يكون اختتاماً لمسار تشريعي كان لا بد له، في نهاية المطاف، من أن يصل إلى منتهاه.
وأفاد أن صدور النص لا يلغي الأسئلة التي رافقت مساره، ولا يمحو الاختلالات التي شابته، ولا الانتقادات الواسعة التي عبّر عنها المحامون، ولا الاحتجاجات والإضرابات المهنية التي خاضها السادة المحامون دفاعاً عن تصورهم لمهنة المحاماة، وعن ضمانات المحاكمة العادلة، وليس دفاعاً عن مصالح فئوية ضيقة كما حاول البعض تصوير ذلك.
المعركة دفاع عن استقلال المحاماة وضمانات المحاكمة العادلة
وأكد أن المعركة كانت، في جوهرها، أكبر من مجرد خلاف حول مقتضيات قانونية؛ كانت دفاعاً عن مكانة المحاماة داخل منظومة العدالة، وعن استقلالها، وعن أدوارها في حماية الحقوق والحريات وضمان شروط المحاكمة العادلة.
واعتبر أن المحاماة قد انتصرت بصمودها، وبقوة مؤسساتها، وباحترامها لمؤسساتها المهنية ووحدتها. فقد أثبتت أن الاختلاف في الرؤى لا ينال من تماسكها، وأن قوة المهنة ليست في رفع الشعارات فحسب، وإنما في قدرتها على الصمود والترافع والاحتجاج، واللجوء إلى المؤسسات والآليات الدستورية والقانونية.
وأكد أن التاريخ سيظل شاهداً على هذا النضال المستميت، كما سيظل شاهداً على كل من كانت له الإرادة والمسؤولية في تمرير هذه المقتضيات، بكل ما رافقها من نقاش وانتقاد وتحفظ.
وفي سياق آخر، أكد أن نشر القانون ليس نهاية دور المحاماة، بل بداية مرحلة جديدة من النضال المهني والمؤسساتي؛ مرحلة ستواصل فيها المحاماة الدفاع عن مهنتها، وعن استقلالها، وعن رسالتها، وعن حق المواطن في عدالة نزيهة ومنصفة.
وحدة المحامين واحترام المؤسسات المهنية
واختتم بومسيس بالقول إنه في القادم من الأيام، سيظل جميع المحامين، بمختلف مواقعهم وتوجهاتهم، ملتزمين بما ستقرره مؤسساتهم المهنية، وموحدين حول ما تقتضيه مصلحة المهنة ورسالتها، لأن قوة المحاماة كانت وستظل في احترام مؤسساتها والالتزام بقراراتها، وفي ممارسة حقها في الدفاع والترافع بكل الوسائل الدستورية والقانونية المشروعة.
وخلص إلى أن المحاماة لا تنكسر أمام قانون، ولا تتراجع أمام تحدٍّ، بل تستمر في الدفاع عن وجودها ورسالتها، وستظل شامخة، صامدة، وفية لدورها في إحقاق الحق وحماية الحقوق والحريات، والتاريخ وحده كفيل بأن ينصف المواقف ويكشف الحقائق.
المصدر:
العمق